متابعات

حملــــة مواجهة الغلاء بإجراءات رقابية

تقرير مني الساحلي

تشهد‭ ‬العاصمة‭ ‬الليبية‭ ‬طرابلس،‭ ‬منذ‭ ‬عدة‭ ‬أشهر،‭ ‬تصاعدًا‭ ‬ملحوظًا‭ ‬في‭ ‬معدلات‭ ‬الغلاء‭ ‬المعيشي،‭ ‬انعكس‭ ‬بشكل‭ ‬مباشر‭ ‬على‭ ‬القدرة‭ ‬الشرائية‭ ‬للمواطنين،‭ ‬خصوصًا‭ ‬ذوي‭ ‬الدخل‭ ‬المحدود‭ ‬والمتقاعدين‭ ‬وأصحاب‭ ‬الرواتب‭ ‬الثابتة‭. ‬ومع‭ ‬اقتراب‭ ‬مواسم‭ ‬استهلاكية‭ ‬مهمة،‭ ‬مثل‭ ‬شهر‭ ‬رمضان،‭ ‬ازدادت‭ ‬المخاوف‭ ‬من‭ ‬تفاقم‭ ‬الأزمة،‭ ‬ما‭ ‬دفع‭ ‬حكومة‭ ‬الوحدة‭ ‬الوطنية‭ ‬إلى‭ ‬إطلاق‭ ‬حملة‭ ‬شاملة‭ ‬لمواجهة‭ ‬الغلاء‭ ‬وضبط‭ ‬الأسواق،‭ ‬في‭ ‬aعن‭ ‬المواطنين‭.‬

ويعود‭ ‬الغلاء‭ ‬المعيشي‭ ‬في‭ ‬طرابلس‭ ‬إلى‭ ‬جملة‭ ‬من‭ ‬العوامل‭ ‬المتداخلة،‭ ‬أبرزها‭ ‬تقلبات‭ ‬سعر‭ ‬صرف‭ ‬الدينار‭ ‬الليبي‭ ‬أمام‭ ‬العملات‭ ‬الأجنبية،‭ ‬وارتفاع‭ ‬تكاليف‭ ‬الاستيراد،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬ضعف‭ ‬الرقابة‭ ‬على‭ ‬الأسواق‭ ‬وانتشار‭ ‬المضاربة‭ ‬والاحتكار‭. ‬كما‭ ‬أسهمت‭ ‬الأوضاع‭ ‬السياسية‭ ‬والأمنية‭ ‬غير‭ ‬المستقرة‭ ‬في‭ ‬تعطيل‭ ‬سلاسل‭ ‬الإمداد‭ ‬ورفع‭ ‬كلفة‭ ‬النقل‭ ‬والتوزيع،‭ ‬ما‭ ‬أدى‭ ‬إلى‭ ‬ارتفاع‭ ‬أسعار‭ ‬السلع‭ ‬الأساسية،‭ ‬خاصة‭ ‬المواد‭ ‬الغذائية‭ ‬والاستهلاكية‭.‬

ووفق‭ ‬تقارير‭ ‬اقتصادية،‭ ‬فإن‭ ‬التضخم‭ ‬بات‭ ‬يلتهم‭ ‬جزءًا‭ ‬كبيرًا‭ ‬من‭ ‬دخول‭ ‬الأسر،‭ ‬حيث‭ ‬أصبحت‭ ‬الرواتب‭ ‬غير‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬مواكبة‭ ‬الزيادات‭ ‬المتسارعة‭ ‬في‭ ‬الأسعار،‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬خلق‭ ‬حالة‭ ‬من‭ ‬السخط‭ ‬الاجتماعي‭ ‬والقلق‭ ‬المتزايد‭ ‬داخل‭ ‬العاصمة‭.‬

وفي‭ ‬ظل‭ ‬تصاعد‭ ‬الضغوط‭ ‬الاقتصادية‭ ‬وارتفاع‭ ‬أسعار‭ ‬السلع‭ ‬الأساسية،‭ ‬أطلقت‭ ‬حملة‭ ‬موسعة‭ ‬لمواجهة‭ ‬الغلاء‭ ‬المعيشي‭ ‬في‭ ‬العاصمة‭ ‬طرابلس،‭ ‬في‭ ‬محاولة‭ ‬للحد‭ ‬من‭ ‬موجة‭ ‬الارتفاعات‭ ‬السعرية‭ ‬التي‭ ‬أثقلت‭ ‬كاهل‭ ‬المواطنين،‭ ‬خاصة‭ ‬ذوي‭ ‬الدخل‭ ‬المحدود‭ ‬وأصحاب‭ ‬المرتبات‭ ‬الثابتة‭.‬

وتأتي‭ ‬هذه‭ ‬الحملة‭ ‬في‭ ‬وقت‭ ‬تشهد‭ ‬فيه‭ ‬الأسواق‭ ‬المحلية‭ ‬حالة‭ ‬من‭ ‬عدم‭ ‬الاستقرار‭ ‬فى‭ ‬الاسعار‭ ‬وسط‭ ‬شكاوى‭ ‬متزايدة‭ ‬من‭ ‬المواطنين‭ ‬بشأن‭ ‬الارتفاع‭ ‬غير‭ ‬المبرر‭ ‬في‭ ‬أسعار‭ ‬المواد‭ ‬الغذائية‭ ‬والاستهلاكية،‭ ‬مما‭ ‬جعل‭ ‬من‭ ‬ملف‭ ‬الغلاء‭ ‬أولوية‭ ‬على‭ ‬أجندة‭ ‬الجهات‭ ‬الرقابية‭  ‬خلال‭ ‬الفترة‭ ‬الحالية‭.‬

فالمؤشرات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬التى‭  ‬تعكس‭ ‬حجم‭ ‬الأزمة

تشير‭ ‬تقديراتها‭ ‬الاقتصادية‭ ‬المحلية‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬معدل‭ ‬التضخم‭ ‬في‭ ‬ليبيا‭ ‬خلال‭ ‬العامين‭ ‬الأخيرين‭ ‬انعكس‭ ‬بشكل‭ ‬مباشر‭ ‬على‭ ‬تكلفة‭ ‬المعيشة،‭ ‬حيث‭ ‬فقدت‭ ‬الأسر‭ ‬في‭ ‬طرابلس‭ ‬ما‭ ‬بين‭ ‬25‭% ‬إلى‭ ‬30‭ % ‬من‭ ‬قدرتها‭ ‬الشرائية‭ ‬مقارنة‭ ‬بعام‭ ‬2022‭.‬

وسجلت‭ ‬أسعار‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬السلع‭ ‬الأساسية‭ ‬ارتفاعات‭ ‬متفاوتة،‭ ‬من‭ ‬بينها‭:‬

الدقيق‭: ‬زيادة‭ ‬تراوحت‭ ‬بين‭ ‬15‭ ‬و20‭ ‬في‭ ‬المئة

الأرز‭: ‬ارتفاع‭ ‬بنحو‭ ‬25‭ ‬في‭ ‬المئة

الزيت‭ ‬النباتي‭: ‬تجاوزت‭ ‬الزيادة‭ ‬30‭ ‬في‭ ‬المئة

السكر‭: ‬زيادة‭ ‬تقدر‭ ‬بنحو‭ ‬18‭ ‬في‭ ‬المئة

كما‭ ‬ارتفع‭ ‬متوسط‭ ‬الإنفاق‭ ‬الشهري‭ ‬للأسرة‭ ‬في‭ ‬طرابلس‭ ‬على‭ ‬الغذاء‭ ‬من‭ ‬حوالي‭ ‬900‭ ‬دينار‭ ‬ليبي‭ ‬إلى‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬1‭,‬200‭ ‬دينار‭ ‬ليبي،‭ ‬وفق‭ ‬تقديرات‭ ‬سوقية،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يشكل‭ ‬عبئًا‭ ‬إضافيًا‭ ‬على‭ ‬ميزانيات‭ ‬الأسر‭.‬

وفي‭ ‬مواجهة‭ ‬هذه‭ ‬المؤشرات،‭ ‬قامت‭ ‬الجهات‭ ‬المختصة‭ ‬بضرورة‭ ‬التحرك‭ ‬العاجل‭ ‬لضبط‭ ‬الأسواق،‭ ‬مؤكدًا‭ ‬أن‭ ‬حماية‭ ‬المستهلك‭ ‬وضمان‭ ‬توفر‭ ‬السلع‭ ‬بأسعار‭ ‬مناسبة‭ ‬تمثل‭ ‬أولوية‭ ‬وطنية‭.‬

وبناءً‭ ‬على‭ ‬هذه‭ ‬التوجيهات،‭ ‬باشرت‭ ‬وزارة‭ ‬الاقتصاد‭ ‬والتجارة،‭ ‬بالتنسيق‭ ‬مع‭ ‬جهاز‭ ‬الحرس‭ ‬البلدي‭ ‬وجهاز‭ ‬حماية‭ ‬المستهلك،‭ ‬تنفيذ‭ ‬حملة‭ ‬رقابية‭ ‬واسعة‭ ‬شملت‭ ‬الأسواق‭ ‬الرئيسية،‭ ‬ومحلات‭ ‬بيع‭ ‬المواد‭ ‬الغذائية،‭ ‬والمخابز،‭ ‬ومخازن‭ ‬الجملة‭ ‬داخل‭ ‬نطاق‭ ‬بلدية‭ ‬طرابلس‭ ‬الكبرى‭.‬

وبحسب‭ ‬بيانات‭ ‬أولية‭ ‬صادرة‭ ‬عن‭ ‬وزارة‭ ‬الاقتصاد،‭ ‬أسفرت‭ ‬الحملة‭ ‬خلال‭ ‬أسابيعها‭ ‬الأولى‭ ‬عن‭:‬

تنفيذ‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬450‭ ‬جولة‭ ‬تفتيشية‭ ‬داخل‭ ‬الأسواق‭.‬

تسجيل‭ ‬ما‭ ‬يزيد‭ ‬عن‭ ‬160‭ ‬مخالفة‭ ‬تتعلق‭ ‬برفع‭ ‬الأسعار‭ ‬أو‭ ‬عدم‭ ‬الالتزام‭ ‬بالإعلان‭ ‬عنها‭.‬

إغلاق‭ ‬35‭ ‬محلاً‭ ‬تجاريًا‭ ‬إغلاقًا‭ ‬مؤقتًا‭.‬

إحالة‭ ‬قرابة‭ ‬40‭ ‬تاجرًا‭ ‬إلى‭ ‬الجهات‭ ‬القضائية‭ ‬المختصة‭ ‬بتهم‭ ‬الاحتكار‭ ‬أو‭ ‬التلاعب‭ ‬بالأسعار‭.‬

وأكدت‭ ‬الوزارة‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬الإجراءات‭ ‬ستتواصل،‭ ‬مع‭ ‬تشديد‭ ‬العقوبات‭ ‬على‭ ‬المخالفين،‭ ‬لضمان‭ ‬تحقيق‭ ‬الانضباط‭ ‬داخل‭ ‬السوق‭.‬

آليات‭ ‬الرقابة‭ ‬وضبط‭ ‬الأسعار

اعتمدت‭ ‬الحملة‭ ‬على‭ ‬عدة‭ ‬آليات‭ ‬تنفيذية،‭ ‬من‭ ‬أبرزها‭:‬

تكثيف‭ ‬الجولات‭ ‬التفتيشية‭ ‬اليومية‭.‬

إلزام‭ ‬التجار‭ ‬بالإعلان‭ ‬الواضح‭ ‬عن‭ ‬الأسعار‭.‬

متابعة‭ ‬توفر‭ ‬السلع‭ ‬الأساسية‭ ‬ومنع‭ ‬تخزينها‭ ‬بغرض‭ ‬الاحتكار‭.‬

تطبيق‭ ‬التسعيرة‭ ‬الاسترشادية‭ ‬للسلع‭ ‬المدعومة‭.‬

استقبال‭ ‬شكاوى‭ ‬المواطنين‭ ‬والتفاعل‭ ‬معها‭ ‬ميدانيًا‭.‬

وساهمت‭ ‬بلدية‭ ‬طرابلس‭ ‬في‭ ‬دعم‭ ‬الحملة‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬تسهيل‭ ‬عمل‭ ‬الفرق‭ ‬الرقابية،‭ ‬وتوفير‭ ‬الدعم‭ ‬اللوجستي،‭ ‬والتنسيق‭ ‬مع‭ ‬الجهات‭ ‬ذات‭ ‬العلاقة،‭ ‬فيما‭ ‬كثف‭ ‬جهاز‭ ‬الحرس‭ ‬البلدي‭ ‬من‭ ‬وجوده‭ ‬داخل‭ ‬الأسواق‭ ‬الشعبية،‭ ‬التي‭ ‬تشهد‭ ‬عادة‭ ‬ارتفاعًا‭ ‬ملحوظًا‭ ‬في‭ ‬الأسعار‭ ‬خلال‭ ‬المواسم‭ ‬الاستهلاكية‭.‬

الغلاء‭ ‬وأثره‭ ‬الاجتماعي

لا‭ ‬يقتصر‭ ‬الغلاء‭ ‬المعيشي‭ ‬على‭ ‬أبعاده‭ ‬الاقتصادية‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬يمتد‭ ‬إلى‭ ‬آثار‭ ‬اجتماعية‭ ‬واضحة،‭ ‬حيث‭ ‬تشير‭ ‬تقديرات‭ ‬محلية‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬60‭ ‬في‭ ‬المئة‭ ‬من‭ ‬الأسر‭ ‬في‭ ‬طرابلس‭ ‬تعتمد‭ ‬بشكل‭ ‬رئيسي‭ ‬على‭ ‬المرتبات‭ ‬الحكومية‭.‬

ويرى‭ ‬مختصون‭ ‬أن‭ ‬استمرار‭ ‬ارتفاع‭ ‬الأسعار‭ ‬دون‭ ‬حلول‭ ‬جذرية‭ ‬قد‭ ‬يؤدي‭ ‬إلى‭ ‬تراجع‭ ‬مستوى‭ ‬المعيشة،‭ ‬وزيادة‭ ‬الأعباء‭ ‬المعيشية،‭ ‬وارتفاع‭ ‬معدلات‭ ‬الديون‭ ‬الاستهلاكية،‭ ‬ما‭ ‬قد‭ ‬ينعكس‭ ‬سلبًا‭ ‬على‭ ‬الاستقرار‭ ‬الاجتماعي‭.‬

تحديات‭ ‬قائمة

ورغم‭ ‬النتائج‭ ‬الأولية‭ ‬للحملة،‭ ‬إلا‭ ‬أنها‭ ‬تواجه‭ ‬عدة‭ ‬تحديات،‭ ‬من‭ ‬بينها‭:‬

استمرار‭ ‬تقلب‭ ‬سعر‭ ‬صرف‭ ‬الدينار‭.‬

ارتفاع‭ ‬تكاليف‭ ‬الاستيراد‭ ‬والنقل‭.‬

محدودية‭ ‬الإمكانيات‭ ‬الرقابية‭ ‬مقارنة‭ ‬بحجم‭ ‬الأسواق‭.‬

و‭ ‬يرى‭ ‬مراقبون‭ ‬أن‭ ‬الحملة‭ ‬ساهمت‭ ‬في‭ ‬تحقيق‭ ‬قدر‭ ‬من‭ ‬الانضباط‭ ‬داخل‭ ‬الأسواق،‭ ‬ووجهت‭ ‬رسالة‭ ‬واضحة‭ ‬بشأن‭ ‬جدية‭ ‬الدولة‭ ‬في‭ ‬حماية‭ ‬المستهلك‭. ‬غير‭ ‬أن‭ ‬نجاحها‭ ‬على‭ ‬المدى‭ ‬الطويل،‭ ‬وفق‭ ‬خبراء‭ ‬اقتصاديين،‭ ‬يتطلب‭ ‬إصلاحات‭ ‬أشمل،‭ ‬تشمل‭ ‬دعم‭ ‬الإنتاج‭ ‬المحلي،‭ ‬وتحسين‭ ‬إدارة‭ ‬الدعم،‭ ‬وربط‭ ‬الأجور‭ ‬بكلفة‭ ‬المعيشة‭.‬

ختاما‭ ‬يمكننا‭ ‬القول‭ ‬بان‭ ‬الحملة‭ ‬الحالية‭ ‬لمواجهة‭ ‬الغلاء‭ ‬المعيشي‭ ‬في‭ ‬طرابلس‭ ‬تمثل‭  ‬خطوة‭ ‬مهمة‭ ‬نحو‭ ‬تخفيف‭ ‬الأعباء‭ ‬الاقتصادية‭ ‬عن‭ ‬المواطنين،‭ ‬غير‭ ‬أن‭ ‬استدامتها‭ ‬تبقى‭ ‬مرهونة‭ ‬باستمرار‭ ‬الرقابة‭ ‬وتكامل‭ ‬السياسات‭ ‬الاقتصادية،‭ ‬بما‭ ‬يضمن‭ ‬استقرار‭ ‬الأسعار‭ ‬وتحسين‭ ‬مستوى‭ ‬معيشة‭ ‬المواطن‭ ‬الليبي‭.‬

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى