هدرزة

طعنة في بيتٍ مزدحم بالأطفال

عبير المحجوب

يكتب‭ ‬إلينا‭ ‬رجل‭ ‬متزوج،‭ ‬أب‭ ‬لخمسة‭ ‬أطفال،‭ ‬لا‭ ‬يشكو‭ ‬فقرًا‭ ‬ولا‭ ‬تقصيرًا،‭ ‬بل‭ ‬خيبةً‭ ‬جاءت‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬لا‭ ‬يُتوقَّع‭.‬

يقول‭ ‬إن‭ ‬زوجته‭ ‬“بنت‭ ‬ناس‭ ‬ومحترمة”،‭ ‬لم‭ ‬يبخل‭ ‬عليها‭ ‬يومًا،‭ ‬دعمها‭ ‬في‭ ‬تعليمها،‭ ‬شجّعها‭ ‬على‭ ‬إكمال‭ ‬دراستها،‭ ‬ساندها‭ ‬في‭ ‬التعيين،‭ ‬علّمها‭ ‬القيادة،‭ ‬وكان‭ ‬حاضرًا‭ ‬في‭ ‬تفاصيل‭ ‬البيت‭ ‬والأبناء،‭ ‬مؤمنًا‭ ‬أن‭ ‬الشراكة‭ ‬الحقيقية‭ ‬تُبنى‭ ‬بالاحترام‭ ‬والعلم‭.‬

في‭ ‬إطار‭ ‬عائلي‭ ‬بسيط،‭ ‬كانت‭ ‬إحدى‭ ‬قريباته‭ ‬تزور‭ ‬المنزل،‭ ‬يتبادلن‭ ‬الحديث‭ ‬“لتغيير‭ ‬الجو”،‭ ‬كما‭ ‬قال‭. ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬يتخيل‭ ‬أن‭ ‬تلك‭ ‬الجلسات‭ ‬العابرة‭ ‬ستتحول‭ ‬إلى‭ ‬مدخل‭ ‬لخراب‭ ‬صامت‭.‬

تغيّرت‭ ‬زوجته‭ ‬تدريجيًا،‭ ‬تصرفات‭ ‬غريبة،‭ ‬هاتف‭ ‬لا‭ ‬يفارق‭ ‬يدها،‭ ‬مكالمات‭ ‬متكررة‭.‬

وحين‭ ‬واجه‭ ‬الحقيقة،‭ ‬كانت‭ ‬الصدمة‭ ‬أكبر‭ ‬من‭ ‬قدرته‭ ‬على‭ ‬الاحتمال‭:‬

رسائل‭ ‬تحريض،‭ ‬إساءات،‭ ‬ألفاظ‭ ‬جارحة،‭ ‬وتشويه‭ ‬متعمد‭ ‬لصورته‭ ‬كرجل‭ ‬وزوج‭.‬

يقول‭ ‬إنه‭ ‬لم‭ ‬يمدّ‭ ‬يده،‭ ‬ولم‭ ‬يرفع‭ ‬صوته،‭ ‬لكنه‭ ‬شعر‭ ‬أن‭ ‬طعنته‭ ‬جاءت‭ ‬من‭ ‬الداخل‭.‬

اختار‭ ‬الصمت‭ ‬لأجل‭ ‬أطفاله،‭ ‬أشهرٌ‭ ‬من‭ ‬القطيعة‭ ‬داخل‭ ‬البيت‭ ‬الواحد،‭ ‬كلٌ‭ ‬في‭ ‬غرفة،‭ ‬بلا‭ ‬كلام،‭ ‬بلا‭ ‬دفء‭.‬

هو‭ ‬لا‭ ‬ينكر‭ ‬ندم‭ ‬زوجته،‭ ‬ولا‭ ‬يتجاهل‭ ‬ضعفها‭ ‬بعد‭ ‬وفاة‭ ‬أمها‭ ‬وكِبر‭ ‬سن‭ ‬والدها،‭ ‬لكن‭ ‬الجرح‭ – ‬كما‭ ‬يقول‭ – ‬أعمق‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬يُمسَح‭ ‬بكلمة‭ ‬“سامحني”‭.‬

“أنا‭ ‬لا‭ ‬أحب‭ ‬الظلم”،‭ ‬يكتب،

“لكنني‭ ‬لا‭ ‬أستطيع‭ ‬أن‭ ‬أعود‭ ‬كما‭ ‬كنت‭.‬

أنا‭ ‬لا‭ ‬أحتقر‭ ‬امرأة،‭ ‬لكنني‭ ‬لا‭ ‬أحتمل‭ ‬امرأة‭ ‬تُدار‭ ‬من‭ ‬غيرها”‭.‬

رمضان‭ ‬على‭ ‬الأبواب،‭ ‬والأبناء‭ ‬بين‭ ‬أبوين‭ ‬يعيشان‭ ‬الانفصال‭ ‬دون‭ ‬إعلان،‭ ‬وبيتٍ‭ ‬ما‭ ‬زال‭ ‬قائمًا‮…‬‭ ‬لكن‭ ‬روحه‭ ‬منكسرة‭.‬

الحل‭ ‬

التفريق‭ ‬بين‭ ‬الخطأ‭ ‬وصاحبه‭:‬

من‭ ‬حق‭ ‬الزوج‭ ‬أن‭ ‬يغضب‭ ‬وأن‭ ‬يضع‭ ‬حدودًا،‭ ‬لكن‭ ‬القرار‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬عقلانيًا‭ ‬لا‭ ‬انتقاميًا‭.‬

جلسة‭ ‬مواجهة‭ ‬منضبطة‭ ‬بحضور‭ ‬مختص‭ ‬أسري،‭ ‬لا‭ ‬لإعادة‭ ‬فتح‭ ‬الجراح،‭ ‬بل‭ ‬لتحديد‭:‬

هل‭ ‬ما‭ ‬زال‭ ‬هناك‭ ‬أساس‭ ‬نفسي‭ ‬وأخلاقي‭ ‬يمكن‭ ‬البناء‭ ‬عليه؟

وقف‭ ‬أي‭ ‬تدخل‭ ‬خارجي‭ ‬نهائيًا،‭ ‬واعتبار‭ ‬ما‭ ‬حدث‭ ‬خطًا‭ ‬أحمر‭ ‬لا‭ ‬يُسمح‭ ‬بتجاوزه‭ ‬مستقبلًا‭.‬

إن‭ ‬تعذّر‭ ‬الإصلاح،‭ ‬فالانفصال‭ ‬الهادئ‭ ‬الواضح‭ – ‬مع‭ ‬حفظ‭ ‬كرامة‭ ‬الطرفين‭ ‬وحقوق‭ ‬الأبناء‭  ‬أرحم‭ ‬من‭ ‬استمرار‭ ‬علاقة‭ ‬ميتة‭.‬

البيوت‭ ‬لا‭ ‬تنهار‭ ‬بالصراخ،

بل‭ ‬بالهمس‭ ‬الذي‭ ‬يُقال‭ ‬خارجها،

وبالثقة‭ ‬التي‭ ‬تُكسر‮…‬‭ ‬ثم‭ ‬يُطلب‭ ‬منها‭ ‬أن‭ ‬تعود‭ ‬كما‭ ‬كانت‭.‬

فضفضة‭ ‬تُنشر‭ ‬بدون‭ ‬اسم،

لأن‭ ‬الوجع‭ ‬لا‭ ‬يحتاج‭ ‬توقيعًا‮…‬‭ ‬بل‭ ‬فهمًا‭.‬

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى