
تشهد العاصمة الليبية طرابلس، منذ عدة أشهر، تصاعدًا ملحوظًا في معدلات الغلاء المعيشي، انعكس بشكل مباشر على القدرة الشرائية للمواطنين، خصوصًا ذوي الدخل المحدود والمتقاعدين وأصحاب الرواتب الثابتة. ومع اقتراب مواسم استهلاكية مهمة، مثل شهر رمضان، ازدادت المخاوف من تفاقم الأزمة، ما دفع حكومة الوحدة الوطنية إلى إطلاق حملة شاملة لمواجهة الغلاء وضبط الأسواق، في aعن المواطنين.
ويعود الغلاء المعيشي في طرابلس إلى جملة من العوامل المتداخلة، أبرزها تقلبات سعر صرف الدينار الليبي أمام العملات الأجنبية، وارتفاع تكاليف الاستيراد، إضافة إلى ضعف الرقابة على الأسواق وانتشار المضاربة والاحتكار. كما أسهمت الأوضاع السياسية والأمنية غير المستقرة في تعطيل سلاسل الإمداد ورفع كلفة النقل والتوزيع، ما أدى إلى ارتفاع أسعار السلع الأساسية، خاصة المواد الغذائية والاستهلاكية.
ووفق تقارير اقتصادية، فإن التضخم بات يلتهم جزءًا كبيرًا من دخول الأسر، حيث أصبحت الرواتب غير قادرة على مواكبة الزيادات المتسارعة في الأسعار، الأمر الذي خلق حالة من السخط الاجتماعي والقلق المتزايد داخل العاصمة.
وفي ظل تصاعد الضغوط الاقتصادية وارتفاع أسعار السلع الأساسية، أطلقت حملة موسعة لمواجهة الغلاء المعيشي في العاصمة طرابلس، في محاولة للحد من موجة الارتفاعات السعرية التي أثقلت كاهل المواطنين، خاصة ذوي الدخل المحدود وأصحاب المرتبات الثابتة.
وتأتي هذه الحملة في وقت تشهد فيه الأسواق المحلية حالة من عدم الاستقرار فى الاسعار وسط شكاوى متزايدة من المواطنين بشأن الارتفاع غير المبرر في أسعار المواد الغذائية والاستهلاكية، مما جعل من ملف الغلاء أولوية على أجندة الجهات الرقابية خلال الفترة الحالية.
فالمؤشرات الاقتصادية التى تعكس حجم الأزمة
تشير تقديراتها الاقتصادية المحلية إلى أن معدل التضخم في ليبيا خلال العامين الأخيرين انعكس بشكل مباشر على تكلفة المعيشة، حيث فقدت الأسر في طرابلس ما بين 25% إلى 30 % من قدرتها الشرائية مقارنة بعام 2022.
وسجلت أسعار عدد من السلع الأساسية ارتفاعات متفاوتة، من بينها:
الدقيق: زيادة تراوحت بين 15 و20 في المئة
الأرز: ارتفاع بنحو 25 في المئة
الزيت النباتي: تجاوزت الزيادة 30 في المئة
السكر: زيادة تقدر بنحو 18 في المئة
كما ارتفع متوسط الإنفاق الشهري للأسرة في طرابلس على الغذاء من حوالي 900 دينار ليبي إلى أكثر من 1,200 دينار ليبي، وفق تقديرات سوقية، وهو ما يشكل عبئًا إضافيًا على ميزانيات الأسر.
وفي مواجهة هذه المؤشرات، قامت الجهات المختصة بضرورة التحرك العاجل لضبط الأسواق، مؤكدًا أن حماية المستهلك وضمان توفر السلع بأسعار مناسبة تمثل أولوية وطنية.
وبناءً على هذه التوجيهات، باشرت وزارة الاقتصاد والتجارة، بالتنسيق مع جهاز الحرس البلدي وجهاز حماية المستهلك، تنفيذ حملة رقابية واسعة شملت الأسواق الرئيسية، ومحلات بيع المواد الغذائية، والمخابز، ومخازن الجملة داخل نطاق بلدية طرابلس الكبرى.
وبحسب بيانات أولية صادرة عن وزارة الاقتصاد، أسفرت الحملة خلال أسابيعها الأولى عن:
تنفيذ أكثر من 450 جولة تفتيشية داخل الأسواق.
تسجيل ما يزيد عن 160 مخالفة تتعلق برفع الأسعار أو عدم الالتزام بالإعلان عنها.
إغلاق 35 محلاً تجاريًا إغلاقًا مؤقتًا.
إحالة قرابة 40 تاجرًا إلى الجهات القضائية المختصة بتهم الاحتكار أو التلاعب بالأسعار.
وأكدت الوزارة أن هذه الإجراءات ستتواصل، مع تشديد العقوبات على المخالفين، لضمان تحقيق الانضباط داخل السوق.
آليات الرقابة وضبط الأسعار
اعتمدت الحملة على عدة آليات تنفيذية، من أبرزها:
تكثيف الجولات التفتيشية اليومية.
إلزام التجار بالإعلان الواضح عن الأسعار.
متابعة توفر السلع الأساسية ومنع تخزينها بغرض الاحتكار.
تطبيق التسعيرة الاسترشادية للسلع المدعومة.
استقبال شكاوى المواطنين والتفاعل معها ميدانيًا.
وساهمت بلدية طرابلس في دعم الحملة من خلال تسهيل عمل الفرق الرقابية، وتوفير الدعم اللوجستي، والتنسيق مع الجهات ذات العلاقة، فيما كثف جهاز الحرس البلدي من وجوده داخل الأسواق الشعبية، التي تشهد عادة ارتفاعًا ملحوظًا في الأسعار خلال المواسم الاستهلاكية.
الغلاء وأثره الاجتماعي
لا يقتصر الغلاء المعيشي على أبعاده الاقتصادية فحسب، بل يمتد إلى آثار اجتماعية واضحة، حيث تشير تقديرات محلية إلى أن أكثر من 60 في المئة من الأسر في طرابلس تعتمد بشكل رئيسي على المرتبات الحكومية.
ويرى مختصون أن استمرار ارتفاع الأسعار دون حلول جذرية قد يؤدي إلى تراجع مستوى المعيشة، وزيادة الأعباء المعيشية، وارتفاع معدلات الديون الاستهلاكية، ما قد ينعكس سلبًا على الاستقرار الاجتماعي.
تحديات قائمة
ورغم النتائج الأولية للحملة، إلا أنها تواجه عدة تحديات، من بينها:
استمرار تقلب سعر صرف الدينار.
ارتفاع تكاليف الاستيراد والنقل.
محدودية الإمكانيات الرقابية مقارنة بحجم الأسواق.
و يرى مراقبون أن الحملة ساهمت في تحقيق قدر من الانضباط داخل الأسواق، ووجهت رسالة واضحة بشأن جدية الدولة في حماية المستهلك. غير أن نجاحها على المدى الطويل، وفق خبراء اقتصاديين، يتطلب إصلاحات أشمل، تشمل دعم الإنتاج المحلي، وتحسين إدارة الدعم، وربط الأجور بكلفة المعيشة.
ختاما يمكننا القول بان الحملة الحالية لمواجهة الغلاء المعيشي في طرابلس تمثل خطوة مهمة نحو تخفيف الأعباء الاقتصادية عن المواطنين، غير أن استدامتها تبقى مرهونة باستمرار الرقابة وتكامل السياسات الاقتصادية، بما يضمن استقرار الأسعار وتحسين مستوى معيشة المواطن الليبي.



