
عندما تم بناء ورصف شارع الكورنيش وتسميته بشارع النصر Via Vittoria في عشرينات القرن الماضي تم تزيين مدخله بعمودين غرانيتية، الأول على اليمين ووضع فوقه تمثال لأسد مجنح، والعمود الثاني وضع فوقه Lupa capitolina تمثال الذئبة التي أرضعت مؤسس مدينة روما الايطالية Remus وشقيقه التؤام Romulus.
العمودين قديمين، ومن معالم المدينة، والمكان مقابل لفندق عمر الخيام الذي كان يملكه لاعب النادي الاهلي عبد المتعال شتوان «تعولة» وشقيقه محمد شتوان، وعمارة لنقي التي كانت تحتها محلات قريمية لتجارة الملابس والاحذية الإنكليزية والاوروبية، عند المدخل القديم لميناء بنغازي البحري، كانا أول معالم المدينة التي تقابل القادمين إلى مدينة بنغازي عن طريق ميناء بنغازي.
العمود الغرانيتي الأول على اليمين حمل تمثال لأسد مجنح من البرونز، رمزً مدينة Venezia وجمهورية البندقية سابقًا منذ العام 828م عندما تم نقل آثار القديس إلى البندقية، وموجود في علم المدينة، ويرمز أيضاً إلى الازدهار الاقتصادي الذي عاشته هذه المدينة عندما كانتْ عاصمة لجمهورية البندقية قبل اتحاد إيطاليا، وتنتشر مجسمات ورسومات الأسد المجنح في جميع أنحاء مدينة البندقية، ويرمز هذا الأسد المجنح كذلك إلى أسد مار مرقص، بتجسيد أسد بأجنحة يحمل إنجيلا، ويتواجد في أعلام إيطاليا البحرية، العسكرية منها والتجارية، أسد مار مرقص هو كذلك رمز جائزة مهرجان البندقية السينمائي، الأسد الذهبي.
هناك العديد من القصص المسلية المرتبطة بهذا الأسد، في وقت واحد، منها طرفة تقول أحب الأسد نابليون بونابرت، وأمر بإزالة رمز المدينة من قاعدة التمثال، أخذ نابليون تمثال الأسد معه إلى فرنسا، وعندما هُزم جيش نابليون، عاد رمز البندقية إلى مكانه الصحيح السابق.
وأسد القديس مرقص تحت الجرس هو واحد فقط من العشرات من هذه الأيقونة في البندقية، وسوف تشاهدها ليس فقط في البندقية، ولكن في أماكن أخرى كانت جزءًا من جمهورية البندقية، إذا كنت تقوم برحلة من مدينة البندقية، حتى بعيدًا حيث مدينة فيرونا، فسترى الأسد المجنح.
ومن المعروف أن مار مرقص اسم ليس غريباً علينا في ليبيا وخاصة لدى سكان منطقة الأثرون الواقعة شرق مدينة بنغازي بحوالي 265كم، هو يوحنا الملقب بــ مرقص، وأحد رجال ليبيا العظماء، حمل عدة القاب وأسماء، يوحنا أسم يعني «حنان» في اللغة الآرامية «لغة العرب القديمة»، ومرقص اسم روماني يعني «مطرقة»، ولقب بـــ «لباوس» الليبي و«الزيلوطي» سريع المشي. وُلد في القرن الأول الميلادي مع فترة ميلاد السيد المسيح عليه السلام في قرية ابرياتولس وهي قرية قريبة من مدينة قورينا Cyrene، نشأ وترعرع في ربوع الريف القوريني الجميل، وكان منذ صغره ذا علم وثقافة واسعة، هاجر مع والده أرسطو بولس وباقي أفراد عائلته مضطرين وهربًا من جور الرومان من ليبيا إلى فلسطين، بعد أن هاجمت بعض الجماعات الوثنية الرومانية أملاكهم، حيث طاب لهم المقام في مدينة القدس، وقت ظهور السيد المسيح عليه السلام، والدته تدعى مريم وهي امرأة تقية لها اعتبارها بين النصارى الأولين في مدينة القدس، نشأ مرقص في أسرة نصرانية متدينة كانت من أقدم الأسر إيمانًا بالنصرانية وخدمة لها، كانت والدته من النساء اللواتي خدمن السيد المسيح من أموالهن، كما كان لكثير من أفراد أسرته صلة بالسيد المسيح، وكان مرقص يمت بصلة القرابة لبطرس إذ كان والده ابن عم زوجة القديس بطرس، ويمت بصلة قرابة لبرنابا خاله، وأيضًا بتوما.
العمود الغرانيتي الثاني Lupa capitolina و Lupa هي الترجمة الإيطالية لأنثى الذئب، حمل تمثال من البرونز لذئبة المرضعة وهو رمزٌ لعاصمة الإمبراطورية الرومانية العظيمة كما كانت توصف، أما الاسم الحقيقي لمثل هذا التمثال فهو ذئبة Capitolina إشارة للمكان الذي تنسب له أسطورية هذا التمثال، وهذه الأسطورة ترجع إلى العام 750 قبل الميلاد حين رمى تيار النهر بطفلين توائم أنقذتهما ذئبة من الغرق في النهر واعتنت بهما، واحتضنتهم وأرضعتهم حتى اشتد عودهما وتمت تسميتهما بــ Remus و Romulus الأول هو مؤسس مدينة روما والذي قتل الثاني لينفرد بحكمها كأول ملك لهذه المدينة والعصمة الأبدية.
لقد نشأت روما بطريقة بسيطة جدا، لقد صنعها النهر الذي كان مصدرا مهما للمياه، والتلال التي جعلت منها منطقة رعوية جاذبة في الأصل، ثم نمت إلى قرية فمجموعة قرى، وتتابعت عليها الأزمان والدول لتصبح أعظم مدينة في العالم ذات يوم، وأول مدينة يصل سكانها إلى مليون نسمة، تحكم امبراطورية مترامية الأطراف في قارات مختلفة، لن يكون من الممتع أن تروى قصة تأسيس هذه المدينة العظيمة بهذا التبسيط المكرر، ثم ماذا سيضع نادي AS Roma على قميصه إذا حذفنا قصة Romulus وذئبة Capitolina؟، خصوصا أنه لا يملك لقبا واحدا في دوري الابطال ليزين به قمصانه.
أعجب Mussolini بتمثال ذئبة Capitolina فجعله أحد رموز إيطاليا في عهدها الفاشي، وأمر بصنع نسخ منها وقد نقلها إلى كثير من المدن التي كانت تقع تحت الاحتلال الإيطالي كرمزية للسيطرة الإيطالية وحلمه في إعادة الإمبراطورية، وقدمها كهدايا لبعض الدول، منها نسخة في وبنغازي، ونصبت السلطات الإيطالية الاستعمارية التمثال في وسط مدينة بنغازي الجديدة «المدينة الأوروبية» التي كانت تشيدها في ثلاثينيات القرن الماضي كنَّوع من تعزيز الصلة بين الحكم الروماني لليبيا قديماً، والحكم الاستعماري الإيطالي الحديث للبلاد، وكانتْ ليبيا مقاطعة رومانية.
وأراد الإيطاليون بهذا النصب القول بإنّ ليبيا مازالت تحت الأمبراطورية الرومانية، لكن وبعد حصول ليبيا على الاستقلال، أزالتْ السلطات تمثال «أنثى الذئب» عن دعامته، ثم اختفى التمثال بعد وصول معمر القذافي إلى السلطة في 1969م، في حقبة ثورية شهدت إخفاء آثار الحكم الاستعماري الأجنبي عن الأنظار، واختفت هذه التماثيل وهذا المعلم في ظروف غامضة في اوائل سبعينات القرن الماضي، بحجة إنها من معالم الاستعمار الايطالي، ولا أدري أين كانت نهايتها، وقال دكتور خالد الهدار الباحث الليبي في مجال الآثار المسروقة: إن مراقبة الآثار كانت ضعيفة في ليبيا، ولم تبدأ قبل 1974م، أي بعد اختفاء تمثال أنثى الذئب.
وتلقت السلطات الليبية بلاغاً بخصوص تمثال أنثى الذئب، وعثرت عليه في مزرعة قرب بنغازي يملكها شخص يدعى سعيد محمد بوربيدة، وقال للسلطات إنه اشترى التمثال من ساحة للخردة؛ لأنه أُعجب بشكلهً، وأضاف: أنا أعرف منذ كنت صغيراً أنه كان موجوداً مقابل الميناء، على عمود، لدي ورشة صهر معادن، ووجدت التمثال هذا في الخردة وصاحبه ليس متمسكاً به؛ لأنه كان يعدّ من المحرمات ومن التراث الاستعماري، وعندما شاهدته جذبني شكله وصناعته؛ فاشتريته منه، واحتفظت به، وهو تجسيد لـ ذئبة Capitolina التي تصور مشهداً أسطورياً من روما القديمة، ووضعته في مكان مفتوح أسفل شجرة وارفة بجوار شرفة المنزل، وفَقَدَ التمثال ساقيه الأماميتين، وكذلك تمثالا الطفلين.
والكثير من القطع الأثرية الليبية التي لا تقدر بثمن اختفت؛ إذ نهبها الأوروبيون في الحقب الاستعمارية أو تم الاستيلاء عليها بعد الاستقلال، أو تعرّضت للسرقة خلال الفوضى التي أعقبت انتفاضة 17 فبراير 2011م.
التمثال وصل إلى مراقبة الآثار في بنغازي مستنداً على كتل إسمنتية؛ في انتظاراً ترميم محتمل، ومكانه الصحيح اليوم هو المتاحف بعد العناية والترميم، لا الإهمال نظرا لأهميتها التاريخية، ولا الإعادة لمكانها كما ينادي البعض نظرا لرمزيتها السياسية لحقبة الاحتلال.



