
في جولة صباحية داخل أحد أسواق الخضرة، لم يكن المشهد عاديا بل صادما إلى حد يطرح سؤالا أكبر من مجرد ارتفاع أسعار: هل ما نعيشه فوضى سوق… أم غياب دولة؟
الأسعار تتحدث بلغة لا تقبل التبرير.
قابية الطماطم التي كانت قبل شهر رمضان بـ15 دينار، تقفز اليوم إلى 300 دينار.
الباذنجان يهبط من 9 إلى 2 دينار، الخيار من 6 إلى 2، القرعة البيضاء من 8 إلى دينار واحد، بينما البصل يقفز من 2 إلى 5 دنانير.
تناقض حاد، لا تحكمه قاعدة العرض والطلب فقط، بل تحركه مواسم ومناسبات، وكأن السوق يُدار بعقلية (الفرصة السريعة) لا بمنطق الاقتصاد.
هذه الأرقام ليست مجرد تقلبات طبيعية بل مؤشر واضح على خلل هيكلي في تنظيم السوق. فالسلع الأساسية مثل الطماطم، الفلفل، البطاطا، والبصل، لا ينبغي أن تكون رهينة لمزاج التاجر أو توقيت العيد. لأنها ببساطة تمس الأمن الغذائي للمواطن.
المشكلة الأعمق لا تكمن فقط في التاجر الذي يرفع السعر، بل في غياب الرقابة الفعلية.
أين الحرس البلدي من هذه الفوضى؟
أين الجهات الاقتصادية المسؤولة عن ضبط السوق؟
كيف تترك الأسعار لتقفز بهذا الشكل دون سقف أو مساءلة؟
ما يحدث اليوم يكشف عن سوق بلا ضابط، حيث تتحول المناسبات إلى مواسم استنزاف، ويصبح المواطن الحلقة الأضعف في معادلة مختلة. الأخطر من ذلك، أن بعض من يتحكمون في حركة السوق يدركون جيدا سلوك المستهلك الليبي في كل موسم، فيستبقون الطلب برفع الأسعار مستغلين غياب الرقابة وضعف الردع.
اقتصادياً، هذا النمط من التسعير يُعرف بـ(الاستغلال الموسمي) وهو سلوك يؤدي على المدى البعيد إلى تآكل القدرة الشرائية، وزيادة الاحتقان الاجتماعي، وخلق سوق سوداء موازية. كما أنه يضرب الثقة بين المواطن والتاجر، ويقوض أي محاولة لبناء اقتصاد مستقر.
المطلوب اليوم ليس مجرد حملات تفتيش عابرة بل استراتيجية واضحة
فرض رقابة فعلية على تسعير السلع الأساسية.
تفعيل دور الحرس البلدي بشكل يومي لا موسمي.
وضع آلية تسعير مرنة تراعي التكلفة الحقيقية دون ترك المجال للفوضى.
محاسبة كل من يثبت تورطه في التلاعب بقوت الشعب .
في النهاية، السوق ليس ساحة مفتوحة للربح السريع على حساب المواطن، بل منظومة يجب أن تدار بعدل.
فحين تصل الخضرة وهي أبسط ما على مائدة الليبي إلى هذا المستوى من العبث فالأمر لم يعد قضية أسعار… بل قضية كرامة معيشة.



