سؤال الرواية الليبية

خاضتْ الرواية الليبية على مدى زمن لا بأس به في شتى المواضيع والرؤى، وتفرد كل كاتب بموضوع أو فكرة برع في تناولها روائياً.
ماهو سؤال الرواية الليبية الأهم بنظرك، هل هو سؤال الزمن، أو التاريخ، أو السياسة، أو الصحراء، أو الحرب، أو الحب، أو الخيال والفنطازيا؟
وماهي الاضافة التي حققتها الرواية الليبية حسب رأيك.
عماد خالد الهصك – أستاذ جامعي وناقد
الرواية الليبية: من البحث عن «الوطن» إلى تفكيك «الهوية»
لطالما حاولتْ الرواية الليبية الإجابة عن سؤال: «كيف نكتب مجتمعاً يرى نفسه بسيطاً بينما يخفي في طياته تعقيدات التاريخ والجغرافيا؟
يمكن حصر تساؤلات الرواية الليبية في عدة مسارات:
1. فلسفة الصحراء كفضاء وجودي «إبراهيم الكوني»
بينما يرى البعض المجتمع الليبي «بسيطاً»، حوّل إبراهيم الكوني هذه البساطة الجغرافية «الصحراء» إلى فضاء فلسفي معقد. في رواياته مثل نزيف الحجر والمجوس، لا يقدم الكوني صراعاً طبقياً، بل يقدم صراعاً وجودياً بين «الإنسان والقدر» وبين «الروح والمادة».
الكوني أثبت أن المجتمع الليبي، وإن خلا من صراعات الحداثة المعتادة، فإنه مسكون بصراع فلسفي أزلي حول الحرية والارتباط بالأرض.
2. تفكيك المسكوت عنه اجتماعيًا «نجوى بن شتوان»
تأتي رواية «زرايب العبيد» لـ نجوى بن شتوان لتعيد النظر في فرضية «خلو المجتمع من الصراعات العرقية». الرواية تعيد نبش التاريخ الليبي لتكشف عن طبقات من التمييز الاجتماعي الذي تم تجاهله طويلاً.
هنا تتحوَّل الرواية من مجرد سارد للهوية الوطنية إلى «مشرط جراح» يكشف أن الانسجام الظاهري كان يخفي جروحاً اجتماعية غائرة، مما يجعل الرواية أداة لمواجهة الذات لا مجرد مرآة للبساطة.
3. عبثية الوجود والانسداد السياسي «منصور بوشناف»
في روايته «علكة»، يقدم منصور بوشناف طرحاً فلسفياً نقدياً يتجاوز التاريخ والاجتماع إلى «العبث». المجتمع الذي يبدو بسيطاً في علاقاته، يظهر في الرواية كمجتمع مشلول بانتظار شيء ما، حيث تتحول الهوية إلى حالة من التكرار والاجترار.
بوشناف يجيب عن سؤال الرواية من خلال فلسفة «الجمود»، مصوراً المجتمع الليبي ليس ككتلة منسجمة، بل كأفراد عالقين في زمن دائري.
4. الهوية في مواجهة الغياب (هشام مطر)
رغم كتابته بالإنجليزية، إلا أن هشام مطر في «في بلد الرجال» و»العودة»، يطرح سؤال الهوية من منظور «المنفى». الهوية الليبية هنا ليست معطى بسيطاً، بل هي تساؤل مؤلم حول الفقدان، وكيف يشكل القمع السياسي وعياً مشوهاً بالذات.
قراءة نقدية لفرضية «المجتمع البسيط»
فلسفياً، يمكننا القول إن الرواية الليبية لم تجب عن التساؤلات فحسب، بل أعادت صياغة السؤال نفسه
تجاوز التاريخ الرسمي: الرواية الليبية (مثل أعمال أحمد إبراهيم الفقيه في ثلاثيته) لم تكتفِ بالرصد التاريخي، بل حاولت فهم الصدام بين «البداوة» و»المدنية» أو بين الأنا والآخر ،وهو صراع وإن لم يكن دموياً، إلا أنه صراع قيمي عميق.
سالم الهنداوي/قاص وروائي
الإشتعال على التاريخ
كُل هذه المواضيع مجتمعة، تتناولها الرواية، وإن غلبت الرواية التاريخية السردية الليبية. فالاشتغال على الزمن هو اشتغال على التاريخ، لكن قد يكون المكان دون الزمن حالة تاريخية أيضاً، وإلّا كان العمل فنطازياً خارج الزمن والمكان معاً.. وفي تقديري فإن الرواية كونها «سردية» قد تجاوزت كُل هذه المعايير التقليدية وجمعت بينها في لُحمة نصٍّ واحد هو «التعبيري» بالفضاء المفتوح للحالة الروائية، وإن كان المكان شاهدها الأبرز كما هو الزمان، ولكن لا واقعية تاريخية لها.. وهنا يكون «المخيال» واقعياً لأنه أساس الحالة الإبداعية التي تكتب النثر والسرد، القصّة والقصيدة والرواية.
لقد جاء التصنيف ناقداً ومنقوداً بعد منجزات فنية مهمّة ميّزت بين الروايات العربية، ومن بينها الرواية الليبية، وحدّدت توجّهاتها بين الواقعي والخيالي والتاريخي، لكن ظلّت القيمة الفنية للرواية، في لغتها ودلالتها السردية، هي الأهم في التجربة.
في الرأي النقدي العام ثمة ما يميّز اشتغالات كُتّاب الرواية الذين يوصفون باشتغالاتهم الروائية وبميولاتهم وهُوية كتاباتهم، فنجد رواية «المدينة» قد برزت عربياً في أدب نجيب محفوظ، و»الصحراء» في روايات عبدالرحمن منيف وإبراهيم الكوني، و»البحر» في روايات حنّا مينا، وسواهم الكثيرين.. غير أن الأهم هنا ليس في التفرُّد بالمكان لإنتاج ثيمة تاريخية، وإنما في إبداع النصّ بخلق هذا المكان فنّياً، تماهياً مع واقعيته وتجلّياً بجمال تفاصيله، فالمكان التاريخي قائم في زمان ماضوي، ولكنّ إبداعه فنّياً هو الجديد، وهو الأهم.
ما يميِّز الرواية الليبية والإضافة التي حقّقتها، هي مغامرتها مع الزمن واللحاق بالرواية العربية.
عائشة إبراهيم – روائية
الواقع بكل همومه
تمثل الرواية الليبية الواقع الليبي بكل همومه وأزماته وتناقضاته وتحولاته الكبرى، وهذا الواقع مزدحم بالأسئلة التي تتمحور في الغالب حول إشكالات الهوية أي كيف تعرّف الذات الليبية نفسها وكيف تواجه الآخر وكيف تقرأ الزمن والمكان والتاريخ وكيف تتشكل هويتها الفردية والجمعية، لذلك في اعتقادي أن الرواية الليبية خاضت في كل الأسئلة بدرجات متفاوتة وبدون تفضيل أحدها على الآخر. ما يحكم تمظهرات الأسئلة هي الأدوات والحريات المتاحة للكاتب، فالسؤال التاريخي مثلا يأتي متلبساً ويحفل بالهامش كمادة للتفكيك وليس للتوثيق، وسؤال السياسة يأتي في أثره
على معيشة الإنسان وأمنه واستقراره في ظل تداعيات الحروب والانقسام، وسؤال الصحراء يأتي كفكرة تجسد التيه وتقاطعات العزلة والحرية والانتماء، وتأتي أسئلة الحب والخيال والفنتازيا كمساحات لترميم النفوس المتشظية والمقهورة وإعادة الاعتبار للحياة وللإنسان. مع ملاحظة أن الرواية قد لا تُختزل في سؤال واحد أو ثيمة واحدة، فكثير من الروايات الليبية تنهض على أسئلة عدة، وتعكس طبيعة الصراع داخل بنية السرد، وتأتي الأسئلة كوسيلة لخلخلة اليقين فالسؤال هو الذي يفتح فجوة في الوعي من أجل الوصول إلى رؤية جديدة.
وبالنسبة للإضافة التي حققتها الرواية الليبية، أولا أنها تخلصت من السرد التقليدي وانطلقت نحو فضاءات الحداثة وتيار الوعي، وركزت على القضايا الفلسفية والنفسية والفنتازيا وإعادة قراءة التاريخ كوسيلة لفهم الواقع، ومن زاوية أخرى الرواية الليبية تصدرت المشهد الروائي العربي بعد أن كانت مغمورة في عقود سابقة.
اشتيوية محمود/ ناقدة
الرواية الليبية بين حرّية الكتابة ومجاراة السائد
الإبداع المستأنس ليس بمقدوره فك شفرة الذات والانطلاق إلى الفهم الموضوعي الذي هو في أساسه مجموعة ذوات، فالموضوعية ليست عكس الذاتية كما كانت تُعرض في المناهج، رغم ازدحام الأرفف بالروايات، والدراسات النقدية على هوامشها، لم تستطع الرواية التجاوز والتصنيف، فمجالها واسع وهي خاضعة للتلقي المتعدد،
)الجمهور هو الذي يحدد الرقم، ولكن للاسف هناك مشكلة واحدة «ليس ثمة جمهور »( عبارة مكتوبة على هامش فهناك من يرى أن هذه الأعداد ملفّقة وهي غير واقعية، وإن وجدت فهي تحت بنود أخرى غير الإبداع، وهناك من يُعدد اسمين أو ثلاثة يمكن أن يُطلق على ما يكتبونه مُصطلح الرواية، وهناك من يعزو تراجع الرواية إلى الفجوة بين المبدع ومُتلقيه، وأن المبدع يكتب وينشر ويقرأ بنفسه، دون أن يشاركه قارئ خارجي.
وهذا ما أدّى إلى غياب الأجناس الروائية الدقيقة، مثل رواية اليافعين،
رغم ذلك، هناك روايات ليبية وأسماء روائية، نالت حظوة نقدية، وانتشارًا واسعًا محليًّا وعربيًّا
من الصعب تحديد سؤال الرواية الليبية، لأنه سؤال الإبداع جملة، وهو كيفية التعرف على الذات باحتدام الأزمنة، وإعادة كتابة التاريخ، من خلال نقد الفلسفات السائدة، ولأن ليبيا مترامية الثقافات، سارت الرواية على نسق فرديّ، فلكلِّ تكوينٍ صوته الذي ينادي به، وطرائقه التي يصوغ بها كوامنه، وهواجسه، وآخر ما يُحسب للرواية، مرونة التوظيف وتعمية المُراد، قد يرى البعض أن تأويل السرد أيسر من تأويل النص الشعري، لكن حجم الرواية والمتاح فيها من آليات التعبير تمنحها القدرة على خوض مواضيع لا تتأتى لغيرها من الأجناس.
سراج الدين الورفلي/شاعر وروائي
الرواية الليبية: نقد لتحديات التاريخ والهامش والهوية
على مدار الزمن، ظلت الرواية الليبية تتأرجح بين محاولات التميز وتقليد التجارب الأخرى، حيث يبرز غياب الجرأة كواحد من أبرز نقاط الضعف. فالتركيز على الفترات التاريخية العثمانية وما بعدها أدى إلى تهميش الفترات الأقدم، مما يخلق هوية مجتزأة تفتقر إلى العمق التاريخي.
كما أن غياب السردية الوطنية المستقرة يجعل من التاريخ الليبي سيرة مجتزأة ومفككة، مما يضعف من قدرة الرواية على بناء هوية متكاملة. وهذا التقطّع الزمني يجعل السرد يفتقد إلى التماسك، ويُضعف من قدرة الرواية على خلق تجربة أدبية عميقة.
وفي ظل هذه التحديات، تُبرز سردية الهشاشة كعنصر محوري، حيث تتجلى نقاط الضعف في تقطيع التجربة الإنسانية وافتقادها للعمق، مما يجعل الرواية تفتقد إلى أصالتها.
وبهذا، فإن الإضافة التي حققتها الرواية الليبية تظل محدودة، حيث تظل محصورة في إطار تقليدي وغير قادر على تقديم هوية روائية متكاملة ومتعمقة.
خديجة المبروك منصور -/أستاذة في الأدب الحديث
تطور بطيء
تُعدّ الرواية الليبية من الأجناس الأدبية التي تطورت ببطء مقارنة ببعض الآداب العربية الأخرى، إلا أنها شهدت خلال العقود الأخيرة حراكًا ملحوظًا من حيث الموضوعات والرؤى والأساليب الفنية. وقد خضعت الرواية الليبية عبر مسارها الزمني لتأثيرات متعددة فرضتها التحولات السياسية والاجتماعية والتاريخية، إضافة إلى الخصوصية المكانية التي ميّزت المجتمع الليبي، مما جعل سؤال الرواية الليبية سؤالًا مركزيًا ومتشعبًا لا يمكن اختزاله في محور واحد.
الأسئلة الملحّة.
إن من أسباب وجود الرواية هو «اكتشاف ما تستطيع الرواية وحدها اكتشافه»؛ فهي ذاكرة ثانية تحاكي تحولات الإنسان وتثبّت موقفه السياسي والاجتماعي والقيمي من الحياة المتغيّرة.
يُعدّ الزمن التاريخي من أهم الأسئلة التي اشتغلت عليها الرواية الليبية، فقد انشغلت بأسئلة جوهرية تتعلّق بالزمن والتاريخ، والسلطة، والهوية، والمكان، والمرأة، بوصفها قضايا مركزية أسهمت في تشكيل خطابها الفني ورؤيتها للعالم.
ومن ضمن الموضوعات التي خاضت فيها الرواية الليبية السلطة ، خلال الثمانينت بصفة خاصة ؛فقد شكلت الســــــــــلطة الهاجس الرئيس لعدد من الروائيين ؛أبرزهـــــــــم صــادق النيهوم ([4])وقــــد صورت الرواية ذات التوجه السياسي المثقف باعتباره صوتاً معارضاً للاستبداد،وحاملاً هموم الناس ومفكـــــــراً نيابة عن الناس،لكنه عادة ما يمنى بالخيبات،ويُتهم بانفصاله عن واقعه، وغياب التواصـــــل بيــــــــــنه وبين الآخرين.
ويلحظ أن صورة المثقف في هذا النوع من الروايات،تخفي وراءها عادة صورة الكـــــاتب؛إذ يعـــــــــــــبر بعض الروائيين عن آرائهم وايديولوجياتهم، بواسطة شخصياتهم ؛ التي يبتدعونها في أعمالهم الروائية كما في رواية ( الحيوانات) لصــادق النيهوم ، V ومن هنا، سعت الرواية إلى إعادة قراءة التاريخ من زاوية الإنسان البسيط، لا من زاوية السرد الرسمي، وهو ما منحها بعدًا نقديًا واضحًا.
يشكّل المكان، ولا سيما الصحراء الليبية، عنصرًا محوريًا في تشكيل سؤال الرواية الليبية، يمكن القول إن الرواية الليبية قد أسهمت في إثراء السرد العربي من خلال بناء عالم روائي متفرد، يستند إلى خصوصية المكان والتاريخ، وينحاز إلى الإنسان المهمّش، ويجعل من الأدب أداةً لطرح الأسئلة الكبرى حول الوجود والهوية والحرية. وهي بذلك تظل تجربة مفتوحة على التطور والتجديد، وقادرة على مواكبة التحولات المستقبلية، ما دامت مشغولة بالإنسان وأسئلته في واقع دائم التغيّر.
شكري الميدي/ روائي
تسلسل قصصي
الرواية هي تسلسل للقصص، بالتالي فالرواية الليبية، هي تسلسل قصصي من التاريخ الليبي، اجتماعياً وسياسياً. ببساطة نحن نضيف هذه القصص للمدونة العالمية. منذ بدأ كتابتنا للرواية شرعنا في تشخيص أمراض مجتمعنا، هناك الكثير من المشاعر غير المعالجة، ولدينا عدد القليل ممن يحاولون التعامل مع هذا الركام المعقد من المشاعر المكبوتة، ربما لهذا تبدو أغلب رواياتنا رثائية، تائهة بين الحزن والبحث، في أغلب مجالات كتابتنا سواء التاريخية أو الرومانسية أو الفانتازيا، لدينا، على ما يبدو، أسئلة مهمة، في محاولة يائسة لفهم كيف حدث كل هذا التعقيد، وإلى متى سيستمر حدوثه؟ في أغلب رواياتنا لا نبحث حتى عن الخلاص! شخصياتنا إما تنتهي في حوادث قتل عنيفة أو تقترف الانتحار أو الجنون أو إنها تعاني الإغتصاب لتعيش مشوهة بلا أمل أو تغوص في عالم من الإنكار فحسب. الرواية الليبية ابنة بيئتها ونحن نعيش وسط عنف لا نهاية له، وفي رؤوسنا الكثير من الأسئلة الضبابية، أهمها كيف سنجعل الليبيين وغير الليبيين يقرأون قصصنا؟



