
ما يزال المنخرطون في الشأن العام عندنا من منطلق إدعاء العمل على تحقيق الأفضل، والحد من الأسوأ، لا يسأمون تكرار عديد المشاركات التي تظهرهم دوما متسربلين كل ما يشي بأنهم خير من يبعث على الأمل ويبشر بقرب الوصول إلى تحقيق إجدى أنواع العمل، وقد كان على رأس ما ارتفع الحديث عنه من محمود العمل موضوع المصالحة الوطنية، تلك المهمة التي أُنيطت مسؤولية تنشيط استحقاقها بمنصب استشاري رفيع أُلحِقَ مباشرة برئيس المجلس الرئاسي، فلاحَ من ذلك ما يفيد بأن المجلس المذكور لم يعد كما ذكر عند إعلان تأسيسه وطريقة تشكيله على المسؤولية المتساوية في ممارسة المسؤولية السيادية القائمة على الثلاثية الجغرافية التي رافقت قيام دولة الاستقلال، من دستور أكد الشراكة والتوازن واحتاط لكل ما من شأنه السماح بتغول أي سلطة بمن في ذلك سلطة الملك بما له من سابقة في التاريخ ورمزية روحانية، فاشتُرِطَ لنفاذ توقيعاته إرفاقها بتوقيع رئيس الوزراء والوزير المختص بأي شأن استوجب الأمر منه، حتى أن أول مجلس نيابي، قيل في حينه إنه جاء بانتخابات مطعون في شرعيتها، لم يتردد في المطالبة بأن يمارس الملك حقه الدستوري في طلب إعادة النظر في أي قرار من القرارات بخطاب موقع منه وليس من رئيس ديوانه خشية أن يخلط رئيس الديوان بين تعليمات الملك ورغبات رئيس الديوان الشخصية، إنها الواقعة التي أفادت بنوعية العقلية التي رافقت بناء دولة الاستقلال عندما فُهِمَ منها أن العبرة في صلاحية الحكم لا تُفهم من صفة الملكية أو الجمهورية، وإنما الدستور الذي لا يسمح لأحد بتخطي حدوده على حساب غيره أو أن يفتح فاه فيأكل أكثر مما ليس له، مما يعني أن المصالحة الوطنية التي يحتاج إليها أبناء الشعب اليوم، لا تأتي عن طريق مستشار يجيد الوعظ والإرشاد، وإنما تلك التي تبدأ بالتقشف في صرف المال العام تقديرا أو توزيعا وحذرا من المبالغة في الفوارق بين درجات المسؤولين، وحثّهم على التنافس في التواضع والإتثار والاكتفاء دائما بالضررى، وليس التلهف على الكمالي، أي أن البداية من المهم قبل الأهم، وأن الكبار وعلى رأسهم، من يتبنون المصالحة الوطنيىة أكثر من سواهم في حاجة إلى القبول بالقليل والحرص على البقاء بالداخل وليس التهافت على السفر للخارج ولو كان المبرر لهذا السفر حُجة الحرص على عدم ترك المقعد الليبي شاغرا لعدم حضور المكلف بشغل هذا المقعد، فكلما كان الدافع إلى الغياب ناجما عن الحرص على إنفاق المال داخل الحدود ولحاجات المواطن الذي لم يعرف طوال الخمسة عشرة سنة الماضية مثل هذا الانحدار المريع للقدرة الشرائية للدينار الليبي وللأغلبية الساحقة من الشعب، والسعادة الدائمة للكبار من مدنيين وعسكريين والذين يمكن الوقوف على أحوالهم في طرابلس المكتظة بما لا يقل عن نصف السكان إن لم يكن يزيد، وما من سبيل إلى تصالحهم دون أمنهم وسد احتياجاتهم امتثالا لتوجيه بارئهم والذي أنذرهم بعدم تغيير سيئٍ بهم «حَتّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ» اقتداء بأصدق ما أُمروا به، وبُشروا بعواقبه.

