هدرزة

من آروقة المحاكم .. رقمان لهوية واحدة .. الخطأ الإداري والجريمــــة

عبير المحجوب

داخل‭ ‬أروقة‭ ‬المحاكم‭ ‬كانت‭  ‬القاعة‭ ‬هادئة‭.‬

ملف‭ ‬متوسط‭ ‬الحجم‭ ‬فوق‭ ‬مكتب‭ ‬القاضي‭.‬

في‭ ‬ظاهره‭ ‬مسألة‭ ‬تقنية‭ ‬لكن‭ ‬في‭ ‬جوهره‭: ‬هوية‭ ‬مواطن‭.‬

عنوان‭ ‬الدعوى‭:‬‭ ‬طلب‭ ‬إلغاء‭ ‬رقم‭ ‬وطني‭ ‬مزدوج‭ ‬وتصحيح‭ ‬بيانات‭ ‬السجل‭ ‬المدني‭..‬لكن‭ ‬خلف‭ ‬الطلب‭ .. ‬ارتباك‭ ‬إداري،‭ ‬وشبهة‭ ‬استغلال‭. ‬بداية‭ ‬الملف‭.. ‬المواطن‭ ‬اكتشف‭ ‬المشكلة‭ ‬مصادفة‭.‬

عند‭ ‬تقدمه‭ ‬لإتمام‭ ‬معاملة‭ ‬مصرفية،‭ ‬ظهر‭ ‬في‭ ‬المنظومة‭ ‬أن‭ ‬له‭ ‬رقمين‭ ‬وطنيين‭ ‬مختلفين،‭ ‬بنفس‭ ‬الاسم،‭ ‬وتاريخي‭ ‬ميلاد‭ ‬متقاربين‭..‬التحقيق‭ ‬الإداري‭ ‬كشف‭: ‬وجود‭ ‬قيدين‭ ‬في‭ ‬منظومة‭ ‬الأحوال‭ ‬المدنية‭.‬

أحدهما‭ ‬مرتبط‭ ‬بسجل‭ ‬قديم‭ ‬تم‭ ‬إدخاله‭ ‬يدويًا‭ ‬قبل‭ ‬الأرشفة‭ ‬الرقمية‭.. ‬الآخر‭ ‬مسجل‭ ‬لاحقًا‭ ‬عند‭ ‬تحديث‭ ‬البيانات‭.. ‬في‭ ‬البداية،‭ ‬بدأ‭ ‬الأمر‭ ‬خطأً‭ ‬إداريًا‭ ‬تقنيًا‭.‬

لكن‭ ‬المفاجأة‭ ‬كانت‭ ‬أن‭ ‬أحد‭ ‬الرقمين‭ ‬استُخدم‭ ‬في‭ ‬معاملات‭ ‬مالية‭ ‬منفصلة‭ .. ‬هنا‭ ‬تغيّر‭ ‬توصيف‭ ‬المسألة‭  ‬من‭ ‬الناحية‭ ‬القانونية‭ ‬الرقم‭ ‬الوطني‭ ‬في‭ ‬ليبيا‭ ‬ليس‭ ‬مجرد‭ ‬رقم‭ ‬تسلسلي‭.. ‬بل‭ ‬هو‭ ‬أساس‭  السجل‭ ‬المدني‭.‬

استخراج‭ ‬الجواز‭.‬

المعاملات‭ ‬المصرفية‭.‬

الاستحقاقات‭ ‬المالية‭.‬

الملكيات‭.‬

ازدواج‭ ‬الرقم‭ ‬الوطني‭ ‬قد‭ ‬يُصنف‭ ‬في‭ ‬حالتين‭ ‬خطأ‭ ‬إداري‭ ‬غير‭ ‬مقصود‭ ‬ينتج‭ ‬عن‭ ‬ضعف‭ ‬التنسيق‭ ‬بين‭ ‬المنظومات‭ ‬القديمة‭ ‬والحديثة‭. ‬أخطاء‭ ‬إدخال‭ ‬بيانات‭. ‬تسجيل‭ ‬مكرر‭ ‬نتيجة‭ ‬تشابه‭ ‬الأسماء‭.‬

وفي‭ ‬هذه‭ ‬الحالة‭: ‬يتم‭ ‬تصحيح‭ ‬الوضع‭ ‬إداريًا‭ ‬بعد‭ ‬تحقيق‭ ‬داخلي‭. ‬وتعمد‭ ‬استعمال‭ ‬رقم‭ ‬مزدوج‭ ‬إذا‭ ‬ثبت‭ ‬استخدام‭ ‬أحد‭ ‬الرقمين‭ ‬للاستفادة‭ ‬غير‭ ‬المشروعة،‭ ‬أو‭ ‬التهرب‭ ‬من‭ ‬التزامات‭ ‬قد‭ ‬يدخل‭ ‬الأمر‭ ‬في‭ ‬نطاق‭: ‬التزوير‭ ‬في‭ ‬محررات‭ ‬رسمية‭. ‬استعمال‭ ‬بيانات‭ ‬غير‭ ‬صحيحة‭. ‬التحايل‭ ‬الإداري‭. ‬وهي‭ ‬جرائم‭ ‬يعاقب‭ ‬عليها‭ ‬القانون‭ ‬الليبي‭ ‬داخل‭ ‬الجلسة‭..‬ماذا‭ ‬رصدت‭ ‬الصحيفة‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬الحدث‭  ‬القاضي‭ ‬ركّز‭ ‬على‭ ‬نقطة‭ ‬جوهرية‭  هل‭ ‬كان‭ ‬المواطن‭ ‬يعلم‭ ‬بوجود‭ ‬الرقمين؟،‭ ‬وهل‭ ‬استُخدم‭ ‬أحدهما‭ ‬بقصد‭ ‬التحايل؟

النيابة‭ ‬عرضت‭ ‬تقريرًا‭ ‬فنيًا‭ ‬من‭ ‬إدارة‭ ‬السجل‭ ‬المدني‭.‬

المحامي‭ ‬تمسك‭ ‬بأن‭ ‬موكله‭ ‬ضحية‭ ‬خلل‭ ‬إداري‭ ‬قديم‭. ‬القضية‭ ‬لم‭ ‬تُحسم‭ ‬بالعاطفة‭  ‬بل‭ ‬بتتبع‭ ‬تاريخ‭ ‬القيد‭ ‬الأول‮…‬‭ ‬ومراجعة‭ ‬حركة‭ ‬الاستخدام‭ ‬لكل‭ ‬رقم‭ ‬اما‭ ‬البعد‭ ‬الاجتماعي‮…‬‭ ‬الأخطر‭ ‬من‭ ‬الحكم‭ ‬ازدواج‭ ‬الرقم‭ ‬الوطني‭ ‬لا‭ ‬يخلق‭ ‬أزمة‭ ‬ورقية‭ ‬فقط‭. ‬بل‭ ‬قد‭ ‬يؤدي‭ ‬إلى‭ ‬حرمان‭ ‬من‭ ‬مستحقات‭ ‬مالية‭. ‬تعطيل‭ ‬سفر‭. ‬تجميد‭ ‬حسابات‭ ‬مصرفية‭. ‬نزاعات‭ ‬في‭ ‬الإرث‭ ‬لاحقًا‭. ‬تشكيك‭ ‬في‭ ‬الهوية‭ ‬القانونية‭ ‬أمام‭ ‬الجهات‭ ‬الرسمية‭ ‬وفي‭ ‬مجتمع‭ ‬يعتمد‭ ‬بشكل‭ ‬متزايد‭ ‬على‭ ‬الأنظمة‭ ‬الرقمية،‭ ‬أي‭ ‬خلل‭ ‬في‭ ‬الهوية‭ ‬يتحوَّل‭ ‬إلى‭ ‬قلق‭ ‬دائم‭ ‬لصاحبه‭.‬

‭ ‬لماذا‭ ‬تتكرر‭ ‬هذه‭ ‬الحالات؟

من‭ ‬خلال‭ ‬متابعة‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬الملفات‭ ‬المشابهة،‭ ‬يظهر‭ ‬أن‭ ‬الأسباب‭ ‬غالبًا‭  ‬انتقال‭ ‬ليبيا‭ ‬من‭ ‬النظام‭ ‬الورقي‭ ‬إلى‭ ‬الرقمي‭ ‬دون‭ ‬توحيد‭ ‬كامل‭ ‬للبيانات‭. ‬ضعف‭ ‬أرشفة‭ ‬في‭ ‬سنوات‭ ‬سابقة‭. ‬تشابه‭ ‬أسماء‭ ‬داخل‭ ‬نفس‭ ‬العائلة‭. ‬أو‭ ‬استغلال‭ ‬ثغرات‭ ‬قديمة‭ ‬قبل‭ ‬إحكام‭ ‬المنظومة‭. ‬لكن‭ ‬القضاء‭ ‬يفرّق‭ ‬دائمًا‭ ‬بين‭ ‬‮«‬الخطأ‮»‬‭ ‬و«القصد‮»‬‭.‬ومن‭ ‬زاوية‭ ‬أخلاقية‭ ‬الهوية‭ ‬ليست‭ ‬مجالًا‭ ‬للتجربة‭ ‬أو‭ ‬التحايل‭. ‬وأي‭ ‬استغلال‭ ‬لثغرة‭ ‬إدارية‭ ‬قد‭ ‬يتحول‭ ‬إلى‭ ‬مسؤولية‭ ‬قانونية‭ ‬كاملة‭. ‬كما‭ ‬أن‭ ‬تحميل‭ ‬الموظف‭ ‬وحده‭ ‬المسؤولية‭ ‬دون‭ ‬تحقيق‭ ‬عادل،‭ ‬قد‭ ‬يظلم‭ ‬طرفًا‭ ‬بريئًا‭.‬

الرقم‭ ‬الوطني‭ ‬ليس‭ ‬مجرد‭ ‬رقم‭. ‬هو‭ ‬حياة‭ ‬كاملة‭ ‬مربوطة‭ ‬بسلسلة‭ ‬بيانات‭ ‬وبين‭ ‬خلل‭ ‬إداري‭ ‬قديم‭ ‬وطموح‭ ‬غير‭ ‬مشروع‭ ‬يقف‭ ‬القضاء‭ ‬ليفصل‭:‬

هل‭ ‬نحن‭ ‬أمام‭ ‬خطأ‭ ‬يُصحَّح؟‭ ‬أم‭ ‬جريمة‭ ‬تُحاسَب؟‭ .‬

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى