على الطريق

قصة‭ ‬طابور

منار‭ ‬الطاهر

من‭ ‬أمام‭ ‬أحد‭ ‬مصارف‭ ‬عاصمتنا‭ ‬المكلومة،‭ ‬كنتُ‭ ‬شاردة‭ ‬خلف‭ ‬النافذة،‭ ‬والسيارة‭ ‬تمضي‭ ‬بوتيرةٍ‭ ‬متأنية،‭ ‬كأنها‭ ‬تماطل‭ ‬الزمن‭ ‬نفسه‭. ‬عندها‭ ‬أتيحتْ‭ ‬ليَّ‭ ‬فرصةٌ‭ ‬لاستراق‭ ‬النظر‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬حولي‭ ‬فإذا‭ ‬بطابورٍ‭ ‬طويلٍ‭ ‬يتمدّد‭ ‬إلى‭ ‬شباك‭ ‬المصرف،‭ ‬يتجلى‭ ‬عجز‭ ‬السيولة‭ ‬النقدية‭ ‬عن‭ ‬استيعابه،‭ ‬فتتضخّم‭ ‬مطالب‭ ‬النَّاس‭ ‬حتى‭ ‬تلتهم‭ ‬كل‭ ‬رصيد‭ ‬عند‭ ‬نهاية‭ ‬الطابور،‭ ‬بدا‭ ‬ليَّ‭ ‬عجوزٌ‭ ‬أثقل‭ ‬الزمانُ‭ ‬خُطاه؛‭ ‬ظهره‭ ‬منحنٍ‭ ‬كقوسٍ‭ ‬مثقل‭ ‬بسنين‭ ‬الحياة،‭ ‬وثيابه‭ ‬البالية‭ ‬تتدلى‭ ‬من‭ ‬جسده‭ ‬وكأنها‭ ‬تروي‭ ‬حكايات‭ ‬الفقر،‭ ‬وحذاؤه‭ ‬الممزق‭ ‬يكاد‭ ‬يختبئ‭ ‬تحت‭ ‬قدميه‭. ‬يجرّ‭ ‬أرجله‭ ‬بخطواتٍ‭ ‬متثاقلة،‭ ‬لتبدو‭ ‬هيئته‭ ‬شاهدة‭ ‬على‭ ‬طول‭ ‬العمر،‭ ‬ومرارته،‭ ‬وكل‭ ‬حركة‭ ‬منه‭ ‬تنطق‭ ‬بصبرٍ‭ ‬طويلٍ‭ ‬وصمتٍ‭ ‬ممتدٍّ‭ ‬بين‭ ‬شدائد‭ ‬الأيام‭ ‬بيده‭ ‬اليمنى‭ ‬قنينةُ‭ ‬ماءِ‭ ‬‮«‬دجلة‮»‬،‭ ‬ممتلئة‭ ‬برشفتين،‭ ‬أو‭ ‬تكاد،‭ ‬تترنّح‭ ‬يمينًا‭ ‬وشمالًا‭ ‬مع‭ ‬كل‭ ‬خطوة،‭ ‬وباليسرى‭ ‬يتمسّك‭ ‬بعجوزه‭ ‬كما‭ ‬لو‭ ‬كانتْ‭ ‬حزمة‭ ‬من‭ ‬العُملة‭ ‬الصعبة،‭ ‬كنزٌ‭ ‬ثمينٌ‭ ‬لا‭ ‬يُفرَّط‭ ‬فيه،‭ ‬ويصعب‭ ‬عليه‭ ‬أن‭ ‬تفلت‭ ‬من‭ ‬قبضته‭. ‬يقتسمان‭ ‬الصمت‭ ‬كما‭ ‬يقتسمان‭ ‬العمر،‭ ‬ينتظران‭ ‬دورًا‭ ‬قد‭ ‬يأتي،‭ ‬أو‭ ‬لا‭ ‬يأتي،‭ ‬بلا‭ ‬شكوى‭ ‬ولا‭ ‬سؤال؛‭ ‬كأن‭ ‬ما‭ ‬تبقّى‭ ‬لهما‭ ‬من‭ ‬الحياة‭ ‬اختُصر‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬الوقفة‭ ‬الطويلة،‭ ‬حيث‭ ‬لا‭ ‬يُطلب‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬حقٍ‭ ‬بسيط،‭ ‬ولا‭ ‬يُنتظر‭ ‬أقل‭ ‬من‭ ‬كرامةٍ‭ ‬أنهكها‭ ‬الانتظار‭. ‬ليكتمل‭ ‬المشهد‭ ‬بصورةٍ‭ ‬من‭ ‬الحب‭ ‬الذي‭ ‬نقشته‭ ‬السنوات‭ ‬على‭ ‬وجهيهما،‭ ‬فتتحول‭ ‬كل‭ ‬خطوة‭ ‬إلى‭ ‬ملحمة‭ ‬عن‭ ‬الصبر‭ ‬والوفاء‭ ‬الذي‭ ‬جمعهما‭ ‬معًا‭ ‬ترتدي‭ ‬عجوزه‭ ‬فرّاشيةٌ‭ ‬باهتة،‭ ‬متهالكة،‭ ‬كأنها‭ ‬نُسجت‭ ‬بأيادٍ‭ ‬جنفاء،‭ ‬ويبدو‭ ‬عليها‭ ‬أثر‭ ‬العوز‭ ‬الذي‭ ‬يلاحقها‭ ‬منذ‭ ‬سنين،‭ ‬تمشي‭ ‬بخطواتٍ‭ ‬عرجاءَ‭ ‬متلكّئة،‭ ‬كأنها‭ ‬تساير‭ ‬بطءَ‭ ‬الطابور‭ ‬في‭ ‬آخره،‭ ‬وتُساق‭ ‬إلى‭ ‬الذلّ‭ ‬طويلًا‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تنال‭ ‬حقّها؛‭ ‬فالحقّ‭ ‬هنا‭ ‬لا‭ ‬يُؤخذ‭ ‬إلا‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬يُكسر‭ ‬صاحبه،‭ ‬ولا‭ ‬يُعترف‭ ‬بالإنسان‭ ‬إلا‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬يُسحق‭. ‬هنا،‭ ‬لا‭ ‬يمرّ‭ ‬أحدٌ‭ ‬إلا‭ ‬وقد‭ ‬دفع‭ ‬من‭ ‬إنسانيته‭ ‬ثمن‭ ‬العبور‭. ‬فجأةً،‭ ‬أسرعت‭ ‬السيارة‭ ‬ثم‭ ‬توقفت‭ ‬أمام‭ ‬أحد‭ ‬المحال‭ ‬الغذائية‭ ‬الكبيرة،‭ ‬وكأنها‭ ‬أرادت‭ ‬أن‭ ‬أعيش‭ ‬المشهد‭ ‬من‭ ‬جديد،‭ ‬بكلّ‭ ‬إحساسه‭ ‬وصخبه،‭ ‬بينما‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬صورة‭ ‬العجوزين‭ ‬تتردّد‭ ‬في‭ ‬ذهني‭. ‬يا‭ ‬ترى،‭ ‬هل‭ ‬سيبلغان‭ ‬دورهما‭ ‬للسحب؟‭ ‬هل‭ ‬تكفيهما‭ ‬تسعمائة‭ ‬دينار‭ ‬التقاعد‭ ‬لتأمين‭ ‬لقمة‭ ‬عيشهما،‭ ‬ورشفتا‭ ‬دجلة؟‭ ‬هل‭ ‬تكفيهما‭ ‬سويًّا‭ ‬ويرتويان‭ ‬بعد‭ ‬ظمٍ‭ ‬امتدّ‭ ‬سنينًا؟‭ ‬يقطع‭ ‬شرودي‭ ‬رجلٌ‭ ‬خمسيني‭ ‬الطريق‭ ‬من‭ ‬أمامي،‭ ‬يرافقه‭ ‬ابنه‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬يتجاوز‭ ‬العشر‭ ‬سنوات،‭ ‬يخطوان‭ ‬بخطواتٍ‭ ‬متسارعة،‭ ‬بينما‭ ‬تتزاحم‭ ‬الأقدام‭ ‬وتتصادم‭ ‬الأجساد‭ ‬في‭ ‬سباقٍ‭ ‬صاخبٍ‭ ‬نحو‭ ‬ذلك‭ ‬المحل،‭ ‬حيث‭ ‬تتلألأ‭ ‬لافتة‭ ‬التخفيضات،‭ ‬فتتوهج‭ ‬الرغبات‭ ‬وتستيقظ‭ ‬الحماسة‭ ‬بين‭ ‬المتسابقين،‭ ‬وكلٌّ‭ ‬يسعى‭ ‬لأن‭ ‬يكون‭ ‬أول‭ ‬من‭ ‬يلتقط‭ ‬ما‭ ‬يثير‭ ‬شغفه‭ ‬وسط‭ ‬ضجيج‭ ‬المكان‭ ‬المتصاعد‭. ‬الآن،‭ ‬أسأل‭ ‬نفسي‭: ‬ما‭ ‬المنتج‭ ‬المخفّض‭ ‬الذي‭ ‬جذب‭ ‬هذا‭ ‬الكم‭ ‬الهائل‭ ‬من‭ ‬الناس،‭ ‬حتى‭ ‬اصطفُّوا‭ ‬لأجله‭ ‬في‭ ‬طوابيرٍ‭ ‬لا‭ ‬تنتهي؟‭ ‬وكأنني‭ ‬كلما‭ ‬نجوت‭ ‬من‭ ‬طابورٍ،‭ ‬أجد‭ ‬آخر‭ ‬يواجهني‭ ‬أمامي،‭ ‬يطاردني‭ ‬بلا‭ ‬هوادة؟‭ ‬هل‭ ‬هو‭ ‬الزيت‭ ‬أم‭ ‬السكر‭ ‬أم‭ ‬المواد‭ ‬الأساسية‭ ‬التي‭ ‬يندر‭ ‬وجودها؟‭ ‬أم‭ ‬مجرد‭ ‬اندفاعٍ‭ ‬جماعي‭ ‬لا‭ ‬شعوري‭ ‬يقوده‭ ‬شغف‭ ‬البشر‭ ‬بالاقتناء‭ ‬قبل‭ ‬الآخرين،‭ ‬أم‭ ‬الحاجة‭ ‬الماسّة‭ ‬التي‭ ‬دفعت‭ ‬الناس‭ ‬إلى‭ ‬ركضٍ‭ ‬يائس‭ ‬وراء‭ ‬السلع‭ ‬الرخيصة‭ ‬كما‭ ‬لو‭ ‬كانت‭ ‬آخر‭ ‬ما‭ ‬يبقيهم‭ ‬على‭ ‬قيد‭ ‬الحياة؟‭ ‬الأصوات‭ ‬تتصاعد،‭ ‬والأقدام‭ ‬تتدافع،‭ ‬والضجيج‭ ‬يزمجر‭ ‬كوحشٍ‭ ‬جائع،‭ ‬والهواء‭ ‬يثقل‭ ‬بالصرخات‭ ‬والهمسات،‭ ‬وعربات‭ ‬التسوق‭ ‬تصرّ‭ ‬وتتصادم،‭ ‬والأرض‭ ‬ترتجف‭ ‬تحت‭ ‬وطأة‭ ‬الزحام؛‭ ‬موجةٌ‭ ‬من‭ ‬فوضى‭ ‬منظمة‭ ‬تجتاح‭ ‬المكان،‭ ‬كلٌّ‭ ‬يندفع‭ ‬ليكون‭ ‬أول‭ ‬من‭ ‬يلتقط‭ ‬العرض‭ ‬المُخفّض،‭ ‬كأن‭ ‬المكان‭ ‬حلبة‭ ‬صراع‭ ‬بلا‭ ‬رحمة،‭ ‬لا‭ ‬مجال‭ ‬فيها‭ ‬للصبر‭ ‬أو‭ ‬التردد،‭ ‬ولا‭ ‬من‭ ‬يرحم‭ ‬أحدًا‭. ‬فيخرج‭ ‬الرجل‭ ‬الخمسيني‭ ‬من‭ ‬المحل‭ ‬رفقة‭ ‬ابنه‭ ‬أمامي،‭ ‬يحملان‭ ‬في‭ ‬يديهما‭ ‬أربع‭ ‬علب‭ ‬من‭ ‬‮«‬زيت‭ ‬دوار‭ ‬الشمس‮»‬،‭ ‬وقد‭ ‬بدا‭ ‬عليهما‭ ‬التعب‭ ‬والراحة‭ ‬معًا،‭ ‬كأنهما‭ ‬خرجا‭ ‬من‭ ‬معركةٍ‭ ‬ضارية‭ ‬مع‭ ‬الزحام،‭ ‬ليحصلا‭ ‬على‭ ‬نصيبهما‭ ‬من‭ ‬الأمان‭ ‬المؤقت‭ ‬والرزق‭ ‬الذي‭ ‬طال‭ ‬انتظاره‭. ‬هنا،‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬البلاد،‭ ‬لا‭ ‬تحتاج‭ ‬المذلّة‭ ‬إلى‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬‮«‬دينارٍ‭ ‬واحدٍ‮»‬‭ ‬فارقٍ‭ ‬في‭ ‬السعر،‭ ‬ليُجمع‭ ‬النَّاس‭ ‬في‭ ‬طوابير‭ ‬طويلة،‭ ‬بين‭ ‬وجوهٍ‭ ‬منهكة‭ ‬وأعمارٍ‭ ‬مختلفة‭ ‬جمعتها‭ ‬الحاجة؛‭ ‬فحتى‭ ‬الأطفال‭ ‬لم‭ ‬ينجو‭ ‬من‭ ‬طوابير‭ ‬الهوان،‭ ‬ولم‭ ‬تُستثنَ‭ ‬براءتهم‭ ‬من‭ ‬حسابات‭ ‬اللقمة‭. ‬وهكذا،‭ ‬لا‭ ‬يعود‭ ‬الطابور‭ ‬مجرد‭ ‬انتظارٍ‭ ‬عابر،‭ ‬بل‭ ‬مرآةً‭ ‬لبلدٍ‭ ‬يتعلّم‭ ‬فيه‭ ‬النَّاسُ‭ ‬الصبر‭ ‬قسرًا،‭ ‬ويقف‭ ‬فيه‭ ‬الأطفال‭ ‬طويلًا‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يعرفوا‭ ‬لماذا‭. ‬

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى