
لم أكدْ أجلس بخلوتي وأُقَلِّبُ ما عساه أن يكون حظه من الاهتمام أوفر وتأثيره أشد فأتخذ منه مادة لهذا الاستحقاق الذي كثيرًا ما أنصرف إليه فور فراغي من وضع ما بين يدي أمام المُتلقي، حتى وجدتني في الثلاثين من مارس أتلقى من إحدى الفضائيات نبأ السيد «زروال» أحد رؤساء جمهورية الجزائر الذين تداولوا على ذلك المقعد عقب رحيل الكولونيل «هواري بومدين» وغيبوبته التي دامتْ وقتًا ليس بالقصير في ثمانينيات القرن الماضي واستخلاف السيد «الشاذلي بن جديد» والذي حِيلَ بينه وبين الخروج العادي بإلزامه بتقديم الاستقالة، تلك التي فتحتْ العشرية الناتجة عن رفض نتائج الانتخابات والتي ما كان للجزائر أن تتجاوزها لولا التدخل الخارجي والذي أكد أكثر من مراقب وصوله عن طريق دول الخليج.
لقد رحل «زروال» عن أربعة وثمانين سنة ومرض دام بعض الوقت، وقد كان فوزه بالرئاسة بنسبة ثلاثة وستين في المائة ليس أكثر، فشذَّ عن أقرانه من أصحاب التسعة وتسعين في المائة ومنهم من زاد إليها التسعة أعشار !، وكان من حسن حظي أن تمكنتُ من الإشادة بها في بعض ما تناولتُ عن مواجع المرحلة ومارستُ من خلالها شيئًا من الإسقاط عبر الأحداث الجارية اجتماعيّ الأحزاب المغاربية واحدة في المعارضة والأخرى في الحكم، رعتها ليبيا وقام بترتيبها السيد سليمان ساسي الشحومي من موقعه شعبة الشورى المغاربية وتيسر ليَّ من خلالها أن أُسوِّقَ ما لدي حول استحقاقات التعدَّدية التي كثيرًا ما طرقتْ أبواب الواقع الليبي عبر المشاركات العربية،يحضرني منها اجتماع أحزاب المعارضة العربية في الجزائر عندما حاول بعض الناشطين أن يُشرِكوا الممكن من الليبي فاختاروا لهم مدخل النقابات والمؤتمرات وأذكر أن أحرجَ ما واجه الموفدين كلمة الصفة والتي تقتضي تسمية الحزب وقد كتبتُ يومئذ لاسمي عبارة «مستقل»، وكثر الهمس طويلاً بين الحاضرين حتى أن السيد عبد السلام جلود أثار معي «لاحقًا» الموضوع في اجتماع عام وكان المقصود فيما فهمتُ إفهام الموجودين أن ما همس به الكثير منهم أن ما كتبته خارج السياق ربما يعتبر دون السقف الذي يمكن أن تسمح به المرحلة أو يجب الارتفاع إليه، وهذه على كل حال استطرادة قد تكون ضرورية أو غير ضرورية، ذهبَت على كل حال كيفما اتُفِقَ وإن كانت ستبقى دائما لوقتها لأقول بشأنها ما حصل أو ما قد حصل ضمنا ولا حرج من استثماره وإغنائه بالإثراء، فليرحم الله لزروال تواضعه وزهده وأصدق المشاركة لآله وذويه وكل من شاركه الموقف الصادق قولاً وعملاً، ولن نبخس يومًا كل من قدَّرَ كلمة الحق ولم يقصر يومًا بما لديه تجاه القادرين على المشاركة المسؤولة وإبداء الرأي الوطني الصحيح، وحسبُه أنه ترك الحكم وبقي داخل الجزائر مقيمًا في بيته يسير مترجِّلا كما رأيته في تسعينيات القرن الماضي وقد تبادل التحية مع الحضور من ذلك الجمع الذين جاءتْ بهم واحدة من اللقاءات العربية التي كثيرًا ما استضافتها الجزائر وضربت أروع الأمثال في تركها تدرس وتقرَّر ما تشاء دون أن تتخذ من الاستضافة سبيلاً للتدخل وإملاء الأجندة الخاصة.



