حوش العيلة .. مرسى المحبة اللمة في الفطور… الذاكرة الدافئة فطور مع الشيابين… ضحك وحكايات لا تنسى
شهد عبد الحفيظ

في ليالي رمضان، لم يكن موعد أذان المغرب مجرد لحظة لكسر الصيام، بل كان موعدًا للدفء العائلي كانت الأزقة تمتلئ بحركة النَّاس المتجهين إلى حوش العائلة؛ حيث يجتمع الأبناء والأحفاد حول مائدة واحدة، بينما تنشغل الأمهات والجدات في تجهيز الشوربة، والبازين، والتمر والحليب.
وكانتْ العبارة الأشهر التي تتردَّد في البيوت: )اليوم الفطور في حوش عزوزتي(
لم تكنْ هذه الجملة مجرد ترتيب لوجبة، بل إعلانًا عن لحظة تجمع عائلية، وعن ذاكرة تُنسج كل مساء من المحبة والضحكات. لكن مع تغيّر نمط الحياة وتسارع الأيام، يطرح السؤال نفسه بإلحاح:
هل مازال هذا التقليد الجميل حاضرًا في بيوتنا، أم أصبح مجرد حنين إلى زمن مضى؟.
لمة لا يمكن التفريط فيها
تقول أسماء جويلي:
بالنسبة ليَّ، ورغم ظروف العمل والحياة، لا يمكن أن أفوّت الفطور في حوش عزوزتي مع حماواتي وسلفاتي اللمة والهدرزة اللي كلها حب وصفاء لا يمكن تعويضها. ربي يحفظ عزوزتي ويطول في عمرها ويخلّي حوشها دايمًا مرسى لينا.
طعم رمضان الحقيقي
الحاجة فاطمة تتذكر أيام زمان قائلة:
زمان كان الفطور في حوش الشيابين عادة ثابتة، ما يفوتش يومين إلا ونجتمعوا كلنا اليوم كل واحد مشغول بحياته، لكن لما نجتمع نحس بطعم رمضان الحقيقي.
تونس أيضًا تحافظ على العادة
ومن تونس تقول أحلام نجاة :
في تونس مازلنا نحافظ على هذه التقاليد أخواتي يسكنّ قرب أمي، وطيلة رمضان نفطر مع بعض. أنا بعيدة قليلاً بسبب الدراسة، لكن في عطلة نهاية الأسبوع أزور منزل عائلتي وأهل زوجي ونعيش أجواء ًرمضانية جميلة.
بين بيت الأم وبيت الحماة
إحدى السيدات التي التقيناها في أحد المحال قالتْ مبتسمة:
الحمد لله مازال عندنا هذا العُرف. مرة نفطر في حوش أمي، ومرة في حوش حماتي لما تجتمع العيلة حتى الأكل يصير له طعم مختلف.
تغيرات الحياة
أما صاحب أحد المحال فيرى أن الحياة تغيرتْ قائلاً:
الشغل والمسافات وطبيعة البيوت اليوم جعلتْ كل عائلة تفطر بروحها، لكن نحاول نجتمعوا في نهاية الأسبوع، أو يوم الجمعة.
عادة يجب الحفاظ عليها
وترى إحدى الأمهات أن هذه العادة ضرورية، مضيفة :
أحرص أن يعيش أولادي الجو نفسه اللي عشنا فيه. اجتماع العائلة في رمضان يزرع فيهم معنى الصلة والمحبة.
بعد رحيل الجدة
أحد الشباب قال:
كانت «جدتي» تقول قبل رمضان بأيام: حوشي مفتوح لكل العيلة كنا أكثر من عشرين شخصًا نجتمع حول سفرة واحدة. بعد وفاتها تفرّقنا قليلاً، لكن نحاول نحافظ على العادة ولو مرة في الأسبوع.
مجلس حكايات قبل أن يكون مائدة
أحد الشيابين قال وهو يسترجع ذكرياته:
الفطور في حوش العيلة ما كانش مجرد أكل، كان مجلس حكايات وضحك ونصايح بعد المغرب نقعدوا نحكوا ونتذكروا أيام زمان.
أول رمضان بعد الزواج
سيدة تزوجتْ حديثاً قالت:
في أول رمضان بعد زواجي استغربتُ كثرة الزيارات تقريبًا كل يوم فطور في حوش حد من العيلة، لكن مع الوقت فهمتُ أن هذه اللمَّة هي روح رمضان.
أما زوجها فقال ضاحكًا :
أنا بصراحة نحب الفطور في حوش العيلة تحس بروح مختلفة، والضحك ما يوقفش، وحتى الأكل يكون له طعم غير.
ذكريات الطفولة
أحد الآباء يتذكر قائلاً:
كنا صغارًا نركضوا قبل المغرب بين البيوت نسألوا: اليوم وين الفطور؟، وفي الأخير نلقوا روحنا كلنا مجتمعين في حوش جدي.
رغم ضغط الحياة
فتاة التقيناها أمام ماكينة الصرافة قالتْ:
ضغط العمل خلّى العيلة ما تجتمعش كل يوم، لكن نحاول نخلو يومًا في الأسبوع للفطور الجماعي لأنه يقوي العلاقة بين الكبار والصغار.
وأضافتْ صديقتها:
الفطور في حوش العيلة يعطي إحساسًا بالأمان والانتماء. شيء بسيط لكنه يترك ذكرى جميلة في القلب.
سفرة تسع الجميع
وتقول إحداهن مبتسمة:
أحيانًا السفرة ما تكفيش للعدد الكبير، فنفرشوا سفرة ثانية، وثالثة في الحوش، ومع ذلك نحس أن المكان يتسع للجميع.
ختامًا .. يبقى رمضان أكثر من شهر للصيام؛ إنه موسم للروح، والذاكرة، وصلة الرحم.
قد تتغير البيوتُ وتختلف ظروفُ الحياة، لكن مائدة الإفطار العائلية ستظل واحدة من أجمل صور الترابط الاجتماعي في مجتمعنا.
فحين يجتمع الأبناء والأحفاد في حوش الشيابين، لا يُكسر الصيام بالتمر والماء فقط، بل تُروى أيضًا جذور العائلة بالمحبة.
فـ رمضان الحقيقي هو الذي يجمعنا، لا الذي يفرّقنا.



