كهف «هوا فطيح».. مائــة ألف عام من ذاكرة البشرية تنتظر اعتـــراف العالم
مفتاح ميلود

الحدائق تسهم في تعزيز للصحة النفسية وتنقية الهواء وتقليل التلوث.
لذلك يستوجب على المجتمع المحافظة عليها والاهتمام بها وصيانتها بشكل مستمر لضمان استدامتها .
فالعناية بالحدائق ليستْ رفاهيةً بل استثمارًا حقيقيًا في صحة الإنسان وبيئته ومستقبل مدنه.
في رحابِ الجبل الأخضر شرق مدينة سوسة، يقبع «كهف هوا فطيح» كأحد أهم هذه المواقع المرشحة، يرافقه في القائمة التمهيدية مدينتا «طلميثة، وقرزة» الأثريتان الدخول إلى قائمة «اليونسكو» يتجاوز فكرة التكريم الرمزي، فهو يوفرُ درعًا قانونيًا دوليًا، ويفتح أبواب الدعم الفني لترميم وصيانة الآثار، ويخلق هويةً سياحية تعزَّز الاقتصاد المحلي، وترسخ فخر الأجيال بتاريخها.
أرشيف حجري يوثق رحلة الإنسان
يمثل «هوا فطيح» حالةً فريدة في علم الآثار. نحن أمام تجويف صخري هائل يبلغ قطره خمسين مترًا، استطاع بفضل هندسته الطبيعية احتضان عائلات بشرية متعاقبة لأكثر من 100 ألف عام دون انقطاع.
هذا العمق الزمني يجعله أطول تسلسل استيطاني معروف في شمال أفريقيا.
في عام 1952 التقط العالم «تشارلز ماكبيرني» من بين طبقات هذا الكهف بقايا فك بشري يعود لعصور سحيقة. غيّر هذا الاكتشاف خريطة الأنثروبولوجيا، جاعلاً من الكهف نقطة ارتكاز حاسمة لفهم مسارات هجرة الإنسان العاقل من عمق القارة الأفريقية نحو أوروبا، وآسيا.
ينبض الموقع بتفاصيل دقيقة تروي قصة الأرض والبيئة، فقد منحت بقايا النباتات والعظام والأدوات الحجرية المكتشفة -التي تعود لحضارات موغلة في القدم كـ)الموستيرية والعاترية(- سجلاً مناخياً يوضح كيف تدرجتْ الصحراء من غابات غنية بالأنهار إلى الامتداد الجاف الذي نعرفه اليوم، وكيف تطور العقل البشري في صناعة أدوات صيده، وتأمين بقائه.
الطريق الشاق نحو الخارطة العالمية
الترشح لـ«ليونسكو» مسار تحفه تعقيدات إدارية، وعلمية بالغة الدقة. تقيّم المنظمة الدولية المواقع بناءً على معايير صارمة، تشمل القيمة العالمية الاستثنائية، توفر شرطي «الأصالة والسلامة»، ووجود نظام حماية قانوني فاعل تسانده خطة إدارة متكاملة ومنطقة عازلة تمنع الزحف العمراني.
منذ عام 2020، استقر «هوا فطيح» في القائمة التمهيدية الوطنية. واجهتْ خطوة الانتقال للقائمة الدائمة عقبات متعدَّدة، يتصدرها الوضع الأمني العام الذي دفع «اليونسكو» لإعطاء الأولوية لحماية المواقع المسجلة مسبقًا.
غياب الاستقرار الإداري، ونقص التمويل الكافي، أبطأ عملية إعداد «ملف الترشيح» المعقد الذي يحتاج لفرق متخصَّصة قادرة على توثيق الموقع وتحديد مناطقه العازلة.
تحديات التنقيب
في بطن الجبل
ميدانيًا، تتضاعف الصعوبات أمام الفرق الأثرية. وصل الحفر داخل الكهف إلى عمق يتجاوز 14 مترًا، وهي مسافة تتطلب دعامات هندسية متطورة لحماية المنقبين من الانهيارات الأرضية، تستريح في هذه الأعماق مكتشفات عضوية هشة للغاية كحبوبِ اللقاح، والعظام الدقيقة، بمجرد ملامستها للهواء بعد آلاف السنين من الرطوبة، تتفتَّت سريعًا، ما يستوجب معالجات كيميائية فورية يفتقر الموقع لمختبراتها المجهزة.
التسلسل الزمني المتداخل بفعل السكن المتواصل للكهف يجعل من تحديد الفترات التاريخية بدقة عملية شاقة، وقد فاقم النبش العشوائي للباحثين عن الكنوز الوهمية من هذه الأزمة، مخلفًا تشويهًا لسياقات أثرية يستحيل تعويضها.
المتحف الميداني .. طوق النجاة
أمام هذه المعطيات، تبرز فكرة، أو بالأحرى تساؤل لما لا يتم تأسيس «متحف للموقع» كحل استراتيجي متكامل؟!، إقامة مركز زوار مزود بتقنيات العرض التفاعلي يحقَّق معادلة صعبة، فهو يتيح للجمهور، والرحلات التعليمية استكشاف هذا التاريخ الممتد دون المساس بالطبقات الأثرية الحساسة داخل الكهف. يمكن لهذا المشروع أن يضم مختبرًا صغيرًا لحفظ العينات فور استخراجها، ما يقلَّل من نسب التلف، وتأسيس هذه البنية التحتية سيمنح ملف الترشيح الليبي في «اليونسكو» قوة إضافية، مقدمًا دليلاً ملموسًا على قدرة المؤسسات الوطنية على إدارة هذا الإرث البشري وحمايته، ليعود «هوا فطيح» مجدَّدًا إلى واجهة الاهتمام العالمي، شاهداً على أولى خطوات الإنسان نحو الحضارة.


