
داخل أروقة المحاكم كانت القاعة هادئة.
ملف متوسط الحجم فوق مكتب القاضي.
في ظاهره مسألة تقنية لكن في جوهره: هوية مواطن.
عنوان الدعوى: طلب إلغاء رقم وطني مزدوج وتصحيح بيانات السجل المدني..لكن خلف الطلب .. ارتباك إداري، وشبهة استغلال. بداية الملف.. المواطن اكتشف المشكلة مصادفة.
عند تقدمه لإتمام معاملة مصرفية، ظهر في المنظومة أن له رقمين وطنيين مختلفين، بنفس الاسم، وتاريخي ميلاد متقاربين..التحقيق الإداري كشف: وجود قيدين في منظومة الأحوال المدنية.
أحدهما مرتبط بسجل قديم تم إدخاله يدويًا قبل الأرشفة الرقمية.. الآخر مسجل لاحقًا عند تحديث البيانات.. في البداية، بدأ الأمر خطأً إداريًا تقنيًا.
لكن المفاجأة كانت أن أحد الرقمين استُخدم في معاملات مالية منفصلة .. هنا تغيّر توصيف المسألة من الناحية القانونية الرقم الوطني في ليبيا ليس مجرد رقم تسلسلي.. بل هو أساس السجل المدني.
استخراج الجواز.
المعاملات المصرفية.
الاستحقاقات المالية.
الملكيات.
ازدواج الرقم الوطني قد يُصنف في حالتين خطأ إداري غير مقصود ينتج عن ضعف التنسيق بين المنظومات القديمة والحديثة. أخطاء إدخال بيانات. تسجيل مكرر نتيجة تشابه الأسماء.
وفي هذه الحالة: يتم تصحيح الوضع إداريًا بعد تحقيق داخلي. وتعمد استعمال رقم مزدوج إذا ثبت استخدام أحد الرقمين للاستفادة غير المشروعة، أو التهرب من التزامات قد يدخل الأمر في نطاق: التزوير في محررات رسمية. استعمال بيانات غير صحيحة. التحايل الإداري. وهي جرائم يعاقب عليها القانون الليبي داخل الجلسة..ماذا رصدت الصحيفة من هذا الحدث القاضي ركّز على نقطة جوهرية هل كان المواطن يعلم بوجود الرقمين؟، وهل استُخدم أحدهما بقصد التحايل؟
النيابة عرضت تقريرًا فنيًا من إدارة السجل المدني.
المحامي تمسك بأن موكله ضحية خلل إداري قديم. القضية لم تُحسم بالعاطفة بل بتتبع تاريخ القيد الأول… ومراجعة حركة الاستخدام لكل رقم اما البعد الاجتماعي… الأخطر من الحكم ازدواج الرقم الوطني لا يخلق أزمة ورقية فقط. بل قد يؤدي إلى حرمان من مستحقات مالية. تعطيل سفر. تجميد حسابات مصرفية. نزاعات في الإرث لاحقًا. تشكيك في الهوية القانونية أمام الجهات الرسمية وفي مجتمع يعتمد بشكل متزايد على الأنظمة الرقمية، أي خلل في الهوية يتحوَّل إلى قلق دائم لصاحبه.
لماذا تتكرر هذه الحالات؟
من خلال متابعة عدد من الملفات المشابهة، يظهر أن الأسباب غالبًا انتقال ليبيا من النظام الورقي إلى الرقمي دون توحيد كامل للبيانات. ضعف أرشفة في سنوات سابقة. تشابه أسماء داخل نفس العائلة. أو استغلال ثغرات قديمة قبل إحكام المنظومة. لكن القضاء يفرّق دائمًا بين «الخطأ» و«القصد».ومن زاوية أخلاقية الهوية ليست مجالًا للتجربة أو التحايل. وأي استغلال لثغرة إدارية قد يتحول إلى مسؤولية قانونية كاملة. كما أن تحميل الموظف وحده المسؤولية دون تحقيق عادل، قد يظلم طرفًا بريئًا.
الرقم الوطني ليس مجرد رقم. هو حياة كاملة مربوطة بسلسلة بيانات وبين خلل إداري قديم وطموح غير مشروع يقف القضاء ليفصل:
هل نحن أمام خطأ يُصحَّح؟ أم جريمة تُحاسَب؟ .

