مقالات

حين يتحول السؤال إلى جريمة ..!!!

أسامة بن طالب

أخطر‭ ‬ما‭ ‬أصاب‭ ‬بلادنا‭ ‬ليس‭ ‬الحرب،‭ ‬بل‭ ‬الصمت‭ ‬المتأنق‭. ‬ذلك‭ ‬الصمت‭ ‬الذي‭ ‬يرتدي‭ ‬بدلة‭ ‬الإعلام،‭ ‬ويتحدث‭ ‬بلغة‭ ‬الحياد،‭ ‬بينما‭ ‬هو‭ ‬في‭ ‬الحقيقة‭ ‬شريك‭ ‬كامل‭ ‬في‭ ‬تزوير‭ ‬الوعي‭ ‬الجمعي‭ )‬للأسف‭(.‬

إعلامنا‭ ‬لا‭ ‬يكذب،‭ ‬هو‭ ‬فقط‭ ‬يختار‭ ‬ما‭ ‬لا‭ ‬يقوله،‭ ‬وهذا‭ ‬أخطر‭.‬

ولا‭ ‬تُمنع‭ ‬الحقيقة‭ ‬بالقوة،‭ ‬بل‭ ‬بالتجاهل‭. ‬لا‭ ‬يُسكت‭ ‬الكاتب‭ ‬بالرصاص،‭ ‬بل‭ ‬باللايكات‭ ‬الموزعة‭ ‬بسخاء‭ ‬على‭ ‬التفاهة‭.‬

‭ ‬صار‭ ‬الإعلامي‭ ‬ذكيًا‭ ‬حين‭ ‬يتجنب‭ ‬الأسئلة‭ ‬الكبيرة،‭ ‬ومهنيًا‭ ‬حين‭ ‬لا‭ ‬يُغضب‭ ‬أحدًا،‭ ‬وناجحًا‭ ‬حين‭ ‬يُرضي‭ ‬الجميع‭..‬وهذه‭ ‬بالضبط‭ ‬مواصفات‭ ‬الخيانة‭ ‬الناعمة‭.‬

السؤال‭ ‬الحقيقي‭ ‬اليوم‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬مرحبًا‭ ‬به‭. ‬من‭ ‬يسأل‭: ‬لماذا؟‭ ‬يُتهم‭ ‬بالتحريض‭. ‬من‭ ‬يناقش‭: ‬كيف؟‭ ‬يُصنف‭ ‬كمشكك‭. ‬ومن‭ ‬يصرّ‭ ‬على‭ ‬الفهم،‭ ‬يُرمى‭ ‬خارج‭ ‬الدائرة‭ ‬باعتباره‭ ‬‮«‬سلبيًا‮»‬‭.‬

أما‭ ‬الإيجابي،‭ ‬فهو‭ ‬من‭ ‬يبتسم،‭ ‬ويهز‭ ‬رأسه،‭ ‬ويعيد‭ ‬تدوير‭ ‬الكلام‭ ‬نفسه‭ ‬منذ‭ ‬عشر‭ ‬سنوات،‭ ‬مع‭ ‬تغيير‭ ‬العناوين‭ ‬فقط‭.‬

النخب‭ ‬الثقافية‭ ‬ليست‭ ‬بريئة،‭ ‬كثير‭ ‬منها‭ ‬يعيش‭ ‬على‭ ‬إرث‭ ‬قديم،‭ ‬ويكتب‭ ‬من‭ ‬أبراج‭ ‬عاجية،‭ ‬ويتحدث‭ ‬عن‭ ‬الناس‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يسمع‭ ‬لهم،‭ ‬يطالب‭ ‬بالوعي،‭ ‬لكنه‭ ‬لا‭ ‬يحتمل‭ ‬أن‭ ‬يُنتقد‭. ‬يتغنى‭ ‬بالحرية،‭ ‬لكنه‭ ‬يرتعب‭ ‬من‭ ‬رأي‭ ‬مخالف‭.‬

وهكذا‭ ‬تحولتْ‭ ‬النخبة‭ ‬من‭ ‬ضمير‭ ‬المجتمع‭ ‬إلى‭ ‬حارس‭ ‬ذوقه‭ ‬العام‮…‬‭ ‬ذوق‭ ‬لا‭ ‬يحب‭ ‬الصراحة‭.‬

أما‭ ‬وسائل‭ ‬التواصل،‭ ‬فهي‭ ‬المرآة‭ ‬الأكثر‭ ‬صدقًا‭ ‬وقسوة‭. ‬هناك،‭ ‬يُكافأ‭ ‬السطحي‭ ‬لأنه‭ ‬سريع،‭ ‬ويُهاجم‭ ‬العميق‭ ‬لأنه‭ ‬متعب‭ ‬ولا‭ ‬يبيع‭ ‬الوهم،‭ ‬و‭ ‬لا‭ ‬أحد‭ ‬يريد‭ ‬فكرة‭ ‬تجعله‭ ‬يعيد‭ ‬النظر‭ ‬في‭ ‬نفسه،‭ ‬بل‭ ‬فكرة‭ ‬تؤكد‭ ‬له‭ ‬أنه‭ ‬على‭ ‬حق‭.‬

وهنا‭ ‬بالضبط‭ ‬ينتصر‭ ‬الوهم،‭ ‬ويُهزم‭ ‬التفكير‭.‬

بهذا‭ ‬نحن‭ ‬لا‭ ‬نعاني‭ ‬من‭ ‬نقص‭ ‬المعلومات،‭ ‬بل‭ ‬من‭ ‬فقدان‭ ‬الشجاعة‭. ‬الحقيقة‭ ‬موجودة،‭ ‬مكشوفة،‭ ‬لكنها‭ ‬بلا‭ ‬حراسة‭. ‬وكل‭ ‬من‭ ‬يمرّ‭ ‬بها‭ ‬يخشى‭ ‬لمسها،‭ ‬حتى‭ ‬لا‭ ‬يتهم‭ ‬بالانحياز‭ ‬أو‭ ‬الخروج‭ ‬عن‭ ‬الإجماع‭ ‬الكاذب‭ ‬ويرمى‭ ‬بالتهم‭ ‬والخيانة‭ ‬والعمالة‭ ‬وانه‭ ‬عدو‭ ‬الشعب‭ ‬و‭ ‬الشعب‭ ‬الذي‭ ‬بداخل‭ ‬تفكيره‭ ‬فقط‭- ‬فهو‭ ‬يعتقد‭ ‬جازماً‭ ‬أنه‭ ‬يمثل‭ ‬إرادة‭ ‬الشعب‭.‬

والاجماع،‭ ‬حين‭ ‬يكون‭ ‬بلا‭ ‬تفكير،‭ ‬يصبح‭ ‬قطيعًا‭.‬

كاتب‭ ‬الرأي‭ ‬العام‭ ‬ليس‭ ‬مهرجًا،‭ ‬ولا‭ ‬موظف‭ ‬علاقات‭ ‬عامة،‭ ‬ولا‭ ‬خطيب‭ ‬مناسبة‭. ‬هو‭ ‬شاهد‭. ‬والشاهد‭ ‬لا‭ ‬يختار‭ ‬ما‭ ‬يراه،‭ ‬بل‭ ‬يقول‭ ‬ما‭ ‬رأى،‭ ‬حتى‭ ‬لو‭ ‬كرهه‭ ‬الجميع‭.‬

الكلمة‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تُغضب‭ ‬أحدًا،‭ ‬لا‭ ‬تُغيّر‭ ‬شيئًا‭.‬

قد‭ ‬يكرهنا‭ ‬البعض‭ ‬لأننا‭ ‬نكتب‭ ‬هكذا‭. ‬لا‭ ‬بأس‭. ‬الخطر‭ ‬الحقيقي‭ ‬ليس‭ ‬أن‭ ‬نُكره،‭ ‬بل‭ ‬أن‭ ‬نُصفّق‭ ‬لبعضنا‭ ‬بينما‭ ‬السفينة‭ ‬تغرق،‭ ‬ونختلف‭ ‬فقط‭ ‬على‭ ‬لون‭ ‬الطلاء‭.‬

هذه‭ ‬ليستْ‭ ‬أزمة‭ ‬إعلام‭ .. ‬هذه‭ ‬أزمة‭ ‬شجاعة‭.‬

كما‭ ‬قال‭ ‬المتنبي‭:‬

              )‬الرأي‭ ‬قبل‭ ‬شجاعة‭ ‬الشجعان‭(.‬

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى