رأي

عن أولِ وحدةٍ قامت وما استقامت

أمين مازن

تحلُ‭ ‬في‭ ‬الثالث‭ ‬والعشرين‭ ‬من‭ ‬فبراير‭ ‬ذكرى‭ ‬قيام‭ ‬أول‭ ‬وحدة‭ ‬عربية‭ ‬حديثة‭ ‬عرفها‭ ‬التاريخ‭ ‬العربي‭ ‬السياسي‭ ‬المعاصر‭ ‬لما‭ ‬يقرب‭ ‬من‭ ‬ستين‭ ‬سنة‭ ‬مضتْ‭ ‬تحت‭ ‬اسم‭ ‬‮«‬الجمهورية‭ ‬العربية‭ ‬المتحدة‮»‬،‭ ‬عندما‭ ‬أُعلِنتْ‭ ‬جراء‭ ‬اتحاد‭ ‬مصر،‭ ‬وسوريا‭ ‬في‭ ‬دولة‭ ‬واحدة‭ ‬برئاسة‭ ‬الزعيم‭ ‬جمال‭ ‬عبد‭ ‬الناصر‭ ‬وإصرار‭ ‬منقطع‭ ‬النظير‭ ‬قامتْ‭ ‬به‭ ‬سوريا‭ ‬شعبًا‭ ‬وقياداتٍ‭ ‬على‭ ‬مختلف‭ ‬الصعد،‭ ‬بدأتْ‭ ‬من‭ ‬الأحزاب‭ ‬والجمعيات‭ ‬وأخيرًا‭ ‬استفتاء‭ ‬تقدمه‭ ‬السيد‭ ‬‮«‬شكري‭ ‬القوتلي‮»‬‭ ‬في‭ ‬رئاسته‭ ‬الثانية‭ ‬لسوريا‭ ‬في‭ ‬الخمسينيات،‭ ‬لقَّبَهُ‭ ‬على‭ ‬إثرها‭ ‬جمال‭ ‬عبد‭ ‬الناصر‭ ‬بالمواطن‭ ‬العربي‭ ‬الأول،‭ ‬واشترط‭ ‬عبد‭ ‬الناصر‭ ‬لقيام‭ ‬الوحدة‭ ‬المذكورة‭ ‬إلغاء‭ ‬الحياة‭ ‬الحزبية‭ ‬وانتهاج‭ ‬ما‭ ‬أُطلق‭ ‬اتحاد‭ ‬قوى‭ ‬الشعب‭ ‬العاملة‭ ‬أو‭ ‬الاتحاد‭ ‬القومي،‭ ‬وهو‭ ‬النظام‭ ‬السياسي‭ ‬الذي‭ ‬طبقته‭ ‬مصر‭ ‬عقب‭ ‬إلغاء‭ ‬النظام‭ ‬الملكي‭ ‬المصري‭ ‬عندما‭ ‬حققتْ‭ ‬استقلالها‭ ‬الحديث‭ ‬وخرج‭ ‬منها‭ ‬الجيش‭ ‬البريطاني‭ ‬الذي‭ ‬حل‭ ‬بها‭ ‬منذ‭ ‬العام‭ ‬الثاني‭ ‬والثمانين‭ ‬بالقرن‭ ‬قبل‭ ‬الماضي‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬تم‭ ‬عزل‭ ‬الملك‭ ‬فاروق‭ ‬في‭ ‬العام‭ ‬الثاني‭ ‬والخمسين،‭ ‬ومن‭ ‬ثم‭ ‬إبرام‭ ‬اتفاقية‭ ‬الجلاء‭ ‬في‭ ‬العام‭ ‬الرابع‭ ‬والخمسين،‭ ‬واحتلتْ‭ ‬مكانها‭ ‬في‭ ‬التيار‭ ‬الذي‭ ‬بدأ‭ ‬بقيام‭ ‬مؤتمر‭ ‬‮«‬باندونج‮»‬‭ ‬بقيادة‭ ‬‮«‬نهرو‭ ‬تيتو‭ ‬وتشو‭ ‬إنلاي‮»‬‭ ‬ومعهم‭ ‬جمال‭ ‬عبدالناصر‭ ‬الذي‭ ‬أفلح‭ ‬في‭ ‬قيادة‭ ‬الشارع‭ ‬العربي‭ ‬وتياراته‭ ‬الشعبية‭ ‬المعادية‭ ‬لكل‭ ‬الخيارات‭ ‬الاستعمارية‭ ‬المتمثلة‭ ‬في‭ ‬الأحلاف‭ ‬غير‭ ‬المتكافئة‭ ‬ورفع‭ ‬شعارات‭ ‬العدالة‭ ‬الاجتماعية‭ ‬ومعاداة‭ ‬الاحتكار‭ ‬والتبعية‭ ‬وسيطرة‭ ‬الإقطاع‭ ‬السياسي،‭ ‬وقد‭ ‬كانتْ‭ ‬يومئذ‭ ‬تخوض‭ ‬أشرس‭ ‬المعارك‭ ‬لتحرير‭ ‬الجزائر‭ ‬ومعارضة‭ ‬حلف‭ ‬بغداد‭ ‬وتجارب‭ ‬فرنسا‭ ‬الذرية‭ ‬وكسر‭ ‬احتكار‭ ‬السلاح،‭ ‬إنها‭ ‬التوجهات‭ ‬التي‭ ‬ما‭ ‬لبث‭ ‬الغرب‭ ‬أن‭ ‬خطط‭ ‬لاحقًا‭ ‬للقضاء‭ ‬عليها‭ ‬واحدة‭ ‬بعد‭ ‬الأخرى،‭ ‬بدءًا‭ ‬من‭ ‬الحرب‭ ‬الأهلية‭ ‬في‭ ‬لبنان،‭ ‬ثم‭ ‬اليمن‭ ‬وأخيراً‭ ‬هزيمة‭ ‬يونيو‭ ‬في‭ ‬العام‭ ‬السابع‭ ‬والستين،‭ ‬تلك‭ ‬التي‭ ‬انتهت‭ ‬باحتلال‭ ‬قناة‭ ‬السويس‭ ‬المصرية،‭ ‬والجولان‭ ‬السورية‭ ‬واشتعال‭ ‬الحرب‭ ‬اليمنية‭. ‬إنها‭ ‬المرحلة‭ ‬التي‭ ‬اختفى‭ ‬فيها‭ ‬قائد‭ ‬مثل‭ ‬عبد‭ ‬الناصر‭ ‬بما‭ ‬هو‭ ‬عليه‭ ‬من‭ ‬التفرّد‭ ‬في‭ ‬نظافة‭ ‬اليد،‭ ‬والمسلك‭ ‬إلى‭ ‬آخر‭ ‬ما‭ ‬شهدت‭ ‬له‭ ‬التقارير‭ ‬الأجنبية‭ ‬التي‭ ‬وثّقت‭ ‬للمرحلة‭ ‬وأكدتْ‭ ‬استحالة‭ ‬تكرار‭ ‬ما‭ ‬شهدته‭ ‬خمسينيات‭ ‬ذلك‭ ‬القرن‭ ‬في‭ ‬سبعينياته‭ ‬عندما‭ ‬عرفنا‭ ‬خروج‭ ‬الأمريكان‭ ‬من‭ ‬‮«‬الملّاحة‮»‬‭ ‬وخروج‭ ‬الإنجليز‭ ‬من‭ ‬عدن‭ ‬وقبل‭ ‬ذلك‭ ‬قناة‭ ‬السويس‭ ‬لأن‭ ‬تطور‭ ‬الصناعة‭ ‬قد‭ ‬جعل‭ ‬من‭ ‬البواخر‭ ‬مدناً‭ ‬متنقلة‭ ‬بإمكانها‭ ‬نقل‭ ‬الطائرات‭ ‬مثلما‭ ‬تستطيع‭ ‬تعويض‭ ‬أشهر‭ ‬الملاهي،‭ ‬وعندما‭ ‬تستعيد‭ ‬الذاكرة‭ ‬قيام‭ ‬أول‭ ‬جمهورية‭ ‬عربية‭ ‬ونتذكر‭ ‬معشر‭ ‬معاصري‭ ‬تلك‭ ‬الأيام‭ ‬كيف‭ ‬كانت‭ ‬ليبيا‭ ‬وكيف‭ ‬فعلت‭ ‬بها‭ ‬الحادثات‭ ‬ومن‭ ‬تولى‭ ‬بها‭ ‬ما‭ ‬تولى،‭ ‬وأين‭ ‬تمضي‭ ‬الأمور‭ ‬اليوم‭ ‬وماذا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يحدث،‭ ‬فإن‭ ‬ما‭ ‬يلوح‭ ‬بكل‭ ‬الأسف‭ ‬أن‭ ‬المفاجئ‭ ‬سيكون‭ ‬سيد‭ ‬الموقف،‭ ‬وما‭ ‬ذلك‭ ‬إلا‭ ‬لأن‭ ‬الأمور‭ ‬ما‭ ‬تزال‭ ‬بيد‭ ‬غير‭ ‬أهلها،‭ ‬وفي‭ ‬الأكثر‭ ‬كلما‭ ‬أُسنِدتْ‭ ‬الأمور‭ ‬لغير‭ ‬أهلها‭ ‬فليس‭ ‬سوى‭ ‬انتظار‭ ‬الساعة،‭ ‬لا‭ ‬فرق‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬الساعة‭ ‬خاصة‭ ‬بالأمر‭ ‬المثير‭ ‬للأسى،‭ ‬أو‭ ‬الآخر‭ ‬المتعلق‭ ‬بالحياة‭.‬

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى