
مع كل عامٍ دراسي، تتجدّد معركةٌ خفية لا تُسمع طبولها في نشرات الأخبار، لكنها تُدوّي بوضوح بين أروقة مستشفيات الأطفال: معركة الجهاز التنفسي الصغير مع جيوش الفيروسات الموسمية. والتي تمس كل بيت، وتُربك أفراد الأسرة، وتُحمِّل المؤسسات التعليمية، والصحية أثقل اختبارٍ سنوي: اختبار الاستعداد والوقاية والاحتواء.
في هذا الموسم الذي يبدأ عادةً مع اعتدال الحرارة، وتميل فيه الأجواء إلى البرودة، تتحوّل المدارس إلى بيئة خصبة لانتقال العدوى: فصلٌ مكتظ، نافذةٌ مغلقة، باصٌ معبّأ، وطفلٌ يمسك بقضيبٍ حديدي في ساحة اللعب، ثم يلامس أنفه أو فمه دون أن يعلم أنه وقع للتو على مصيدةٍ ميكروبية لا تُرى بالعين.
وفي حين ينشغل الأطفال بجدول الحصص، والانتباه للامتحانات، والتنافس على المقعد الأمامي، يكون الفيروس قد سبقهم إلى مكانٍ لا يُكتب في أي قائمة مدرسية: إلى الحلق، فالمجرى التنفسي، فالجيوب الأنفية، وربما الرئتين… وهنا تبدأ العدوى في كتابة فصولها الأولى: حكةٌ خفيفة، بحةُ صوت، رشحٌ شفاف، ثم سعالٌ يبدو عاديًا… قبل أن يكبر ويشتد لدى بعض الأجساد النحيلة ليتحوّل إلى أزمة تنفّس حقيقية، أو حرارةٍ عنيدة، أو جفافٍ يخلخل توازن الجسد الصغير. لكن ما يجعل من هذه العدوى قضيةً وطنية غير مكتوبة، ليس انتقالها فقط، بل ما يحيط بها من ارتباكٍ جمعي متجذر: ثقافة المضاد الحيوي السريع، ووصايا الصيدلية، وتضارب النصائح بين الجيران، واستعجال الدواء قبل التشخيص. ففي الوقت الذي يقول فيه الطب إن المضادات الحيوية لا تعالج الفيروس، وإن الكثير من نزلات الأطفال الموسمية يمكن تجاوزها بالرعاية الصحيحة، لا بالحبوب العشوائية…
يبقى السؤال المؤلم يتكرر دون توقف: «لماذا يمرض صغارنا بالطريقة ذاتها كل موسم مدارس؟ وهل يمكن أن نعبر الخريف هذه المرة دون أن تمر القصة على أسرّة المستشفى؟ من هنا يبدأ استطلاعنا…
لا من خلف المكاتب، بل من رحم المستشفى، حيث تصبح العدوى أكثر وضوحًا، والقلق أكثر صدقًا، والتجربة أكثر إنسانية، والطفل أكثر استحقاقًا لأن لا يتحوّل صدره إلى مختبر علاجاتٍ خاطئة، بل إلى مساحة حماية تعيد ترتيب السؤال من «أي دواء؟» إلى «(كيف نحميهم؟».
ملامح الموسم التي تُسمَع ولا تُكتَب خلال الأيام الأولى من العام الدراسي 2025، كانت الأقسام الداخلية لمستشفى الأطفال تسجّل تصاعداً في استقبال الحالات المصابة بأعراض تنفسية علوية: كحة، عطاس، احتقان في الأنف، ألم في الحلق مع صعوبة في البلع، وارتفاع متدرّج في الحرارة. وليبيا ليست استثناءً من خارطة العدوى العالمية… لكنها استثناءٌ في طريقة التعامل مع العدوى. في المقاهي، وعلى مجموعات التواصل الاجتماعي، يبدأ تداول «الخلطات العلاجية» قبل صدور أي تحليل مخبري.
تتنوّع التوصيات الشعبية: من شراب السعال المُفرط إلى حقن المضاد الحيوي «الاحتياطية»، دون الالتفات لجرعات السوائل أو الراحة أو التهوية. يقول د. محمد المناوب في مستشفى طب الأطفال: الفيروسات الموسمية التي تصيب الأطفال في هذا الوقت، معظمها فيروسي مثل الإنفلونزا وRSV والأدينوفيروس، وتنتشر في الأماكن المزدحمة والمغلقة. والمشكلة ليست في الإصابة…
بل في العشوائية التي تليها. نحن نرى داخل المستشفى مضاعفاتٍ سببها الجفاف، والجرعات الدوائية غير الضرورية، والمضادات التي لا علاقة لها بالفيروس. من الطوارئ.. تُولَدُ القصص صُراخًا بلا ألم.. لكنه قلق أمٍ لا ينام ليلة السبت، وصلت الطفلة ريما إلى طوارئ مستشفى الجلاء بطرابلس، تحمل أعراض حرارة 39.2°، احتقان حاد في الأنف، وقلة شديدة في شرب السوائل. لم تبكِ الطفلة كثيرًا… لكن أمها كانت تبكي نيابةً عنها.
تروي أم ريناد: رقدت من التعب، وكل شوية نصحى نلقاها تكحّ. الكحة كانت خفيفة أول يوم، قلت، نزلة بسيطة. ثاني يوم ما عاد تشرب ميه كويس، جربت الشراب عطاهولي الصيدلي، لكن رجّعته كله. قلتُ يمكن لازم مضاد…
جينا للمستشفى بالليل بعد الفحص، تبيّن أن الطفلة مصابة بعدوى فيروسية، لكنها بدأت تُظهر علامات جفاف، فتم تزويدها بالسوائل الوريدية، ووضع خطة علاج دون مضادات.
تقول الممرضة المناوبة: كل يوم يجونا أطفال نفس السيناريو المشكلة مش في الحرارة بس، المشكلة في مَن خفّض السوائل، ومَن رفعها للمضاد بلا وصفة..ثلاث ليالٍ على جهاز البخار في جهاز الاستنشاق بغرفة الملاحظة، كان الطفل إلياس «6 أعوام» يتنفس بخار العلاج بصمتٍ متعب. لم يتذمّر كثيرًا، لكن والده لم يغادر منذ ثلاث ليالٍ.
يقول الأب: إلياس ما كانش يمرض هكي. رجع من المدرسة يكحّ، ثالث يوم بدت نفسه فيه صفير، قال الدكتور إنه فيروس نازل للشعب الهوائية. عطلوله مضاد وعطوه بخار وتهوية وميه. الحمد لله، وهي حالة شائعة في هذا الموسم خصوصاً لدى لدى الأطفال، وتستجيب للدعم التنفسي وجهاز البخار والمسكّنات الصحيحة والسوائل، حرارةٌ لا تهدأ لأن المضاد كان خاطئًا.
الطفل أمير «8 أعوام»حرارته تقترب من 40°، والقصة بدأتْ من مكانٍ غير متوقع:
من علبة مضادٍ في المنزل.
تقول خالته: أمير بدأ يعطّس، أمه كانت محتفظة بمضاد من السنة اللي فاتت… عطتهوله. ثالث يوم الحرارة زادت وما نقصتش، جينا للمستشفى، قال الطبيب إن المضاد غلط عالفيروس، وزيد نقص السوائل، وبدأ يدخل في جفاف وتعب عام. تم إيقاف المضاد، وتم إعطاؤه خافض حرارة وسوائل وفق خطة طبية صحيحة، وتحسّنت حالته خلال 48 ساعة بعدها. يقول الطبيب:
المضاد الحيوي لا يخفّض حرارة الفيروس، لكنه قد يربك جهاز المناعة ويُطيل المرض. الحرارة تنقص حين نشرب السوائل، ونرتاح، ونتلقى العلاج الصحيح.»
ماذا عن المدارس؟
قمنا بزيارة بعض المدارس وخلصنا إلى ملاحظات متكررة:
صفوف يتراوح عدد الطلاب فيها بين 28 إلى 40 تلميذًا، بعضها لا تُفتَحُ فيه نوافذ بسبب الضوضاء، أو الغبار.
نقاط غسل اليدين غير مهيّأة، أو غير موجودة في نصف المدارس التي زرناها.
النقل المدرسي يعاني من الازدحام، التكيّف مقفل، والتهوية ضعيفة.
غياب تثقيف صحي فعّال في بداية الموسم.
تقول مسؤولة النشاط المدرسي في إحدى المدارس:
«نتمنوا نديروا حملات وقاية، لكن محتاجين دعمًا وتنسيقًا مع مراكز الصحة، ومعقمات، ووسائل توعية…».
الوقاية التي لا تحتاج ميزانية كبيرة
رغم كل التحديات، فإن الحلول تنطلق من سلوكيات ممكنة:
التطعيم الموسمي للإنفلونزا سنويًا مع بداية أكتوبر أو قبله.
غسل اليدين: تعليم الصغار تطبيقها كل ساعة تقريباً داخل المدرسة.
تهوية الفصول على فترات منتظمة قصيرة، بدل الإغلاق التام.
إيقاف الطفل عن الذهاب للمدرسة أثناء العدوى الحادة لحماية زملائه ولضمان راحته.
العطاس في المرفق أو المنديل وهي عادة يجب أن تُدرّس كأي درسٍ آخر.
السوائل أوّلاً عند الإصابة… ثم العلاج عند الحاجة. المضاد لا يأتي إلا بعد التشخيص.
بين أزيز أجهزة البخار وقلق الأمهات، وصمت الأطفال المتعبين، يُدرِكُ الزائر أن الأزمة ليست في فيروسٍ يزور الشتاء، بل في ثقافةٍ تؤجل الوقاية وتستعجل العلاج الخاطئ.
وعندما كنا نغادر المستشفى، قابلنا طفلاً في الممر يرتدي حافظة مدرسته فوق جهاز البخار، كان يقول لأبيه:
«بابا… إن شاء الله بكرة نرجع للمدرسة؟».
كان الأب يبتسم هذه المرة، لا لأنه سيعود…
بل لأنه نجا من خطرٍ كان يمكن تجنّبه.
فليكن هذا الموسم مختلفًا،
ولنجعل أصوات أطفالنا تبقى ضحكاتٍ في الملاعب، لا سعالاتٍ على الأسرّة.
الصحة ليست حظاً… بل قرارٌ وقائي يُتّخذ قبل العدوى، لا بعدها.
لنُعِد ترتيب المشهد…
ولنمنح أطفالنا هواءً أنقى، ووعياً أدفأ، وموسمًا دراسيًا بلا طوارئ ثقيلة.



