ثقافة

رواية آزاتسي المدينة وطزاجة السرد

مِفتاح العمّاري

في‭ ‬رواية‭ ‬ازاتسي‭ ‬للكاتب‭: ‬مجاهد‭ ‬البوسيفي؛‭ ‬ثمة‭ ‬عديد‭ ‬التقنيات،‭ ‬لخصائص‭ ‬كتابية‭ ‬وفنية‭ ‬منصهرة‭ ‬في‭ ‬جسم‭ ‬واحد‭. ‬سنعثر‭ ‬على‭ ‬السيناريو‭ ‬السينمائي‭ ‬ضمن‭ ‬تقطيعات‭ ‬بالغة‭ ‬الذكاء‭ ‬والتوقيعات‭ ‬الشعرية،‭ ‬كذلك‭ ‬التقرير‭ ‬الصحفي،‭ ‬والعرض‭ ‬التسجيلي،‭ ‬الى‭ ‬جانب‭ ‬التصوير‭ ‬الفوتغرافي،هوالخبر،‭ ‬والمعلومة،‭ ‬والحكاية،‭ ‬والسيرة‭ ‬الذاتية،‭ ‬والتاريخ،‭ ‬ونشرة‭ ‬الأخبار،‭ ‬وقصيدة‭ ‬النثر،‭ ‬والحوارالمسرحي،‭ ‬والموسيقى،‭ ‬والأحجية،‭ ‬والمثل‭ ‬الشعبي؛‭ ‬لتتضافر‭ ‬جميعها‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬صناعة‭ ‬شكل‭ ‬أدبي‭ ‬واحد‭ ‬مجسدا‭ ‬في‭ ‬رواية‭ “‬ازاتسي‭” ‬كإسم‭ ‬يشير‭ ‬تحديدًا‭ ‬إلى‭ ‬معسكر‭ ‬إيواء‭ ‬اللاجئين‭ ‬بمدية‭ (‬لايدن‭) ‬الهولندية‭. ‬أي‭ ‬الفضاء‭ ‬الذي‭ ‬تدور‭ ‬فيه‭ ‬وقائع‭ ‬الرواية‭ ‬خلال‭ ‬عام‭ ‬ونيف،‭ ‬من‭ ‬أكتوبر‭ ‬1996‭ ‬حتى‭ ‬نوفمبر‭ ‬1997‭. ‬لتتداخل‭ ‬خلال‭ ‬هذه‭ ‬الفترة‭ ‬وقائع‭ ‬الوطن‭ ‬كفواصل‭ ‬تستدعيها‭ ‬الذاكرة‭ ‬بوصفها‭ ‬خلفية‭ ‬سيروية‭ ‬لبطل‭ ‬الرواية‭. ‬

تفتتح‭ ‬ازاتسي‭ ‬فضاءها‭ ‬بهدوء‭ ‬حذر‭:‬ه‭”‬بعد‭ ‬يوم‭ ‬طويل‭ ‬في‭ ‬مركز‭ ‬استقبال‭ ‬اللاجئين‭ ‬بمطار‭ ‬أمستردام‭ ‬اصطحبت‭ ‬موظفةُ‭ ‬دائرة‭ ‬الهجرة‭ ‬مجموعتنا‭ ‬الصغيرة‭ ‬إلى‭ ‬محطة‭ ‬القطارات‭ ‬الواقعة‭ ‬تحت‭ ‬الأرض‭. ‬قطعت‭ ‬لنا‭ ‬التذاكر‭ ‬اللازمة،‭ ‬وأشرفت‭ ‬على‭ ‬صعودنا‭ ‬للقطار‭ ‬الذاهب‭ ‬إلى‭ ‬مدينة‭ ‬لايدن‭”. ‬بهكذا‭ ‬إيجاز‭ ‬ينسابُ‭ ‬الوصفُ‭ ‬حيًا‭ ‬دونما‭ ‬أية‭ ‬ثرثرة‭ ‬قد‭ ‬ينجم‭ ‬عنها‭ ‬إفساد‭ ‬ألفة‭ ‬استدراج‭ ‬الأشياء‭ ‬والأسماء،‭ ‬بحركة‭ ‬سلسة‭ ‬تتقفّى‭ ‬تداعيات‭ ‬مشهدها‭ ‬بلا‭ ‬تكلف‭. ‬شيء‭ ‬يشبه‭ ‬والى‭ ‬حد‭ ‬كبير‭ ‬مشهدًا‭ ‬سينمائيًا‭.. ‬تتابع‭ ‬فيه‭ ‬اللقطات‭ ‬بدءًا‭ ‬من‭ ‬اللحظة‭ ‬التي‭ ‬يتأهب‭ ‬خلالها‭ ‬نفرٌ‭ ‬من‭ ‬طالبي‭ ‬اللجوء‭ ‬لمغادرة‭ ‬مطار‭ ‬أمستردام‭ ‬عبر‭ ‬قطار‭ ‬نفقي‭ ‬للالتحاق‭ ‬بمعسكر‭ ‬اللاجئين‭ ‬في‭ ‬مدينة‭ ‬لايدن،‭ ‬قدموا‭ ‬من‭ ‬عدة‭ ‬بلدان‭ ‬مضطرية‭. ‬هكذا‭ ‬يختزل‭ ‬المقطع‭ ‬الأول‭ ‬بكثافة‭ ‬وتقشف‭ ‬تفاصيل‭ ‬الرحلة‭ ‬الأولى‭ ‬داخل‭ ‬هولندا،‭ ‬حتى‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬معسكر‭ ‬الإيواء‭ ‬والتعرف‭ ‬على‭ ‬أشخاص‭ ‬جدد‭ ‬وأمكنة،‭ ‬وتقاليد‭ ‬إقامة‭: ” ‬كنا‭ ‬ثلاثة‭ ‬أكراد‭ ‬وعربي‭ ‬من‭ ‬العراق،‭ ‬وأربعة‭ ‬أفغان‭ ‬بينهم‭ ‬امرأة،‭ ‬وأفريقي‭ ‬من‭ ‬سيراليون‭ ‬معظمنا‭ ‬لم‭ ‬يركب‭ ‬قطارًا‭ ‬وحتى‭ ‬لم‭ ‬يره‭ ‬مباشرة‭ ‬في‭ ‬حياته،‭ ‬لذا‭ ‬لم‭ ‬نكف‭ ‬عن‭ ‬سؤال‭ ‬مَن‭ ‬حولنا،‭ ‬وتبادل‭ ‬الخبرات‭ ‬الطارئة‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬القطارات‭ ‬ومحطاتها‭ ‬وبعد‭ ‬أن‭ ‬كدنا‭ ‬نتيه‭ ‬مرات‭ ‬عدة،‭ ‬تمكنا‭ ‬من‭ ‬الوصول‭ ‬بمشقة‭ ‬كبيرة‭ ‬إلى‭ ‬مركز‭ ‬إيواء‭ ‬اللاجئين‭ ‬على‭ ‬طرف‭ ‬المدينة،‭ ‬حيث‭ ‬تم‭ ‬توزيعنا‭ ‬على‭ ‬الغرف‭ “. ‬

وعلى‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬معسكر‭ ‬اللاجئين‭ ‬يضم‭ ‬قرابة‭ ‬أربعين‭ ‬جنسية،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬الشخصيات‭ ‬الأكثر‭ ‬ألفة‭ ‬وتجاورًا‭ ‬تمثلت‭ ‬في‭ ‬علاقة‭ ‬السارد‭ (‬بطل‭ ‬الرواية‭) ‬بالعراقيين؛‭ ‬ففضلا‭ ‬عن‭ ‬المشترك‭ ‬العربي،‭ ‬ثمة‭ ‬هنا‭ ‬مكابدة‭ ‬مماثلة،‭ ‬تتعلق‭ ‬بخضوع‭ ‬البلدين‭ “‬ليبيا‭ ‬والعراق‭” ‬لنظام‭ ‬حكم‭ ‬شمولي‭: (‬طاغية‭ ‬هنا‭ ‬وطاغية‭ ‬هناك‭)‬،‭ ‬يشتركان‭ ‬في‭ ‬الجنون‭ ‬نفسه،‭ ‬وطبائع‭ ‬الاستبداد،‭ ‬وغرابة‭ ‬العنف‭ ‬السلطوي،‭ ‬والهذيان‭ ‬الايديولوجي،‭ ‬والتفنن‭ ‬في‭ ‬القمع،‭ ‬وصناعة‭ ‬الأعداء،‭ ‬ومصادرة‭ ‬الحريات‭. ‬

هتقتضي‭ ‬الإشارة‭ ‬بأن‭ ‬هذا‭ ‬العمل‭ ‬الروائي‭ ‬ينطوي‭ ‬على‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬دلالة‭ ‬باعتباره‭ ‬أولا‭: ‬تجربة‭ ‬حقيقية‭ ‬عاشها‭ ‬الكاتب‭ ‬نفسه‭ ‬عبر‭ ‬هجرته‭ ‬من‭ ‬ليبيا‭ ‬إلى‭ ‬هولندا،‭ ‬وثانيا‭: ‬يبرهن‭ ‬على‭ ‬انعطافة‭ ‬نوعية‭ ‬في‭ ‬تحولات‭ ‬الرواية‭ ‬العربية،‭ ‬عبر‭ ‬انشغالها‭ ‬بموضوع‭ ‬يُعد‭ ‬جديدًا‭. ‬وثالثًا‭: ‬ما‭ ‬تقدمه‭ ‬آزاتسي‭ ‬من‭ ‬طزاجة‭ ‬سردية‭ ‬من‭ ‬جهة‭ ‬اقترابها‭ ‬من‭ ‬فضاء‭ ‬المدينة،‭ ‬ولعل‭ ‬السمة‭ ‬الأخيرة‭ ‬تكاد‭ ‬تكون‭ ‬شبه‭ ‬غائبة‭ ‬عن‭ ‬معظم‭ ‬العناوين‭ ‬في‭ ‬مسيرة‭ ‬المشهد‭ ‬الروائي‭ ‬الليبي؛‭ ‬لتأتي‭ ‬هنا‭ ‬بصورة‭ ‬أكثر‭ ‬تماسًا‭ ‬مع‭ ‬الذهنية‭ ‬الشابة‭ ‬في‭ ‬لغتها‭ ‬ونمط‭ ‬تفكيرها‭.. ‬عندما‭ ‬تستدرج‭ ‬عالمها‭ ‬بأكثر‭ ‬من‭ ‬طريقة‭ ‬لاقتناص‭ ‬الخبيئ‭ ‬بهدوء‭ ‬متسامح،‭ ‬وتنقّل‭ ‬سلس‭ ‬يهب‭ ‬الحواس‭ ‬عفوية‭ ‬عالية‭ ‬في‭ ‬علاقتها‭ ‬الخاصة‭ ‬بفضائها‭. ‬

يتعلق‭ ‬الانطباع‭ ‬هنا‭ ‬بالأثر‭ ‬العميق‭ ‬والمدهش‭ ‬الذي‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تحدثه‭ ‬فيك‭ ‬رواية‭ ‬تلامس‭ ‬جزءًا‭ ‬حيًا‭ ‬من‭ ‬تفاصيل‭ ‬ذاكرتك‭ ‬الموجعة،‭ ‬وإن‭ ‬تبدّت‭ ‬الحياة‭ ‬في‭ ‬أول‭ ‬الأمر‭ ‬وعلى‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬غرابتها‭ ‬على‭ ‬قدر‭ ‬كبير‭ ‬من‭ ‬الاعتياد‭ ‬بالنسبة‭ ‬لبطل‭ ‬الرواية‭ ‬كصحفي‭ ‬شاب‭ ‬جاء‭ ‬منذ‭ ‬صباه‭ ‬إلى‭ ‬العاصمة‭ ‬طرابلس‭ ‬من‭ ‬قرية‭ ‬بعيدة‭ ‬نسبيًا،‭ ‬تسكنها‭ ‬قبيلة‭ ‬واحدة‭. ‬سيواجه‭ ‬بالطبع‭ ‬مفارقات‭ ‬الحياة‭ ‬في‭ ‬المدينة،‭ ‬والتعثر‭ ‬من‭ ‬ثم‭ ‬في‭ ‬الدراسية‭ ‬لأسباب‭ ‬تتعلق‭ ‬بتلك‭ ‬العشوائية‭ ‬التى‭ ‬يحكم‭ ‬مزاجُها‭ ‬البلادَ‭ ‬بأسرها؛‭ ‬من‭ ‬بينها‭ ‬تحويل‭ ‬المدارس‭ ‬إلى‭ ‬ثكنات‭ ‬شبه‭ ‬عسكرية‭ ‬ضمن‭ ‬شعارات‭ “‬الشعب‭ ‬المسلح‭”. ‬وفي‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه‭ ‬ستنقلب‭ ‬الحياة‭ ‬بقضها‭ ‬وقضيضها‭ ‬إلى‭ ‬كابوس‭ ‬هذياني‭ ‬تحت‭ ‬وطأة‭ ‬حكم‭ ‬استبدادي‭ ‬شمولي‭. ‬ومن‭ ‬هنا‭ ‬كان‭ ‬القلق‭ ‬عامًا‭ ‬ولاسيما‭ ‬في‭ ‬انعكاسه‭ ‬على‭ ‬الشريحة‭ ‬الشبابية‭ ‬من‭ ‬المجتمع‭. ‬فمن‭ ‬تضييق‭ ‬الخناق‭ ‬على‭ ‬الرأي‭ ‬عبر‭ ‬احتكار‭ ‬الصحافة‭ ‬وزجّ‭ ‬عديد‭ ‬المثفقين‭ ‬من‭ ‬أدباء‭ ‬وكتاب‭ ‬في‭ ‬السجون‭ ‬بتهم‭ ‬ملفقة،‭ ‬إلى‭ ‬ازدراء‭ ‬الرياضة،‭ (‬كرة‭ ‬القدم‭) ‬بصورة‭ ‬خاصة،‭ ‬وعرقلة‭ ‬وارباك‭ ‬نشاطها،همرورًا‭ ‬بإحراق‭ ‬آلات‭ ‬الموسيقى،‭ ‬والتشديد‭ ‬الأمني‭ ‬على‮ ‬السفر،‭ ‬والحراك‭ ‬الثقافي‭… ‬الخ‭. ‬بيد‭ ‬أن‭ ‬السبب‭ ‬المحوري‭ ‬الذي‭ ‬صعّد‭ ‬من‭ ‬سخط‭ ‬واحباط‭ “‬سالم‭” ‬بطل‭ ‬الرواية،‭ ‬ينطلق‭ ‬من‭ ‬تلك‭ ‬اللحظة‭ ‬التي‭ ‬صدر‭ ‬فيها‭ ‬قرار‭ ‬وزاري‭ ‬بنقل‭ ‬عدة‭ ‬مئات‭ ‬من‭ ‬العاملين‭ ‬بمجالات‭ ‬الإعلام‭ ‬والفنون‭ ‬والثقافة،‭ ‬بينهم‭ (‬صحفيون‭ ‬وأدباء‭ ‬وفنانون‭) ‬إلى‭ ‬أجهزة‭ ‬أمنية،‭ ‬وتلك‭ ‬كانت‭ ‬القشة‭ ‬التي‭ ‬قصمت‭ ‬أمكانية‭ ‬التعايش‭ ‬مع‭ ‬هكذا‭ ‬معْقلٍ‭ ‬للجنون‭ ‬بالنسبة‭ ‬لصحفي‭ ‬وشاعر‭ ‬شاب‭ ‬يطمح‭ ‬إلى‭ ‬تأثيت‭ ‬أحلامه،‭ ‬والتفوق‭ ‬على‭ ‬نفسه‭ ‬وقسوة‭ ‬واقعه‭. ‬اذ‭ ‬ذاك‭ ‬كان‭ ‬لا‭ ‬مناص‭ ‬من‭ ‬التفكير‭ ‬في‭ ‬الهجرة‭ ‬خارج‭ ‬مجتمع‭ ‬الثكنة،‭ ‬والفرار‭ ‬خارج‭ ‬مجال‭ ‬الكابوس‭ ‬الثقيل،‭ ‬الذي‭ ‬يجثم‭ ‬على‭ ‬تطلعاته‭. ‬

في‭ ‬اليوم‭ ‬الأول‭ ‬بمعسكر‭ ‬اللاجئين،‭ ‬وفيما‭ ‬بطل‭ ‬الرواية‭ ‬يتفقد‭ ‬أغراضه‭ ‬التي‭ ‬حملها‭ ‬معه؛‭ ‬يُمرّر‭ ‬إشارة‭ ‬رمزية‭ ‬تلخص‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬فرضيات‭ ‬هذه‭ ‬المغامرة‭ ‬لحظة‭ ‬أن‭ ‬يسحب‭ ‬من‭ ‬حقيبته‭ ‬رواية‭ “‬دون‭ ‬كيخوته‭”. ‬هذه‭ ‬الإشارة،‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬تحيلنا‭ ‬إلى‭ ‬جدوى‭ ‬السرد،‭ ‬كفعل‭ ‬ريادي‭ ‬لنوع‭ ‬جديد‭ ‬من‭ ‬المعرفة‭ ‬الطامحة‭ ‬لتنظيم‭ ‬الفوضى،‭ ‬وفي‭ ‬نفس‭ ‬الوقت‭ ‬كمنظور‭ ‬تهکمی‭ ‬يسخر‭ ‬من‭ ‬تيمة‭ ‬الفروسية؛‭ ‬وبطريقة‭ ‬جد‭ ‬واعية‭ ‬عبر‭ ‬الكوميديا‭ ‬السوداء‭ ‬سيفلح‭ ‬باقتدار‭ ‬في‭ ‬شرشحة‭ ‬الأكاذيب‭ ‬المؤسسة‭ ‬لثورات‭ ‬العسكر‭. ‬

وانطلاقا‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬الإشارة‭ ‬وغيرها،‭ ‬تسلمنا‭ ‬ازاتسي‭ ‬أهم‭ ‬مفاتيح‭ ‬تأويلها،‭ ‬وقراءتها‭ ‬بإنصاف،‭ ‬من‭ ‬داخل‭ ‬المفارفات‭ ‬نفسها‭ ‬التي‭ ‬تشكل‭ ‬أهم‭ ‬محاور‭ ‬فضائها‭ ‬المتشظي،‭ ‬بين‭ ‬عالمين‭ ‬ضدين‭. ‬

المفارقة‭ ‬المدهشة‭ ‬هنا،‭ ‬أن‭ ‬أول‭ ‬عملية‭ ‬استرجاع‭ (‬فلاش‭ ‬باك‭) ‬من‭ ‬لايدن‭ ‬إلى‭ ‬طرابلس‭ ‬تبدأ‭ ‬من‭ ‬مهرجان‭ ‬رسمي‭ ‬ضخم‭ ‬کتظاهرةهيقودها‭ ‬العقيد‭ ‬نفسه؛‭ ‬وهو‭ ‬يقف‭ ‬على‭ ‬ظهر‭ ‬جرافة‭ ( ‬بلدوزر‭) ‬لتحطيم

البوابة‭ ‬الرئيسة‭ ‬لسجن‭ ‬بوسليم‭ ‬واطلاق‭ ‬سراح‭ ‬مجموعه‭ ‬كبیره‭ ‬من‭ ‬السجناء‭ ‬المحكوم‭ ‬عليهم‭ ‬في‭ ‬قضايا‭ ‬رأي؛‭ ‬من‭ ‬بينهم‭ ‬مثقفون‭ ‬وكتاب‭ ‬وأدباء‭ ‬وصحفيون‭. ‬

إذ‭ ‬ذاك‭ ‬كانت‭ ‬ليبيا‭ ‬بأسرها‭ ‬تحتفل‭ ‬بهذا‭ ‬الحدث‭ ‬التاريخي‭. ‬لكن‭ ‬حقيقة‭ ‬الواقع‭ ‬سوف‭ ‬تؤكد‭ ‬بأن‭ ‬الخروج‭ ‬من‭ ‬سجن‭ ‬أصغر‭ ‬إلى‭ ‬آخر‭ ‬أكبر‭ ‬محض‭ ‬لعبة‭ ‬لتوسيع‭ ‬الجدران،‭ ‬وإعادة‭ ‬تدوير‭ ‬ماكرة‭ ‬للسجن‭ ‬نفسه‭. ‬

هذا‭ ‬ما‭ ‬لخصته‭ ‬رحلة‭ ‬الهروب‭ ‬من‭ ‬السجن‭ ‬الأكبر‭ ‬كما‭ ‬تشي‭ ‬به‭ ‬سير‭ ‬اللجوء‭ ‬بمعسكرات‭ ‬الايواء‭ ‬بالضفاف‭ ‬الأخرى؛‭ ‬كنقاط‭ ‬تجمع‭ ‬لعبور‭ ‬المقهورين‭ ‬نحو‭ ‬آدميتهم‭. ‬حيث‭ ‬الوطن‭ ‬انسان‭ ‬يفكر،‭ ‬لا‭ ‬بهيمة‭ ‬تتمرغ‭.‬

‭*‬جزء‭ ‬من‭ ‬مقاربة‭ ‬نقدية

‭ ‬في‭ ‬رواية‭ ‬ازاتسي‭.‬

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى