
منذ بزوغ فجر الإسلام، كان ديننا يحفزنا ويحثنا على المعرفة والعلم، ولعل أول ما يخطر ببال المسلم شرط الرسول صلى الله عليه وسلم لتحرير أسرى غزوة بدر؛ حيث اشترط لتحرير الأسير العارف بالقراءة والكتابة؛ أن يُعلم عشرة من المسلمين، كما أنه أمر السيدة «الشفاء» بتعليم زوجته «حفصة» بنت عمر بن الخطاب.
في بداية الأمر كانتْ أدوات الكتابة ضنينة ونادرة، ولهذا فحتى كتابة القرآن الكريم كانتْ على مواد مختلفة مثل: العظام والأقتاب «عظم كتف البعي»، والعُسُب «الجريد» الكرانيف «جمع كرناف»، والجلود، واللِخاف «حجارة ملساء»؛ أي كل ما يمكن الكتابة عليه.
استمر الأمرُ كذلك، حتى فتح مصر بقيادة عمرو بن العاص 19هـ- 22هـ 640م_642م؛ وهنا اكتشفتْ مادة أخرى للكتابة عليها وهي ورق «البَردي» المعروفة بالقراطيس، وهو ورق يصنع من نبات البَردي الذي ينمو على ضفاف الأنهار.
فتطور الأمر واستخدم البردي إلى جانب الجلد، والرَّق، واندثرتْ خلافها.
استمر استخدام الجلود، والرقوق والقراطيس- وهي مواد مكلفة- حتى القرن الثاني الهجري، وتحديدًا بعد معركة نهر طلاس عام 133هـ 751م، التي اهتدى فيها العرب إلى الورق بسبب أسرى صينيين يتقنون صناعته، فتم فتح مصنع للورق في سمرقند، ثم مصنع في بغداد.
وهذا الأمر أدى إلى توفر مادة سهلة وغزيرة تستخدم في الكتابة؛ دخل المسلمون والعرب بها مرحلة مهمة جدًّا، شهدتْ نهضة كبيرة في التأليف والنسخ، وخاصة نسخ القرآن الكريم؛ تليها الكتب المعرفية في شتى العلوم والمعرفة. ولعل من المفارقات أن تعرف أوروبا الورق واستخدمه بعد نحو خمسة قرون من استخدام وتصنيع العرب له؛ حيث كانت أوروبا تعتمد على ورق البَردي الذي تستورده من مصر.
ورغم تطور صناعة الورق ليكون في متناول طالب العلم، والكاتب وغيرهما؛ ما زال الورق المصنوع طبيعيًّا يعد الأجمل والأرقى والأثمن؛ خاصة بما يمتاز من خصائص تطيل عمره؛ ويشهد على هذا المخطوطات العربية والإسلامية البديعة الموجودة حتى اليوم وإلى ما شاء الله.



