
يحفل الطقس الرمضاني إضافة لروحانيات الصوم تجليات ذكر الله بالتسابيح والدعاء، ذكر آيات الله في مراكز تحفيظ القرآن، وهي مداومة يومية لاتتوقف على زمنية هذا الشهر إلا أن تجليات رمضان لها وقعها ونفحاتها الإيمانية. ومدارسة نفسية في تقوية الصلة بين الإنسان وخالقه المحمولة على التدبر والتفكر في ملكوت الله وسر الوجود، وبذا كان لنا الاقتراب من أثر هذه الخصوصية في لقاءات مع أساتذة التحفيظ والطلاب وأولياء الأمور وانطباعاتهم.
من خلال زيارة مساجد «السلف الصالح بباب العزيزية، مصعب بن عمير بسوق الثلاثاء، الجنزوري الكائن بالمنصورة، أبو منجل بشارع المسيرة الكبرى».
لوح.. قلم.. دواية
مشهد ايماني.. روحاني.. في مراكز تحفيظ القران الكريم المعروفة بـ
)الكتاتيب(.. ألواح خشبية.. أقلام تقليدية.. حبر ممزوج بصوف الغنم يحفظ بـ )الدواية(.. صبية قلوبهم بيضاء.. تمسك بأناملها أقلام من القصب.. تغمس طرفه في حبر .. لتخط برفق أول رسم لأول حرف من آيات الذكر الحكيم.. تبدأ حياتهم القرآنية.. بسماع الآية من شيخ )الحلقة(.. ثم تكتب على اللوح.. ليعود الشيخ ويصحح الرسم القرآني.. لضبط الأحكام.
لا تنتهي المهمة.. بل يقرأ الطالب ما كتبه على شيخه ليصحح له النطق. ثم ينزوي ليثبت حفظه في زاوية ما من المسجد.
بينما في زاوية أخرى.. اثنان يتسابقان في الحفظ.. وبين حين وآخر يسمع أحدهم كلمة تشجيع من شيخه )أحسنت.. ثبتك الله(.
عند انتهاء حلقة التحفيظ والتثبيت.. لا يكون المكان كما كان.. كأن الآيات ترافق الصبية.. إلى بيوتهم.. ألعابهم.. مدارسهم.
هكذا هي أجواء كتاتيب تحفيظ القرآن العظيم.. سكينة وصبر.. إصرار ورغبة.. من قلوب صغيرة.. تكبر على نور الله سبحانه.. اصطفاهم لحمل كتابه المبين وحفظه عن ظهر قلب.
القبلاوي
النقش على الحجر
يقول الشيخ/علي دياب/سكان حي المنصورة طرابلس المركز«لا شك بل يقينا أن القرآن الكريم له منفعة عظيمة وكبيرة في الصغر وعند الكبر فهو يهذب النفس ويروضها لما هو خير وفلاح للبيئة المحيطة بالطالب المتعلم لحفظ كتاب الله سواء في المدرسة أوالشارع اوالبيت .
أخبرتنا السنة النبوية أحاديث كثيرة عن أهمية القرآن وحفظه عن النبي عليه الصلاة والسلام قال:«خيركم من تعلم القران وعلمه» وقيل في الحكم «إن العلم في الصغر كالنقش على الحجر» .
حجر الأساس
يلاحظ كمال يوسف من سكان وسط المدينة وهو ولي أمر أحد الطلاب أن الكتاتيب غالبا ما يكون نشاطها مميزا خلال شهر رمضان مع التأكيد على التغيير في طريقة التحفيظ وتطور التقنيات .
ويضيف :لا يتم حفظ الطالب من دون تشجيع الوالدين اللبنة الأولى التي يعتمد عليها كل حافظ لكتاب الله تعالى .
ضغوطات الحياة
يعلق عادل الرايس ولي أمر من سكان طريق السور بالقول :حرصت كوالد أن أشجع أبنائي لحفظ كتاب الله وتنسيبهم لأحد المساجد العامرة وتعليمهم على أيدي مشايخ يشهد لهم بالصلاح والسمعة الطيبة وتشجيع طلبتهم على المواصلة رغم ضغوطات الحياة والدراسة والسن العمرية.
رغم فارق السن
وعن ضغوطات الحياة وجد محمد عثمان نفسه رغم فارق السن في أحد مراكز التحفيظ وأضاف شارحا :أبنائي في مرحلة عمرية صعبة أحدثت ضغط نفسي وتربوي للأسرة، أضطررت لكي يستمروا في الحضور لحلقات التحفيظ أن أكون طالبا مثلهم أحفظ واراجع معهم .
وفيما يراها شعبان عبدالمولى نعمة من الله يؤكد عادل الواري أحد رواد مسجد الجنزوري أن حفظ، كتاب الله فرصة ثمينة للأطفال لحفظ لتحسين الخط والاملاء .كما يؤكدالشيخ المحفظ عبدالسميع سعيد ساسي بمنطقة طريق المطار أنه من فوائد القرآن وحفظه عن ظهر قلب إنارة للقلوب والثبات على الحق مؤكدا على حديثه بحديث أم المؤمنين السيدة عائشة رضي الله عنها/سألوها:<ما كان خلق النبي عليه الصلاة والسلام> قالت:<كان خلقه القران>لذلك القرآن يعلمنا حسن الخلق والتعامل مع الناس بالحسنى .
والمشاهدات التي نلاحظها أن طلبة القران الكريم هم أكثر تفوقا وأدبا وخلقا وسيرة في المؤسسات التعليمية .
ومن جانبه حدثنا الشيخ عبدالمؤمن العلوص عن بداياته مع حفظ القرآن قائلا : لم أجد صعوبة في حفظ كتاب الله فالأمر يعتمد على المثابرة والمداومة على القراءة والحفظ ما ينعكس إيجابيا في تحصيله التعليمي والنتيجة أن تعلمت القرآن في عمر الثانية عشر وختمته كاملا بفضل الله بعد خمسة سنوات بسبب ظروف توقف مركز التحفيظ ومرض الكورونا.
الأطفال والقرآن
من الشيوخ وأولياء الأمور اتجهنا للأطفال حيث قال لنا الزبير عبدالسلام ابو ستة في عمر أحد عشر عاما :التحقت بمركز تحفيظ القران وعمري سبعة اعوام .
بدأت الحفظ بالثمن من القرآن .وأكد على أن المسجد لم يؤثرفي مراجعة دروسه وكتابة واجباته المدرسية وختم معلقا «أبي وأمي ينسقان وقتي بين المسجد والمدرسة» .
وفيما اقتربت من الطفل محمد خيري عبدالحفيظ ذو العشر سنوات أجابني في حماس : أحفظ الآن سورة <الحاقة> من جزء<تبارك>والحمد لله الصيام لم يرهقني وتعلمت منه الصبر والطاعة لامر الله .
وربما وجدنا إجابة لتحفز ورغبة المداومة عند الأطفال في تأكيد الشيخ عمر محمود الروقي على ضرورة حرصهم على تحفيظ الطلبة صغار السن قصار السور لتحفيزهم على المداومة لأن هذا العمر يحتاج الى التروي والتغافل عن بعص الأمور الصبيانية .
وبعفويته همس الي الطفل خالد بشير البالغ من العمر سبعة أعوام هذه بدايتي في حلقات تحفيظ القران الكريم وأقرأ الآن سورة<التكاثر>وانا أحب الصيام وصمت يومين وعندما أكبر سوف أصومه كاملا. كما ذكر الطفل عبدالله حدود وعمره ثمانية أعوام جدوله الزمني معلقا :أقسم وقتي بين قراءة القران وحفظه والدراسة والواجبات وساعة واحدة للعب والتحضير لاي امتحان .
أما براء الحداد قال لنا بصراحة الأطفال :أصوم رمضان لساعات قليلة من النهار ثم أفطر وهو شهر انتظره كل عام.أ غلب وقتي في رمضان عند حلقات تحفيظ القران الكريم.
أصول الكتابة
ومن حديثنا معه وجه الطفل الياس عبدالباسط عبدالصمد من سكان شارع عمر المختارنصيحة لأقرانه :أنا احفظ في حزب سورة<الرحمن> وأشجع من في عمري على المجىء إلى مراكز تحفيظ القرآن الكريم فهي مهمة في حياتنا تساعدنا على نطق مخارج الحروف بطريقة سليمة مع الكتابة الصحيحة
والخط الواضح .
وتأكيد على استمراريته في الحفظ والتزامه المداومة أخبرنا الطفل براء حمدي ذو العشرة أعوام: أنا في سورة <الحديد> وأراجع في سورة<المنافقون>من جزء<قد سمع> وهذه فرصة كبيرة للمراجعة وتثبيت ما حفظته ومستمر في الحفظ والتسميع، وختم حديثه بالقول :بتشجيع من شيخي الذي يحثني دائما على المواظبة والحفظ أولا باول ..
وقد يترجم معنى المواظبة والحفظ التي تحدث عنها الطفل براء بما أنجزه الطفل ابراهيم عبدالوهاب القماطي في سن الخمسة عشر عاما بتعبيره :القرآن الكريم شيء عظيم دخلت العديدمن المسابقات في المساجد والأوقاف والمسابقات المدرسية وتحصلت على التراتيب الأولى .
الشيخ عبدالمعين العلوص أحد حفظة كتاب الله شيخ حلقة تحفيظ/عمره خمسة عشر عاما لخص لنا جانبا من رحلته المعرفية والإيمانية مع كتاب الله والتي تعبر عن مضمون جولتنا بقوله :انعكس حفظي للقرآن الكريم في حياتي وغير نمط سلوكي وأصبحت مسؤولا على تصرفاتي وقدوة للصغار وحتى الكبار وتعلمت الجدية والإتقان في العمل والصدق في القول وأنا بدوري إنصح دائما الطلبة التمسك بالقران فهو سبيل كل نجاح.



