
بين يدي الفنان التشكيلي محمد بن لامين، تكفُّ القنينة البلاستيكية عن كونها أداة عابرة للاستعمال، لتصبح كياناً يضجُّ بالألم والانتظار. هي ليست مجرد محاولة لإنقاذ البيئة، بل هي محاولة لإنقاذ «الرؤية» ذاتها؛ عبر تحويل القبح الاستهلاكي إلى لغة تشكيلية بليغة. تأتي هذه القراءة النقدية لتسلط الضوء على تلك الشعرة الفاصلة بين المادة والرمز، حيث تلتقي هشاشة البلاستيك بقلق الهوية والمعاناة الإنسانية العامة، في تجربة فنية ترفض الوعظ المباشر وتختار الانحياز لجوهر الفن: إحراج الضمير وفتح باب السؤال..
ما وراء التدوير: أنسنة المادة
أعمال بن لامين هنا لا تُقرأ بوصفها «تجربة إعادة تدوير» بالمعنى التقني الضيق، بل بوصفها فعل مساءلة جمالية وأخلاقية لمادة مهملة قرر العالم أن ينساها بعد الاستهلاك. القنينة البلاستيكية، هذه الأيقونة اليومية للسرعة والرمي، تتحول في يده إلى جسدٍ تعبيري: مجعّد، هشّ، متألم، لكنه ما يزال قائمًا.
ما يلفت أولًا هو أنسنة القنينة دون الوقوع في التشخيص المباشر. الأشكال لا تصرخ: «أنا إنسان»، لكنها توحي به؛ عبر وقفات، انحناءات، وتوازنات قلقة، أشبه بكائنات في حالة انتظار أو محاكمة صامتة. كأننا أمام بقايا بشرية بعد كارثة استهلاكية كبرى، هذا الغموض المقصود يمنح العمل قوته، لأنه يترك المتلقي عالقًا بين المادة والرمز.
اللغة التشكيلية: فضح الجمال الكامن
من الناحية الجمالية، لا يسعى الفنان إلى تجميل النفاية، بل إلى فضح جمالها الكامن. الطيات، التشققات، وآثار الضغط والحرارة، تصبح لغة تشكيلية قائمة بذاتها.
* اللون: ليس تزيينًا بل أثر (أثر تدخل بشري، بيئة مختنقة، ومحاولة إنقاذ).
* الفضاء: الخلفيات البخارية الضبابية تعمّق الإحساس بأن هذه الكائنات وُلدت في فضاء ملوّث، غير مستقر، وبلا أفق واضح.
الأفق المفاهيمي: احتجاج صامت
تشتغل أعمال بن لامين ضمن أفق ما بعد الحداثة النقدية التي لا تثق في السرديات الكبرى ولا في وهم التقدم. هو لا يقدّم حلًا بيئيًا مباشرًا، بل يضع المتلقي أمام مفارقة فلسفية:
كيف لمادة صُممت لتُستخدم لدقائق أن تعيش معنا قرونًا؟ وكيف يمكن للفن أن يمنحها حياة ثانية، بينما يعجز العالم عن الحد من إنتاجها؟
العمل هنا احتجاج صامت على ثقافة الاستهلاك، وعلى المدينة الحديثة التي تبتلع نفاياتها وتعيد قذفها إلى هوامشها، لتصبح القنينة «شاهد إدانة» لا مجرد ضحية.
البعد الإنساني والمجتمعي (الفنان والواقع)
بوصفه فنانًا ليبيًا، يكسب العمل بعدًا إضافيًا يرتبط بالفضاء الهش، وغياب البنية البيئية الصلبة، وتراكم النفايات كأثر من آثار الفوضى. هنا تتحول القنينة إلى مرآة للواقع، كأنها تقول: كما تُضغط هذه المادة وتُشوَّه، يُضغط الإنسان وتُشوَّه حياته.
خلاصة نقدية
إن هذه السلسلة الفنية للفنان محمد بن لامين لا تُجمّل القمامة، بل تستخرج منها خطابًا لا ترفع شعار البيئة، بل تُحرج الضمير البيئي.ايضا هي لا تقدّم إجابة، بل تفتح سؤالًا بصريًا وأخلاقيًا طويل الأمد.
إنها تجربة تجمع بين الشعرية التشكيلية والقلق الفلسفي، حيث تتحول النفاية من هامش مهمل إلى مركز تأمّل، ومن مادة صامتة إلى كائن يطالب بأن يُرى، ويُفكَّر فيه، وربما… يُنقَذ.



