أخطر ما أصاب بلادنا ليس الحرب، بل الصمت المتأنق. ذلك الصمت الذي يرتدي بدلة الإعلام، ويتحدث بلغة الحياد، بينما هو في الحقيقة شريك كامل في تزوير الوعي الجمعي )للأسف(.
إعلامنا لا يكذب، هو فقط يختار ما لا يقوله، وهذا أخطر.
ولا تُمنع الحقيقة بالقوة، بل بالتجاهل. لا يُسكت الكاتب بالرصاص، بل باللايكات الموزعة بسخاء على التفاهة.
صار الإعلامي ذكيًا حين يتجنب الأسئلة الكبيرة، ومهنيًا حين لا يُغضب أحدًا، وناجحًا حين يُرضي الجميع..وهذه بالضبط مواصفات الخيانة الناعمة.
السؤال الحقيقي اليوم لم يعد مرحبًا به. من يسأل: لماذا؟ يُتهم بالتحريض. من يناقش: كيف؟ يُصنف كمشكك. ومن يصرّ على الفهم، يُرمى خارج الدائرة باعتباره «سلبيًا».
أما الإيجابي، فهو من يبتسم، ويهز رأسه، ويعيد تدوير الكلام نفسه منذ عشر سنوات، مع تغيير العناوين فقط.
النخب الثقافية ليست بريئة، كثير منها يعيش على إرث قديم، ويكتب من أبراج عاجية، ويتحدث عن الناس دون أن يسمع لهم، يطالب بالوعي، لكنه لا يحتمل أن يُنتقد. يتغنى بالحرية، لكنه يرتعب من رأي مخالف.
وهكذا تحولتْ النخبة من ضمير المجتمع إلى حارس ذوقه العام… ذوق لا يحب الصراحة.
أما وسائل التواصل، فهي المرآة الأكثر صدقًا وقسوة. هناك، يُكافأ السطحي لأنه سريع، ويُهاجم العميق لأنه متعب ولا يبيع الوهم، و لا أحد يريد فكرة تجعله يعيد النظر في نفسه، بل فكرة تؤكد له أنه على حق.
وهنا بالضبط ينتصر الوهم، ويُهزم التفكير.
بهذا نحن لا نعاني من نقص المعلومات، بل من فقدان الشجاعة. الحقيقة موجودة، مكشوفة، لكنها بلا حراسة. وكل من يمرّ بها يخشى لمسها، حتى لا يتهم بالانحياز أو الخروج عن الإجماع الكاذب ويرمى بالتهم والخيانة والعمالة وانه عدو الشعب و الشعب الذي بداخل تفكيره فقط- فهو يعتقد جازماً أنه يمثل إرادة الشعب.
والاجماع، حين يكون بلا تفكير، يصبح قطيعًا.
كاتب الرأي العام ليس مهرجًا، ولا موظف علاقات عامة، ولا خطيب مناسبة. هو شاهد. والشاهد لا يختار ما يراه، بل يقول ما رأى، حتى لو كرهه الجميع.
الكلمة التي لا تُغضب أحدًا، لا تُغيّر شيئًا.
قد يكرهنا البعض لأننا نكتب هكذا. لا بأس. الخطر الحقيقي ليس أن نُكره، بل أن نُصفّق لبعضنا بينما السفينة تغرق، ونختلف فقط على لون الطلاء.
هذه ليستْ أزمة إعلام .. هذه أزمة شجاعة.
كما قال المتنبي:
)الرأي قبل شجاعة الشجعان(.
