
يُقيَّد الراتب لحظة إيداعه، فيتحوَّل من حقٍ مكتسب إلى وعدٍ مؤجل، وتبدأ معاناة المواطن الليبي في رحلة يومية شاقة بحثًا عن السيولة النقدية، بين مصارف موصدة، وماكينات «صراف آلي» معطلة، وطوابير تُجسّد عمق الأزمة أكثر مما تفعل الأرقام.
في مقدمة أحد الطوابير يقف عمّي «عمر»، رجل أنهكته الأعوام وتعب الانتظار.
يقول بصوتٍ خافت: الماكينة معبّية، لكن «الإنترنت» مفصول. عبارة باتت مألوفة، تختصر مشهدًا يتكرَّر بلا نهاية.
المواطن حاضر، والمال حاضر، لكن الوصول إليه معلقٌ بعطلٍ تقني، أو قرارٍ إداري.
وجوه شاحبة، نظرات متعبة، وصمت ثقيل يلف الطوابير. الجميع يعرف القيود:
مَنْ سحب في بداية الشهر، يُمنع حتى نهايته.
سقف السحب لا يتجاوز ألف دينار عبر الماكينة، وألفين نقدًا شهريًا.
مبالغ لا تفي بمتطلبات الإيجار، ولا أقساط المدارس، ولا تسديد الديون المتراكمة.
وسط الانتظار، تتقاطع الحكايات.
موظف عاجز عن دفع الإيجار.
أبٌ يخشى تأخر أقساط دراسة أبنائه.
وآخر يؤجل التزاماته إلى «بداية الشهر القادم»، إن توفرتْ السيولة.
إحدى المعلمات تروي بمرارة هادئة:
تركتْ وزميلاتها مهام المراقبة على الامتحانات، وأغلقن المكتب، مدركات أن الخصم من الراتب أهون من العجز عن الوفاء بالتزامات «الجمعيات» التي أصبحن يعتمدن عليها للبقاء.
هكذا تحوَّلتْ معاناة البحث عن النقد إلى ممارسة يومية، تستنزف الوقت والجهد، وتضرب انتظام العمل في المؤسسات العامة، وتُفرغ الوظيفة من معناها.
لم تعد الأزمةُ مالية فحسب، بل أصبحتْ مسألة كرامة إنسانية.
المأساة الحقيقية لا تكمن في غياب المال، بل في تعذّر الوصول إليه.
أن يكون الراتب مُسجَّلًا في الحساب، لكنه محجوب عن اليد.
أن تتحوَّل الماكينة إلى سلطة، و«الإنترنت» إلى ذريعة، والطابور إلى قدر يومي.
هذه ليستْ وقائع عابرة، بل مشهد عام لوطن يقف مواطنوه في صفٍ واحد، ينتظرون فتح ماكينة، أو انفراج أزمة طال أمدها، بينما تستمر الحياةُ في فرض استحقاقاتها دون انتظار.


