اجتماعي

راتب مُقيَّد

فائزة صالح

يُقيَّد‭ ‬الراتب‭ ‬لحظة‭ ‬إيداعه،‭ ‬فيتحوَّل‭ ‬من‭ ‬حقٍ‭ ‬مكتسب‭ ‬إلى‭ ‬وعدٍ‭ ‬مؤجل،‭ ‬وتبدأ‭ ‬معاناة‭ ‬المواطن‭ ‬الليبي‭ ‬في‭ ‬رحلة‭ ‬يومية‭ ‬شاقة‭ ‬بحثًا‭ ‬عن‭ ‬السيولة‭ ‬النقدية،‭ ‬بين‭ ‬مصارف‭ ‬موصدة،‭ ‬وماكينات‭ ‬‮«‬صراف‭ ‬آلي‮»‬‭ ‬معطلة،‭ ‬وطوابير‭ ‬تُجسّد‭ ‬عمق‭ ‬الأزمة‭ ‬أكثر‭ ‬مما‭ ‬تفعل‭ ‬الأرقام‭.‬

في‭ ‬مقدمة‭ ‬أحد‭ ‬الطوابير‭ ‬يقف‭ ‬عمّي‭ ‬‮«‬عمر‮»‬،‭ ‬رجل‭ ‬أنهكته‭ ‬الأعوام‭ ‬وتعب‭ ‬الانتظار‭.‬

يقول‭ ‬بصوتٍ‭ ‬خافت‭:‬‭ ‬الماكينة‭ ‬معبّية،‭ ‬لكن‭ ‬‮«‬الإنترنت‮»‬‭ ‬مفصول‭. ‬عبارة‭ ‬باتت‭ ‬مألوفة،‭ ‬تختصر‭ ‬مشهدًا‭ ‬يتكرَّر‭ ‬بلا‭ ‬نهاية‭.‬

المواطن‭ ‬حاضر،‭ ‬والمال‭ ‬حاضر،‭ ‬لكن‭ ‬الوصول‭ ‬إليه‭ ‬معلقٌ‭ ‬بعطلٍ‭ ‬تقني،‭ ‬أو‭ ‬قرارٍ‭ ‬إداري‭.‬

وجوه‭ ‬شاحبة،‭ ‬نظرات‭ ‬متعبة،‭ ‬وصمت‭ ‬ثقيل‭ ‬يلف‭ ‬الطوابير‭. ‬الجميع‭ ‬يعرف‭ ‬القيود‭:‬

مَنْ‭ ‬سحب‭ ‬في‭ ‬بداية‭ ‬الشهر،‭ ‬يُمنع‭ ‬حتى‭ ‬نهايته‭.‬

سقف‭ ‬السحب‭ ‬لا‭ ‬يتجاوز‭ ‬ألف‭ ‬دينار‭ ‬عبر‭ ‬الماكينة،‭ ‬وألفين‭ ‬نقدًا‭ ‬شهريًا‭.‬

مبالغ‭ ‬لا‭ ‬تفي‭ ‬بمتطلبات‭ ‬الإيجار،‭ ‬ولا‭ ‬أقساط‭ ‬المدارس،‭ ‬ولا‭ ‬تسديد‭ ‬الديون‭ ‬المتراكمة‭.‬

وسط‭ ‬الانتظار،‭ ‬تتقاطع‭ ‬الحكايات‭.‬

موظف‭ ‬عاجز‭ ‬عن‭ ‬دفع‭ ‬الإيجار‭.‬

أبٌ‭ ‬يخشى‭ ‬تأخر‭ ‬أقساط‭ ‬دراسة‭ ‬أبنائه‭.‬

وآخر‭ ‬يؤجل‭ ‬التزاماته‭ ‬إلى‭ ‬‮«‬بداية‭ ‬الشهر‭ ‬القادم‮»‬،‭ ‬إن‭ ‬توفرتْ‭ ‬السيولة‭.‬

إحدى‭ ‬المعلمات‭ ‬تروي‭ ‬بمرارة‭ ‬هادئة‭:‬

تركتْ‭ ‬وزميلاتها‭ ‬مهام‭ ‬المراقبة‭ ‬على‭ ‬الامتحانات،‭ ‬وأغلقن‭ ‬المكتب،‭ ‬مدركات‭ ‬أن‭ ‬الخصم‭ ‬من‭ ‬الراتب‭ ‬أهون‭ ‬من‭ ‬العجز‭ ‬عن‭ ‬الوفاء‭ ‬بالتزامات‭ ‬‮«‬الجمعيات‮»‬‭ ‬التي‭ ‬أصبحن‭ ‬يعتمدن‭ ‬عليها‭ ‬للبقاء‭.‬

هكذا‭ ‬تحوَّلتْ‭ ‬معاناة‭ ‬البحث‭ ‬عن‭ ‬النقد‭ ‬إلى‭ ‬ممارسة‭ ‬يومية،‭ ‬تستنزف‭ ‬الوقت‭ ‬والجهد،‭ ‬وتضرب‭ ‬انتظام‭ ‬العمل‭ ‬في‭ ‬المؤسسات‭ ‬العامة،‭ ‬وتُفرغ‭ ‬الوظيفة‭ ‬من‭ ‬معناها‭.‬

لم‭ ‬تعد‭ ‬الأزمةُ‭ ‬مالية‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬أصبحتْ‭ ‬مسألة‭ ‬كرامة‭ ‬إنسانية‭.‬

المأساة‭ ‬الحقيقية‭ ‬لا‭ ‬تكمن‭ ‬في‭ ‬غياب‭ ‬المال،‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬تعذّر‭ ‬الوصول‭ ‬إليه‭.‬

أن‭ ‬يكون‭ ‬الراتب‭ ‬مُسجَّلًا‭ ‬في‭ ‬الحساب،‭ ‬لكنه‭ ‬محجوب‭ ‬عن‭ ‬اليد‭.‬

أن‭ ‬تتحوَّل‭ ‬الماكينة‭ ‬إلى‭ ‬سلطة،‭ ‬و«الإنترنت‮»‬‭ ‬إلى‭ ‬ذريعة،‭ ‬والطابور‭ ‬إلى‭ ‬قدر‭ ‬يومي‭.‬

هذه‭ ‬ليستْ‭ ‬وقائع‭ ‬عابرة،‭ ‬بل‭ ‬مشهد‭ ‬عام‭ ‬لوطن‭ ‬يقف‭ ‬مواطنوه‭ ‬في‭ ‬صفٍ‭ ‬واحد،‭ ‬ينتظرون‭ ‬فتح‭ ‬ماكينة،‭ ‬أو‭ ‬انفراج‭ ‬أزمة‭ ‬طال‭ ‬أمدها،‭ ‬بينما‭ ‬تستمر‭ ‬الحياةُ‭ ‬في‭ ‬فرض‭ ‬استحقاقاتها‭ ‬دون‭ ‬انتظار‭.‬

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى