
العزومات الرمضانية جزءٌ لا يتجزأ من ثقافة مجتمعاتنا، فهي الجسر الذي يربط الأرحام ويجمع الأصدقاء حول مائدة واحدة. ومع ذلك، يراها البعض عبئاً مادياً وجسدياً قد يخرج الشهر عن سياقه الروحاني، بينما يراها آخرون فرصة لا تُعوض لتعزيز الروابط الاجتماعية
يعد هذا الاستطلاع وسيلةً لفهم وجهات نظرة مختلفة حول «العزومات الرمضانية» في وقتنا الحالي.
هل تجدونها ضرورة اجتماعية تزيد من بهجة الشهر؟ أم أنها تحولتْ إلى عبء يرهق كاهل الأسرة؟
صحيفة )فبراير( رصدت الآراء البداية كانت مع…
سليمة بحيح
العزومة الرمضانية مهمة لنقل سلوك الضيافة وأدبياتها للأطفال
عزومات أو لمات رمضان. تبدو في ظاهرها موضوع مكرر، لكن تطور الأذواق وتبدل القيم واحلال عادات محل أخرى أو غياب تقاليد الماضي مع مرور الزمن يفرض علينا باستمرار طرح أسئلة كترمومتر يتابع معدل المتغيرات السلوكية للناس وأدبيات الاحتفاء بالمناسبات الدينية والاجتماعية ، خصوصا في شهر يقوم في جوهره على العبادة و المراجعة الروحية ، و هنا نتوقف عند طباع وأذواق يعبر كلا منها عن وجهة نظره في قاموس يجمع بين ماهو لله وماهو للبشر . كما نستجلي منه إجابة تساؤلات عزومات رمضان : هل انتقلت من حضن صلة الرحم إلى مربع الموضة والقرمة ولوكانت على حساب فاتورة باهضة من الاستنزاف المادي والجسدي. مالذي تغير ومالذي بقى والواجب مراعاته والحفاظ عليه؟
ثقافة الوفرة
يري الدكتور محمد علي الفقهي أستاذ مشارك قسم الإعلام جامعة سرت ان شهر رمضان أحياناً ما يتحول إلى عبء مادي بسبب «ثقافة الوفرة» الزائدة في العزومات المبالغة التي أضحت مكلفة جدا نظرا للارتفاع الفاحش في الأسعار خصوصا اللحوم والدواجن وغيرها من السلع
ويضيف الفقهي إن إدارة العزومات في رمضان هو فن الضيافة بذكاء اقتصادي بدلاً من أن تكون العزومات مصدراً للضغط المالي والهدر الغذائي، يمكننا تحويلها إلى تجربة منظمة تعكس الكرم دون إسراف ،وذلك بالتركيز علي «النوع لا الكم فالاقتصاد لا يعني التقليل من شأن الضيوف، بل يعني التركيز على جودة الأطباق. بدلاً من تحضير خمسة أصناف رئيسية، التركيز على صنفين رئيسيين بجودة عالية، مما يقلل من تكلفة المكونات المبعثرة ويضمن استمتاع الضيوف بالوجبة الأساسية
يمكنك موازنة الميزانية من خلال «الأطباق المشبعة والمنخفضة التكلفة»: التركيز على المقبلات المنزلية السلطات التي تملأ المائدة وتغني عن زيادة كميات اللحوم. اضافة لاستخدام بدائل اقتصادية في الحلويات، كصنعها في المنزل بدلاً من شرائها جاهزة بأسعار مضاعفة.» من الناحية الاقتصادية، كل طبق يلقى في النفايات هو خسارة مالية مباشرة.. التوازن الاقتصادي هو جزء من مقاصد الصيام والاعتدال.
مخاطر صحية
وأوضحت الدكتورة نورا صالح الترهوني رئيس قسم الادوية التخصصية بالإمداد الطبي أن «العزائم» علاوة على كونها جزءاً أصيلاً من نسيجنا الثقافي والاجتماعي، إلا أنها في كثير من الأحيان تتحول من مناسبة للمودة إلى مسبب مباشر للإجهاد البدني والاضطرابات الاستقلابية. فما بين مائدة حافلة وصحة صائم، تبرز مخاطر صحية تستوجب الوقوف عندها.
وعددت الدكتورة نورا جانبا من المخاطر الصحية المترتبة على «الموائد الدسمة» والتي منها :الاضطرابات الهضمية والقلبية كما ان الإكثار من الأطعمة الغنية بالدهون المشبعة يرفع مستويات الكوليسترول والدهون الثلاثية، مما يزيد العبء على الجهاز الهضمي والقلب في آنٍ واحد ويؤدي تناول النشويات المعقدة والحلويات والمشروبات السكرية بكثافة يؤدي إلى ارتفاع مفاجئ وسريع في سكر الدم، يتبعه إجهاد للبنكرياس وارتفاع في ضغط الدم .
فيما يخص الإرهاق البدني «متلازمة ما بعد العزيمة» تقول الترهوني : لا يقتصر التعب على المجهود المبذول في التحضير فحسب، بل يمتد ليشمل «الخمول الهضمي» نتيجة توجيه معظم الدورة الدموية للمعدة، مما يسبب شعوراً بالإرهاق الشديد وضعف التركيز.
وعن فاتورة «الإسراف» في إعداد الأطباق تشخص الدكتورة نورا الحالة بتعليقها :إن المبالغة في تنويع الأصناف ليست استنزافاً للوقت والجهد فقط، بل هي دعوة صريحة لخلط أنواع مختلفة من البروتينات والدهون التي ترهق الكبد والامتصاص المعوي. نصيحة مني «ليكن كرمنا في جودة ما نقدم لا في كثرته، وفي صحة ضيوفنا لا في إرهاق أجسادهم.»
رأس مال
تصف الصحفية امال وريث الموظفة بالرقابة الادارية بمكتب الإعلام .رمضان بأنه «رأس مال» لا دقائق تمر والمؤمن الذكي هو من يستثمره ليكون كل نَفَس فيه عبادة خاصة ونحن نعيش هذه الحالة الروحية العالية؛ فالعزومات في رمضان سلاح ذو حدين، إما أن تكون «صلة رحم وطاقة نور» أو تتحول إلى «تشتيت وهدر للوقت».
وتضيف وريث أنه عندما نستقبل ضيوفاً أو نذهب لعزومة، ننوي بها «إدخال السرور على قلب مؤمن» ، يصبح وقت الطبخ والجلوس معهم «ذكراً» يُكتب في ميزانكِ، ولا يتعارض مع العبادات في الشهر الفضيل.فلا تجعلي العزومة تمتد لـ «القيل والقال»؛ بمجرد انتهاء الطعام والتحلية، وجّهي الدفة نحو ذكر الله أو الاستعداد للصلاة. فالمسألة ليست مجرد «تنسيق مواعيد»، بل هي فقه إدارة اللحظة في أغلى شهور السنة
وتؤكد وريث على أهمية اغتنام الفرصة فهناك أوقات في رمضان لا تقبل القسمة على اثنين، ولا يجوز التفريط فيها تحت مسمى الضيافة :لأن ساعة الإجابة قبل الإفطار: هي ملك لكِ ولخالقكِ. كما تقدم وريث نصائح بخصوص الضيافة فمثلا حاولي إنهاء مهام الضيافة قبل المغرب بـ 15 دقيقة لتتفرغي للدعاء كوني حازمة بلطف. الضيف الكريم سيحترم جداً قولك: «حان وقت القيام، هل نصلّي معاً جماعة؟» هنا تحولين العزومة من مجرد طعام إلى «محراب جماعي».الوقت المهدر غالباً ما يضيع في المبالغة في أصناف الطعام والتنظيف المفرط.والحقيقةان بركة الوقت تأتي من البساطة.
لحظة صفاء
.في زمن تتسارع فيه وتيرة الحياة تراهن بسمه محمد الشارف مدربة بمكتب التدريب والتطوير الجبل الغربي على اللمة الرمضانية أو العزومات حيث تظل لحظة صفاء وانتماء وطمأنينة. يشعر فيه الجميع من الجد إلى الحفيد، ومن الجار إلى الصديق بأن رمضان مجمع للقلوب .. لذلك يجب التركيز في هذه العزومات على «وعي الاستهلاك» مع الحفاظ على روحانية اللقاء: العزومة الرمضانية ليست استعراضاً للأصناف، بل هي عبادة وممارسة واعية للقيم فالوعي في تقدير كمية الطعام هو شكرٌ عملي للرازق، وضمان ألا ينتهي مجهودنا في سلة المهملات فالمصافحة والكلمات الدافئة هي «الطبق الرئيسي»
ومن جانبها تقول نادية المنصوري موظفه في المركز الاعلامي بهيئة المفقودين. نعم.. أنا وبكل حب مع العزومات الرمضانية. فالعزومة في جوهرها ليست مجرد طعام يُقدَّم على المائدة، بل هي: حضن عائلي دافئ: نلوذ به من زحام الأيام وضغوطها. بركة لا تُشترى: رغم غلاء المعيشة، تبقى «اللمّة» نعمة تفوق كل قيمة مادية، وضحكة صادقة تُحفر في الذاكرة ويؤيد راي نادية وجهة نظر حسن قاسم اغا مدير البرنامج الاداري بالاولمبيات راي نادية المنصوري فلا بأس بتبادل العزومات في شهر الرحمن ، ، طالما كانت في حدود المعقول وبالشكل اللائق الذي يبتعد عن التكلف والمباهاة.
تفكك أسري
التفكك الأسري إشكال اخر داخل اطار هذا الموضوع فسليمة محمد بحيح رئيسة مجلس ادارة منظمة علو الهمة لذوى الاعاقة تقول: من المحزن أن تري التفكك الأسري يتسلل إلينا عبر الهواتف والألعاب الإلكترونية؛ حيث ينشغل الكبار والصغار بهواتفهم بدلاً من تبادل أطراف الحديث. هذا السلوك يقتل الحميمية ويفقد الجلسة الرمضانية قيمتها ..اطفالنا يراقبوننا؛ فإذا رأوا منا الاهتمام بالضيف والجلوس مع كبار السن وتوقيرهم، ستنتقل هذه القيم للأجيال القادمة تلقائياً. فالطفل مرآة لوالديه، وبهم تستمر تقاليدنا الجميلة.



