
على امتداد ساحل يبلغ طوله قرابة 2000 كيلومتر، وبإمكانات بحرية ومناخية استثنائية، ظلت الثروة السمكية في ليبيا لسنوات طويلة قطاعًا تائهًا في ظل هيمنة النفط على شرايين الاقتصاد. ورغم المحاولات الخجولة التي بدأتْ منذ سبعينيات القرن الماضي لاستزراع الأسماك، إلا أن غياب الرؤية الموحدة والإرادة السياسية حال دون تحوَّل هذا القطاع إلى رافد اقتصادي حقيقي. اليوم ومع تزايد التحديات المتعلقة بالأمن الغذائي والتغير المناخي، يبرز «المشروع الوطني للزراعة المائية» كبوصلة جديدة تهدف إلى إعادة توجيه الدفة. في هذا الحوار نلتقي بالدكتورة مسعودة بوعروشة، مدير عام المشروع، لنغوص معها في تفاصيل هذه المبادرة الوطنية، حجم التحديات التي تواجههم، وآفاق تحويل «الثروة الزرقاء» إلى بديل استراتيجي ومستدام للاقتصاد الليبي.
دكتورة مسعودة أهلاً بكِ في بدايةً لو تضعيننا والقارئ في صورة السياق الذي وُلد فيه «المشروع الوطني للزراعة المائية»؟ ولماذا احتجنا إلى هذا الكيان تحديداً في هذا التوقيت؟
هلاً وسهلاً، وشكرًا لكم على هذا الاهتمام بقطاع يعد من القطاعات الواعدة في ليبيا.
فكرة الاستزراع السمكي في ليبيا ليستْ جديدة، بل تعود محاولاتها الأولى إلى سبعينيات القرن الماضي، وتحديدًا منذ عام 1977، ثم تطورتْ لاحقا عبر إنشاء عدد من المزارع والمواقع الحكومية التي كانت تُعد في وقتها مشاريع حديثة نسبيا سواء من حيث البنية، أو النظم المستخدمة مثل عين الغزالة، وعين كعام، وفروة، ورأس الهلال وغيرها من المواقع التي مثّلت بدايات مهمة لهذا القطاع في ليبيا.
مر القطاع على مدى عقود بحالة من عدم الاستقرار المؤسسي؛ حيث أُنشئتْ له كيانات وهيئات في فترات مختلفة، ثم تم حلّها أو دمجها أو نقل تبعيتها أكثر من مرة، وهو ما أثّر بشكل مباشر على استمرارية التخطيط، وتشغيل المشاريع، وتنمية هذا النشاط على أسس واضحة ومستدامة.
ومن هنا جاءتْ الحاجة إلى إنشاء المشروع الوطني للزراعة المائية بقرار رئاسة الوزراء رقم )497( لسنة 2021، ليكون مؤسسة متخصَّصة تتولى قيادة هذا القطاع بصورة أكثر وضوحًا، ضمن هيكلية وزارة الثروة البحرية، إلى جانب مؤسسات أخرى مختلفة عنها في الاختصاص، مثل الهيئة العامة للصيد البحري، ومركز بحوث الأحياء المائية.
وقد جاء تأسيس المشروع في توقيت مهم جدًا لأن ليبيا اليوم بحاجة حقيقية إلى تنويع اقتصادها، وتعزيز أمنها الغذائي، وتخفيف الضغط على المصايد الطبيعية، وخلق فرص عمل جديدة، وفتح المجال أمام استثمارات إنتاجية حديثة.
بعيدًا عن لغة الأرقام المعقدة، ما هي الإضافة الحقيقية التي يمكن أن يقدمها هذا القطاع للمواطن وللدولة؟
الأهمية تكمن في أربعة مسارات استراتيجية لا غنى عنها اليوم :
أولاً هو قطاع إنتاجي يمكن أن يُسهم في تنويع مصادر الدخل الوطني وتقليل الاعتماد المفرط على النفط.
ثانيًا، هو قطاع مهم جدًا في تعزيز الأمن الغذائي، من خلال توفير منتجات بحرية محلية ذات قيمة غذائية عالية وجودة يمكن التحكم فيها.
ثالثًا، هو قطاع كثيف التشغيل، ويوفر فرص عمل في مجالات متعدَّدة، من الإنتاج والتغذية والتفريخ، إلى النقل والتسويق والتصنيع والخدمات المساندة. ورابعًا يمكنه أن يدعم التنمية المحلية في المناطق الساحلية والريفية والداخلية، إذا ما تم توجيه الاستثمار فيه بشكل صحيح.
إذن نحن نتحدث عن رؤية تنموية شاملة. ما هي الأهداف الاستراتيجية التي تعملون على تحقيقها لترجمة هذه الرؤية على أرض الواقع؟
هدفنا الاستراتيجي هو تطوير الاستزراع السمكي لتغطية احتياجات السوق المحلي أولاً، ثم طرق أبواب الأسواق العالمية بمنتجات عالية الجودة .. ومن هذا المنطلق، نركز على عدة أهداف رئيسة، من أهمها:
* تنظيم القطاع مؤسسيًا ووضع الأطر المؤسسية والإجراءات التي تضمن العمل بشكل قانوني وواضح.
* نشر ثقافة الزراعة المائية وتبسيط الفكرة للمستثمرين والشباب والمهتمين.
* بناء الشراكات وتفعيل الأصول من خلال إنشاء مزارع عامة جديدة، وإعادة تأهيل الحالية.
* تشجيع القطاع الخاص واعتباره شريكًا أساسيًا في التوسع والإنتاج.
* الاستشراف المستقبلي، فالمشروع يعمل على دراسة وتحديد المواقع الجغرافية المؤهلة لتكون مزارع سمكية مستقبلاً.
* دعم المزارعين، فنحن نسعى جاهدين لتوفير المدخلات الأساسية كالأعلاف. ونطمح لدعم إنشاء مصانع أعلاف محلية متخصصة بالأسماك، أو تطوير خطوط إنتاج مصانع أعلاف الدواجن الحالية لتقليل التكلفة.
بالحديث عن التنظيم المؤسساتي، كيف وجدتم حالة القطاع؟، وكيف تعاملتم معها؟
عندما بدأنا العمل، وجدنا أن القطاع يعاني من ضعف في التنظيم وغياب قاعدة بيانات دقيقة، إضافة إلى وجود عدد من الأنشطة والمزارع التي تعمل دون استكمال إطار إجرائي واضح أو دون تسجيل وتنظيم بالشكل المطلوب.
ولذلك كان من أولوياتنا إرساء الأساس التنظيمي للقطاع، باعتباره الخطوة الأولى نحو أي تطوير حقيقي. وفي هذا الإطار، قمنا بإعداد واعتماد 12 نموذج وإجراء تنظيمي تُستخدم لتنظيم مختلف مراحل النشاط، سواء فيما يتعلق بمزاولة النشاط، أو استيراد الزريعة، أو المعدات، أو غيرها من الإجراءات المرتبطة بالقطاع.
إضافة إلى إصدار كتيب مزرعة أسماك يجدد سنويًا. بناء قاعدة بيانات سليمة تساعد في التخطيط، والمتابعة، واتخاذ القرار على أسس واضحة.
كما قمنا بإعداد دليل ارشادي خاص بإنشاء وتشغيل المزارع السمكية، بهدف إرساء قواعد الممارسات المسؤولة والمستدامة لنشاط الزراعة المائية باعتباره نشاطًا مؤثرًا ومتأثرًا بالبيئة.
والأهم من ذلك أننا حرصنا على أن تكون هذه الإجراءات ميسرة ومتاحة للجميع؛ حيث تم نشر النماذج على الموقع الإلكتروني للمشروع، وأصبح بإمكان المستثمر أو المربي تحميلها، وتعبئتها، وإعادة إرسالها دون الحاجة إلى الحضور الشخصي إلى مقر المشروع، وهو ما نعتبره خطوة مهمة نحو تبسيط الإجراءات، وتسهيل الخدمة، وتشجيع الانخراط المنظم في هذا القطاع.
هل تتابعون هذه المزارع ميدانياً، أم أن العمل مقتصرٌ على الجانب الإداري والتنظيمي؟
لا يمكن إدارة هذا القطاع من وراء المكاتب. لقد شكلنا لجانًا فنية مختصة موزعة على المناطق «الغربية، الشرقية، الجنوبية».
هذه اللجان تقوم بزيارات ميدانية دورية للوقوف على النواحي الفنية والإدارية للمزارع، ومتابعة حالة المواقع، وتقديم الملاحظات والتوجيهات اللازمة.
وهذه الزيارات لا تقتصر على المعاينة العامة فقط، بل يتم خلالها أيضا التوثيق الميداني بالتصوير، بما يساعد على بناء سجل بصري وفني للحالة التشغيلية للمواقع، ويسهم في تحسين المتابعة واتخاذ القرار.
كما يقود هذه الفرق فنيون مختصون من داخل المشروع، يقدمون تقارير دورية ونعمل بشكل تدريجي على تعزيز قدراتها الفنية والميدانية.
أشرتِ في البداية إلى وجود مشاريع حكومية سابقة. ما هو مصير هذه المشاريع اليوم وأين تتوزع؟
نعم، توجد في ليبيا عدة مواقع ومرافق ومشاريع حكومية مرتبطة بالاستزراع السمكي، أُنشئت في فترات مختلفة، لكنها للأسف تعرضت خلال السنوات الماضية إلى التوقف أو التراجع في الأداء بسبب مجموعة من العوامل، من أبرزها ضعف الصيانة، وغياب التشغيل المنتظم، وأيضًا النهب الذي تعرضتْ له أثناء ثورة 17 فبراير.
وهناك أيضًا نقص التمويل، وغياب الاستقرار المؤسسي والرؤية المتخصصة المستمرة.
ومن بين أولوياتنا في المشروع الوطني حصر هذه المواقع، وتقييمها فنيًا، والعمل على إعادة تأهيل القابل منها للتشغيل وفق الإمكانات المتاحة، لأننا نؤمن أن جزءًا مهمًا من انطلاقة القطاع يمكن أن يبدأ من إحياء ما هو قائم، بدل البدء من الصفر في كل مرة.
وهذه المواقع موزعة على عدة مناطق في ليبيا، وهي في مجملها بحاجة إلى إعادة تأهيل وصيانة وتحديث للبنية التشغيلية. وقد قمنا بالفعل بإدراج عدد من هذه المشاريع ضمن خطط التحول السنوية التي تُحال إلى الجهات المختصة.
كما تقدمنا في أكثر من مناسبة بملفات فنية متكاملة تشمل التصورات الفنية، والجدوى الاقتصادية، والرسومات، والخرائط، والمقترحات التنفيذية اللازمة لإعادة تشغيل بعض هذه المواقع.
لكن وللأسف، فإن الاستجابة المطلوبة لم تكن حتى الآن بالمستوى الذي يحتاجه هذا القطاع، كما أن محدودية الوصول إلى التمويل التنموي وغياب الدعم المخصص لإعادة الإحياء والتشغيل، جعلا كثير من هذه المواقع خارج دائرة التفعيل الفعلي.
دعينا نتحدث بشفافية .. ما الذي يمنع هذا القطاع من الانطلاق بقوة حتى الآن؟، وما هي أكبر التحديات؟
إذا تحدثنا بصراحة، فإن التحديات التي تواجه قطاع الزراعة المائية في ليبيا ليست فنية فقط، بل هي في جوهرها تحديات مؤسسية وإدارية وتمويلية وسياسية متداخلة، وهذا ما جعل انطلاقة القطاع أبطأ بكثير مما تستحقه ليبيا وما تسمح به إمكاناتها.
فالمشكلة الحقيقية ليستْ في غياب المقومات؛ لأن ليبيا تمتلك ساحلًا طويلًا متنوعًا، ومواقع قائمة، وموارد مائية متنوعة، وسوقًا محلية بحاجة إلى التوسع في الإنتاج، لكن ما غاب لفترات طويلة هو الاستقرار المؤسسي، والتمكين التنفيذي الحقيقي.
ومن أبرز التحديات التي واجهت المشروع الوطني نفسه، باعتباره الجهة التي يفترض أن تقود هذا القطاع، أنه لم يعمل في بيئة مستقرة منذ البداية، بل واجه حالة من عدم اليقين المؤسسي، وصلت في بعض المراحل إلى صدور قرارات بحله، أو المساس باستمراريته، ثم تعليق تلك الإجراءات أو التراجع عنها، وهو ما انعكس سلبًا على قدرة المشروع على التخطيط والعمل والتنفيذ بثبات.
كما أن الانقسام السياسي في البلاد كان له أثرٌ مباشرٌ جدًا على المشروع، لأن ذلك انعكس على تعدد المرجعيات التنفيذية، وتضارب بعض القرارات، وتشتت التبعية الإدارية، وهو وضع بالغ الصعوبة بالنسبة لأي مؤسسة ناشئة يفترض أن تعمل على ملف تنموي واستراتيجي بهذا الحجم.
ومن التحديات الجوهرية أيضًا، تعرض حسابات المشروع للتجميد أكثر من مرة، وهو أمر كانت له آثار مباشرة على سير العمل، والالتزامات المالية، والقدرة على التسيير والتشغيل، فضلاً عن تعطيل عدد من الإجراءات والبرامج التي كان من الممكن أن تدفع القطاع إلى الأمام.
إلى جانب ذلك، واجه المشروع ضعفًا شديدًا في الدعم اللوجستي والإداري الأساسي، فحتى الآن لم يمكّن المشروع بالشكل الذي يفترض أن تُدعم به مؤسسة وطنية مستحدثة؛ من حيث المقر الإداري الحكومي الملائم، والبنية التشغيلية المستقرة، وهو ما جعل جزءًا من الجهد يستهلك في معالجة أساسيات يفترض أن تكون محسومة منذ البداية.
كما أن من التحديات المهمة أيضًا عدم فتح المجال لبناء ملاك وظيفي متخصَّص ومستقر، رغم وجود طاقات شبابية واعدة من خريجي الكليات والمعاهد ذات العلاقة، كان يمكن أن يشكل المشروع حاضنة حقيقية لتأهيلهم وإدماجهم في هذا القطاع الحيوي.
ولا أخفي أيضًا أن العمل في هذا الملف لم يكن سهلاً على المستوى الشخصي والمهني، فقد رافق مسار المشروع في بعض مراحله قدرًا كبيرًا من الضغوط والعرقلة غير المبرَّرة، وهو ما أثّر على بيئة العمل وعلى استقرار الجهد التنفيذي، لكن رغم كل ذلك، استمر المشروع في العمل، وحقَّق خطوات مهمة قياسًا بحجم الصعوبات.



