الرئيسيةحوار

مواقع مرتبطة بالاستزراع السمكي تعرضت للتوقف أو التراجع في الأداء

على‭ ‬امتداد‭ ‬ساحل‭ ‬يبلغ‭ ‬طوله‭ ‬قرابة‭ ‬2000‭ ‬كيلومتر،‭ ‬وبإمكانات‭ ‬بحرية‭ ‬ومناخية‭ ‬استثنائية،‭ ‬ظلت‭ ‬الثروة‭ ‬السمكية‭ ‬في‭ ‬ليبيا‭ ‬لسنوات‭ ‬طويلة‭ ‬قطاعًا‭ ‬تائهًا‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬هيمنة‭ ‬النفط‭ ‬على‭ ‬شرايين‭ ‬الاقتصاد‭. ‬ورغم‭ ‬المحاولات‭ ‬الخجولة‭ ‬التي‭ ‬بدأتْ‭ ‬منذ‭ ‬سبعينيات‭ ‬القرن‭ ‬الماضي‭ ‬لاستزراع‭ ‬الأسماك،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬غياب‭ ‬الرؤية‭ ‬الموحدة‭ ‬والإرادة‭ ‬السياسية‭ ‬حال‭ ‬دون‭ ‬تحوَّل‭ ‬هذا‭ ‬القطاع‭ ‬إلى‭ ‬رافد‭ ‬اقتصادي‭ ‬حقيقي‭. ‬اليوم‭ ‬ومع‭ ‬تزايد‭ ‬التحديات‭ ‬المتعلقة‭ ‬بالأمن‭ ‬الغذائي‭ ‬والتغير‭ ‬المناخي،‭ ‬يبرز‭ ‬‮«‬المشروع‭ ‬الوطني‭ ‬للزراعة‭ ‬المائية‮»‬‭ ‬كبوصلة‭ ‬جديدة‭ ‬تهدف‭ ‬إلى‭ ‬إعادة‭ ‬توجيه‭ ‬الدفة‭. ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الحوار‭ ‬نلتقي‭ ‬بالدكتورة‭ ‬مسعودة‭ ‬بوعروشة،‭ ‬مدير‭ ‬عام‭ ‬المشروع،‭ ‬لنغوص‭ ‬معها‭ ‬في‭ ‬تفاصيل‭ ‬هذه‭ ‬المبادرة‭ ‬الوطنية،‭ ‬حجم‭ ‬التحديات‭ ‬التي‭ ‬تواجههم،‭ ‬وآفاق‭ ‬تحويل‭ ‬‮«‬الثروة‭ ‬الزرقاء‮»‬‭ ‬إلى‭ ‬بديل‭ ‬استراتيجي‭ ‬ومستدام‭ ‬للاقتصاد‭ ‬الليبي‭.‬

دكتورة‭ ‬مسعودة‭ ‬أهلاً‭ ‬بكِ‭ ‬في‭ ‬بدايةً‭ ‬لو‭ ‬تضعيننا‭ ‬والقارئ‭ ‬في‭ ‬صورة‭ ‬السياق‭ ‬الذي‭ ‬وُلد‭ ‬فيه‭ ‬‮«‬المشروع‭ ‬الوطني‭ ‬للزراعة‭ ‬المائية»؟‭ ‬ولماذا‭ ‬احتجنا‭ ‬إلى‭ ‬هذا‭ ‬الكيان‭ ‬تحديداً‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬التوقيت؟‭ ‬

هلاً‭ ‬وسهلاً،‭ ‬وشكرًا‭ ‬لكم‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬الاهتمام‭ ‬بقطاع‭ ‬يعد‭ ‬من‭ ‬القطاعات‭ ‬الواعدة‭ ‬في‭ ‬ليبيا‭.‬

فكرة‭ ‬الاستزراع‭ ‬السمكي‭ ‬في‭ ‬ليبيا‭ ‬ليستْ‭ ‬جديدة،‭ ‬بل‭ ‬تعود‭ ‬محاولاتها‭ ‬الأولى‭ ‬إلى‭ ‬سبعينيات‭ ‬القرن‭ ‬الماضي،‭ ‬وتحديدًا‭ ‬منذ‭ ‬عام‭ ‬1977،‭ ‬ثم‭ ‬تطورتْ‭ ‬لاحقا‭ ‬عبر‭ ‬إنشاء‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬المزارع‭ ‬والمواقع‭ ‬الحكومية‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬تُعد‭ ‬في‭ ‬وقتها‭ ‬مشاريع‭ ‬حديثة‭ ‬نسبيا‭ ‬سواء‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬البنية،‭ ‬أو‭ ‬النظم‭ ‬المستخدمة‭ ‬مثل‭ ‬عين‭ ‬الغزالة،‭ ‬وعين‭ ‬كعام،‭ ‬وفروة،‭ ‬ورأس‭ ‬الهلال‭ ‬وغيرها‭ ‬من‭ ‬المواقع‭ ‬التي‭ ‬مثّلت‭ ‬بدايات‭ ‬مهمة‭ ‬لهذا‭ ‬القطاع‭ ‬في‭ ‬ليبيا‭.‬

مر‭ ‬القطاع‭ ‬على‭ ‬مدى‭ ‬عقود‭ ‬بحالة‭ ‬من‭ ‬عدم‭ ‬الاستقرار‭ ‬المؤسسي؛‭ ‬حيث‭ ‬أُنشئتْ‭ ‬له‭ ‬كيانات‭ ‬وهيئات‭ ‬في‭ ‬فترات‭ ‬مختلفة،‭ ‬ثم‭ ‬تم‭ ‬حلّها‭ ‬أو‭ ‬دمجها‭ ‬أو‭ ‬نقل‭ ‬تبعيتها‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬مرة،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬أثّر‭ ‬بشكل‭ ‬مباشر‭ ‬على‭ ‬استمرارية‭ ‬التخطيط،‭ ‬وتشغيل‭ ‬المشاريع،‭ ‬وتنمية‭ ‬هذا‭ ‬النشاط‭ ‬على‭ ‬أسس‭ ‬واضحة‭ ‬ومستدامة‭. ‬

ومن‭ ‬هنا‭ ‬جاءتْ‭ ‬الحاجة‭ ‬إلى‭ ‬إنشاء‭ ‬المشروع‭ ‬الوطني‭ ‬للزراعة‭ ‬المائية‭ ‬بقرار‭ ‬رئاسة‭ ‬الوزراء‭ ‬رقم‭ )‬497‭( ‬لسنة‭ ‬2021،‭ ‬ليكون‭ ‬مؤسسة‭ ‬متخصَّصة‭ ‬تتولى‭ ‬قيادة‭ ‬هذا‭ ‬القطاع‭ ‬بصورة‭ ‬أكثر‭ ‬وضوحًا،‭ ‬ضمن‭ ‬هيكلية‭ ‬وزارة‭ ‬الثروة‭ ‬البحرية،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬مؤسسات‭ ‬أخرى‭ ‬مختلفة‭ ‬عنها‭ ‬في‭ ‬الاختصاص،‭ ‬مثل‭ ‬الهيئة‭ ‬العامة‭ ‬للصيد‭ ‬البحري،‭ ‬ومركز‭ ‬بحوث‭ ‬الأحياء‭ ‬المائية‭. ‬

وقد‭ ‬جاء‭ ‬تأسيس‭ ‬المشروع‭ ‬في‭ ‬توقيت‭ ‬مهم‭ ‬جدًا‭ ‬لأن‭ ‬ليبيا‭ ‬اليوم‭ ‬بحاجة‭ ‬حقيقية‭ ‬إلى‭ ‬تنويع‭ ‬اقتصادها،‭ ‬وتعزيز‭ ‬أمنها‭ ‬الغذائي،‭ ‬وتخفيف‭ ‬الضغط‭ ‬على‭ ‬المصايد‭ ‬الطبيعية،‭ ‬وخلق‭ ‬فرص‭ ‬عمل‭ ‬جديدة،‭ ‬وفتح‭ ‬المجال‭ ‬أمام‭ ‬استثمارات‭ ‬إنتاجية‭ ‬حديثة‭. ‬

بعيدًا‭ ‬عن‭ ‬لغة‭ ‬الأرقام‭ ‬المعقدة،‭ ‬ما‭ ‬هي‭ ‬الإضافة‭ ‬الحقيقية‭ ‬التي‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يقدمها‭ ‬هذا‭ ‬القطاع‭ ‬للمواطن‭ ‬وللدولة؟‭ ‬

الأهمية‭ ‬تكمن‭ ‬في‭ ‬أربعة‭ ‬مسارات‭ ‬استراتيجية‭ ‬لا‭ ‬غنى‭ ‬عنها‭ ‬اليوم‭ :‬

أولاً‭ ‬هو‭ ‬قطاع‭ ‬إنتاجي‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يُسهم‭ ‬في‭ ‬تنويع‭ ‬مصادر‭ ‬الدخل‭ ‬الوطني‭ ‬وتقليل‭ ‬الاعتماد‭ ‬المفرط‭ ‬على‭ ‬النفط‭.‬

ثانيًا،‭ ‬هو‭ ‬قطاع‭ ‬مهم‭ ‬جدًا‭ ‬في‭ ‬تعزيز‭ ‬الأمن‭ ‬الغذائي،‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬توفير‭ ‬منتجات‭ ‬بحرية‭ ‬محلية‭ ‬ذات‭ ‬قيمة‭ ‬غذائية‭ ‬عالية‭ ‬وجودة‭ ‬يمكن‭ ‬التحكم‭ ‬فيها‭.‬

ثالثًا،‭ ‬هو‭ ‬قطاع‭ ‬كثيف‭ ‬التشغيل،‭ ‬ويوفر‭ ‬فرص‭ ‬عمل‭ ‬في‭ ‬مجالات‭ ‬متعدَّدة،‭ ‬من‭ ‬الإنتاج‭ ‬والتغذية‭ ‬والتفريخ،‭ ‬إلى‭ ‬النقل‭ ‬والتسويق‭ ‬والتصنيع‭ ‬والخدمات‭ ‬المساندة‭. ‬ورابعًا‭ ‬يمكنه‭ ‬أن‭ ‬يدعم‭ ‬التنمية‭ ‬المحلية‭ ‬في‭ ‬المناطق‭ ‬الساحلية‭ ‬والريفية‭ ‬والداخلية،‭ ‬إذا‭ ‬ما‭ ‬تم‭ ‬توجيه‭ ‬الاستثمار‭ ‬فيه‭ ‬بشكل‭ ‬صحيح‭. ‬

إذن‭ ‬نحن‭ ‬نتحدث‭ ‬عن‭ ‬رؤية‭ ‬تنموية‭ ‬شاملة‭. ‬ما‭ ‬هي‭ ‬الأهداف‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬التي‭ ‬تعملون‭ ‬على‭ ‬تحقيقها‭ ‬لترجمة‭ ‬هذه‭ ‬الرؤية‭ ‬على‭ ‬أرض‭ ‬الواقع؟

هدفنا‭ ‬الاستراتيجي‭ ‬هو‭ ‬تطوير‭ ‬الاستزراع‭ ‬السمكي‭ ‬لتغطية‭ ‬احتياجات‭ ‬السوق‭ ‬المحلي‭ ‬أولاً،‭ ‬ثم‭ ‬طرق‭ ‬أبواب‭ ‬الأسواق‭ ‬العالمية‭ ‬بمنتجات‭ ‬عالية‭ ‬الجودة‭ .. ‬ومن‭ ‬هذا‭ ‬المنطلق،‭ ‬نركز‭ ‬على‭ ‬عدة‭ ‬أهداف‭ ‬رئيسة،‭ ‬من‭ ‬أهمها‭:‬

‭* ‬تنظيم‭ ‬القطاع‭ ‬مؤسسيًا‭ ‬ووضع‭ ‬الأطر‭ ‬المؤسسية‭ ‬والإجراءات‭ ‬التي‭ ‬تضمن‭ ‬العمل‭ ‬بشكل‭ ‬قانوني‭ ‬وواضح‭. ‬

‭* ‬نشر‭ ‬ثقافة‭ ‬الزراعة‭ ‬المائية‭ ‬وتبسيط‭ ‬الفكرة‭ ‬للمستثمرين‭ ‬والشباب‭ ‬والمهتمين‭.‬

‭* ‬بناء‭ ‬الشراكات‭ ‬وتفعيل‭ ‬الأصول‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬إنشاء‭ ‬مزارع‭ ‬عامة‭ ‬جديدة،‭ ‬وإعادة‭ ‬تأهيل‭ ‬الحالية‭.‬

‭* ‬تشجيع‭ ‬القطاع‭ ‬الخاص‭ ‬واعتباره‭ ‬شريكًا‭ ‬أساسيًا‭ ‬في‭ ‬التوسع‭ ‬والإنتاج‭. ‬

‭* ‬الاستشراف‭ ‬المستقبلي،‭ ‬فالمشروع‭ ‬يعمل‭ ‬على‭ ‬دراسة‭ ‬وتحديد‭ ‬المواقع‭ ‬الجغرافية‭ ‬المؤهلة‭ ‬لتكون‭ ‬مزارع‭ ‬سمكية‭ ‬مستقبلاً‭.‬

‭* ‬دعم‭ ‬المزارعين،‭ ‬فنحن‭ ‬نسعى‭ ‬جاهدين‭ ‬لتوفير‭ ‬المدخلات‭ ‬الأساسية‭ ‬كالأعلاف‭. ‬ونطمح‭ ‬لدعم‭ ‬إنشاء‭ ‬مصانع‭ ‬أعلاف‭ ‬محلية‭ ‬متخصصة‭ ‬بالأسماك،‭ ‬أو‭ ‬تطوير‭ ‬خطوط‭ ‬إنتاج‭ ‬مصانع‭ ‬أعلاف‭ ‬الدواجن‭ ‬الحالية‭ ‬لتقليل‭ ‬التكلفة‭.‬

بالحديث‭ ‬عن‭ ‬التنظيم‭ ‬المؤسساتي،‭ ‬كيف‭ ‬وجدتم‭ ‬حالة‭ ‬القطاع؟،‭ ‬وكيف‭ ‬تعاملتم‭ ‬معها؟‭ ‬

عندما‭ ‬بدأنا‭ ‬العمل،‭ ‬وجدنا‭ ‬أن‭ ‬القطاع‭ ‬يعاني‭ ‬من‭ ‬ضعف‭ ‬في‭ ‬التنظيم‭ ‬وغياب‭ ‬قاعدة‭ ‬بيانات‭ ‬دقيقة،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬وجود‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬الأنشطة‭ ‬والمزارع‭ ‬التي‭ ‬تعمل‭ ‬دون‭ ‬استكمال‭ ‬إطار‭ ‬إجرائي‭ ‬واضح‭ ‬أو‭ ‬دون‭ ‬تسجيل‭ ‬وتنظيم‭ ‬بالشكل‭ ‬المطلوب‭.‬

ولذلك‭ ‬كان‭ ‬من‭ ‬أولوياتنا‭ ‬إرساء‭ ‬الأساس‭ ‬التنظيمي‭ ‬للقطاع،‭ ‬باعتباره‭ ‬الخطوة‭ ‬الأولى‭ ‬نحو‭ ‬أي‭ ‬تطوير‭ ‬حقيقي‭. ‬وفي‭ ‬هذا‭ ‬الإطار،‭ ‬قمنا‭ ‬بإعداد‭ ‬واعتماد‭ ‬12‭ ‬نموذج‭ ‬وإجراء‭ ‬تنظيمي‭ ‬تُستخدم‭ ‬لتنظيم‭ ‬مختلف‭ ‬مراحل‭ ‬النشاط،‭ ‬سواء‭ ‬فيما‭ ‬يتعلق‭ ‬بمزاولة‭ ‬النشاط،‭ ‬أو‭ ‬استيراد‭ ‬الزريعة،‭ ‬أو‭ ‬المعدات،‭ ‬أو‭ ‬غيرها‭ ‬من‭ ‬الإجراءات‭ ‬المرتبطة‭ ‬بالقطاع‭.‬

إضافة‭ ‬إلى‭ ‬إصدار‭ ‬كتيب‭ ‬مزرعة‭ ‬أسماك‭ ‬يجدد‭ ‬سنويًا‭. ‬بناء‭ ‬قاعدة‭ ‬بيانات‭ ‬سليمة‭ ‬تساعد‭ ‬في‭ ‬التخطيط،‭ ‬والمتابعة،‭ ‬واتخاذ‭ ‬القرار‭ ‬على‭ ‬أسس‭ ‬واضحة‭.‬

كما‭ ‬قمنا‭ ‬بإعداد‭ ‬دليل‭ ‬ارشادي‭ ‬خاص‭ ‬بإنشاء‭ ‬وتشغيل‭ ‬المزارع‭ ‬السمكية،‭ ‬بهدف‭ ‬إرساء‭ ‬قواعد‭ ‬الممارسات‭ ‬المسؤولة‭ ‬والمستدامة‭ ‬لنشاط‭ ‬الزراعة‭ ‬المائية‭ ‬باعتباره‭ ‬نشاطًا‭ ‬مؤثرًا‭ ‬ومتأثرًا‭ ‬بالبيئة‭. ‬

والأهم‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬أننا‭ ‬حرصنا‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬هذه‭ ‬الإجراءات‭ ‬ميسرة‭ ‬ومتاحة‭ ‬للجميع؛‭ ‬حيث‭ ‬تم‭ ‬نشر‭ ‬النماذج‭ ‬على‭ ‬الموقع‭ ‬الإلكتروني‭ ‬للمشروع،‭ ‬وأصبح‭ ‬بإمكان‭ ‬المستثمر‭ ‬أو‭ ‬المربي‭ ‬تحميلها،‭ ‬وتعبئتها،‭ ‬وإعادة‭ ‬إرسالها‭ ‬دون‭ ‬الحاجة‭ ‬إلى‭ ‬الحضور‭ ‬الشخصي‭ ‬إلى‭ ‬مقر‭ ‬المشروع،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬نعتبره‭ ‬خطوة‭ ‬مهمة‭ ‬نحو‭ ‬تبسيط‭ ‬الإجراءات،‭ ‬وتسهيل‭ ‬الخدمة،‭ ‬وتشجيع‭ ‬الانخراط‭ ‬المنظم‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬القطاع‭.‬

هل‭ ‬تتابعون‭ ‬هذه‭ ‬المزارع‭ ‬ميدانياً،‭ ‬أم‭ ‬أن‭ ‬العمل‭ ‬مقتصرٌ‭ ‬على‭ ‬الجانب‭ ‬الإداري‭ ‬والتنظيمي؟‭ ‬

لا‭ ‬يمكن‭ ‬إدارة‭ ‬هذا‭ ‬القطاع‭ ‬من‭ ‬وراء‭ ‬المكاتب‭. ‬لقد‭ ‬شكلنا‭ ‬لجانًا‭ ‬فنية‭ ‬مختصة‭ ‬موزعة‭ ‬على‭ ‬المناطق‭ ‬‮«‬الغربية،‭ ‬الشرقية،‭ ‬الجنوبية‮»‬‭.‬

هذه‭ ‬اللجان‭ ‬تقوم‭ ‬بزيارات‭ ‬ميدانية‭ ‬دورية‭ ‬للوقوف‭ ‬على‭ ‬النواحي‭ ‬الفنية‭ ‬والإدارية‭ ‬للمزارع،‭ ‬ومتابعة‭ ‬حالة‭ ‬المواقع،‭ ‬وتقديم‭ ‬الملاحظات‭ ‬والتوجيهات‭ ‬اللازمة‭.‬

وهذه‭ ‬الزيارات‭ ‬لا‭ ‬تقتصر‭ ‬على‭ ‬المعاينة‭ ‬العامة‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬يتم‭ ‬خلالها‭ ‬أيضا‭ ‬التوثيق‭ ‬الميداني‭ ‬بالتصوير،‭ ‬بما‭ ‬يساعد‭ ‬على‭ ‬بناء‭ ‬سجل‭ ‬بصري‭ ‬وفني‭ ‬للحالة‭ ‬التشغيلية‭ ‬للمواقع،‭ ‬ويسهم‭ ‬في‭ ‬تحسين‭ ‬المتابعة‭ ‬واتخاذ‭ ‬القرار‭.‬

كما‭ ‬يقود‭ ‬هذه‭ ‬الفرق‭ ‬فنيون‭ ‬مختصون‭ ‬من‭ ‬داخل‭ ‬المشروع،‭ ‬يقدمون‭ ‬تقارير‭ ‬دورية‭ ‬ونعمل‭ ‬بشكل‭ ‬تدريجي‭ ‬على‭ ‬تعزيز‭ ‬قدراتها‭ ‬الفنية‭ ‬والميدانية‭. ‬

أشرتِ‭ ‬في‭ ‬البداية‭ ‬إلى‭ ‬وجود‭ ‬مشاريع‭ ‬حكومية‭ ‬سابقة‭. ‬ما‭ ‬هو‭ ‬مصير‭ ‬هذه‭ ‬المشاريع‭ ‬اليوم‭ ‬وأين‭ ‬تتوزع؟

نعم،‭ ‬توجد‭ ‬في‭ ‬ليبيا‭ ‬عدة‭ ‬مواقع‭ ‬ومرافق‭ ‬ومشاريع‭ ‬حكومية‭ ‬مرتبطة‭ ‬بالاستزراع‭ ‬السمكي،‭ ‬أُنشئت‭ ‬في‭ ‬فترات‭ ‬مختلفة،‭ ‬لكنها‭ ‬للأسف‭ ‬تعرضت‭ ‬خلال‭ ‬السنوات‭ ‬الماضية‭ ‬إلى‭ ‬التوقف‭ ‬أو‭ ‬التراجع‭ ‬في‭ ‬الأداء‭ ‬بسبب‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬العوامل،‭ ‬من‭ ‬أبرزها‭ ‬ضعف‭ ‬الصيانة،‭ ‬وغياب‭ ‬التشغيل‭ ‬المنتظم،‭ ‬وأيضًا‭ ‬النهب‭ ‬الذي‭ ‬تعرضتْ‭ ‬له‭ ‬أثناء‭ ‬ثورة‭ ‬17‭ ‬فبراير‭.‬

وهناك‭ ‬أيضًا‭ ‬نقص‭ ‬التمويل،‭ ‬وغياب‭ ‬الاستقرار‭ ‬المؤسسي‭ ‬والرؤية‭ ‬المتخصصة‭ ‬المستمرة‭.‬

ومن‭ ‬بين‭ ‬أولوياتنا‭ ‬في‭ ‬المشروع‭ ‬الوطني‭ ‬حصر‭ ‬هذه‭ ‬المواقع،‭ ‬وتقييمها‭ ‬فنيًا،‭ ‬والعمل‭ ‬على‭ ‬إعادة‭ ‬تأهيل‭ ‬القابل‭ ‬منها‭ ‬للتشغيل‭ ‬وفق‭ ‬الإمكانات‭ ‬المتاحة،‭ ‬لأننا‭ ‬نؤمن‭ ‬أن‭ ‬جزءًا‭ ‬مهمًا‭ ‬من‭ ‬انطلاقة‭ ‬القطاع‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يبدأ‭ ‬من‭ ‬إحياء‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬قائم،‭ ‬بدل‭ ‬البدء‭ ‬من‭ ‬الصفر‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬مرة‭.‬

وهذه‭ ‬المواقع‭ ‬موزعة‭ ‬على‭ ‬عدة‭ ‬مناطق‭ ‬في‭ ‬ليبيا،‭ ‬وهي‭ ‬في‭ ‬مجملها‭ ‬بحاجة‭ ‬إلى‭ ‬إعادة‭ ‬تأهيل‭ ‬وصيانة‭ ‬وتحديث‭ ‬للبنية‭ ‬التشغيلية‭. ‬وقد‭ ‬قمنا‭ ‬بالفعل‭ ‬بإدراج‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬المشاريع‭ ‬ضمن‭ ‬خطط‭ ‬التحول‭ ‬السنوية‭ ‬التي‭ ‬تُحال‭ ‬إلى‭ ‬الجهات‭ ‬المختصة‭.‬

كما‭ ‬تقدمنا‭ ‬في‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬مناسبة‭ ‬بملفات‭ ‬فنية‭ ‬متكاملة‭ ‬تشمل‭ ‬التصورات‭ ‬الفنية،‭ ‬والجدوى‭ ‬الاقتصادية،‭ ‬والرسومات،‭ ‬والخرائط،‭ ‬والمقترحات‭ ‬التنفيذية‭ ‬اللازمة‭ ‬لإعادة‭ ‬تشغيل‭ ‬بعض‭ ‬هذه‭ ‬المواقع‭.‬

لكن‭ ‬وللأسف،‭ ‬فإن‭ ‬الاستجابة‭ ‬المطلوبة‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬حتى‭ ‬الآن‭ ‬بالمستوى‭ ‬الذي‭ ‬يحتاجه‭ ‬هذا‭ ‬القطاع،‭ ‬كما‭ ‬أن‭ ‬محدودية‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬التمويل‭ ‬التنموي‭ ‬وغياب‭ ‬الدعم‭ ‬المخصص‭ ‬لإعادة‭ ‬الإحياء‭ ‬والتشغيل،‭ ‬جعلا‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬المواقع‭ ‬خارج‭ ‬دائرة‭ ‬التفعيل‭ ‬الفعلي‭.‬

دعينا‭ ‬نتحدث‭ ‬بشفافية‭ .. ‬ما‭ ‬الذي‭ ‬يمنع‭ ‬هذا‭ ‬القطاع‭ ‬من‭ ‬الانطلاق‭ ‬بقوة‭ ‬حتى‭ ‬الآن؟،‭ ‬وما‭ ‬هي‭ ‬أكبر‭ ‬التحديات؟‭ ‬

إذا‭ ‬تحدثنا‭ ‬بصراحة،‭ ‬فإن‭ ‬التحديات‭ ‬التي‭ ‬تواجه‭ ‬قطاع‭ ‬الزراعة‭ ‬المائية‭ ‬في‭ ‬ليبيا‭ ‬ليست‭ ‬فنية‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬هي‭ ‬في‭ ‬جوهرها‭ ‬تحديات‭ ‬مؤسسية‭ ‬وإدارية‭ ‬وتمويلية‭ ‬وسياسية‭ ‬متداخلة،‭ ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬جعل‭ ‬انطلاقة‭ ‬القطاع‭ ‬أبطأ‭ ‬بكثير‭ ‬مما‭ ‬تستحقه‭ ‬ليبيا‭ ‬وما‭ ‬تسمح‭ ‬به‭ ‬إمكاناتها‭.‬

فالمشكلة‭ ‬الحقيقية‭ ‬ليستْ‭ ‬في‭ ‬غياب‭ ‬المقومات؛‭ ‬لأن‭ ‬ليبيا‭ ‬تمتلك‭ ‬ساحلًا‭ ‬طويلًا‭ ‬متنوعًا،‭ ‬ومواقع‭ ‬قائمة،‭ ‬وموارد‭ ‬مائية‭ ‬متنوعة،‭ ‬وسوقًا‭ ‬محلية‭ ‬بحاجة‭ ‬إلى‭ ‬التوسع‭ ‬في‭ ‬الإنتاج،‭ ‬لكن‭ ‬ما‭ ‬غاب‭ ‬لفترات‭ ‬طويلة‭ ‬هو‭ ‬الاستقرار‭ ‬المؤسسي،‭ ‬والتمكين‭ ‬التنفيذي‭ ‬الحقيقي‭.‬

ومن‭ ‬أبرز‭ ‬التحديات‭ ‬التي‭ ‬واجهت‭ ‬المشروع‭ ‬الوطني‭ ‬نفسه،‭ ‬باعتباره‭ ‬الجهة‭ ‬التي‭ ‬يفترض‭ ‬أن‭ ‬تقود‭ ‬هذا‭ ‬القطاع،‭ ‬أنه‭ ‬لم‭ ‬يعمل‭ ‬في‭ ‬بيئة‭ ‬مستقرة‭ ‬منذ‭ ‬البداية،‭ ‬بل‭ ‬واجه‭ ‬حالة‭ ‬من‭ ‬عدم‭ ‬اليقين‭ ‬المؤسسي،‭ ‬وصلت‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬المراحل‭ ‬إلى‭ ‬صدور‭ ‬قرارات‭ ‬بحله،‭ ‬أو‭ ‬المساس‭ ‬باستمراريته،‭ ‬ثم‭ ‬تعليق‭ ‬تلك‭ ‬الإجراءات‭ ‬أو‭ ‬التراجع‭ ‬عنها،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬انعكس‭ ‬سلبًا‭ ‬على‭ ‬قدرة‭ ‬المشروع‭ ‬على‭ ‬التخطيط‭ ‬والعمل‭ ‬والتنفيذ‭ ‬بثبات‭.‬

كما‭ ‬أن‭ ‬الانقسام‭ ‬السياسي‭ ‬في‭ ‬البلاد‭ ‬كان‭ ‬له‭ ‬أثرٌ‭ ‬مباشرٌ‭ ‬جدًا‭ ‬على‭ ‬المشروع،‭ ‬لأن‭ ‬ذلك‭ ‬انعكس‭ ‬على‭ ‬تعدد‭ ‬المرجعيات‭ ‬التنفيذية،‭ ‬وتضارب‭ ‬بعض‭ ‬القرارات،‭ ‬وتشتت‭ ‬التبعية‭ ‬الإدارية،‭ ‬وهو‭ ‬وضع‭ ‬بالغ‭ ‬الصعوبة‭ ‬بالنسبة‭ ‬لأي‭ ‬مؤسسة‭ ‬ناشئة‭ ‬يفترض‭ ‬أن‭ ‬تعمل‭ ‬على‭ ‬ملف‭ ‬تنموي‭ ‬واستراتيجي‭ ‬بهذا‭ ‬الحجم‭.‬

ومن‭ ‬التحديات‭ ‬الجوهرية‭ ‬أيضًا،‭ ‬تعرض‭ ‬حسابات‭ ‬المشروع‭ ‬للتجميد‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬مرة،‭ ‬وهو‭ ‬أمر‭ ‬كانت‭ ‬له‭ ‬آثار‭ ‬مباشرة‭ ‬على‭ ‬سير‭ ‬العمل،‭ ‬والالتزامات‭ ‬المالية،‭ ‬والقدرة‭ ‬على‭ ‬التسيير‭ ‬والتشغيل،‭ ‬فضلاً‭ ‬عن‭ ‬تعطيل‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬الإجراءات‭ ‬والبرامج‭ ‬التي‭ ‬كان‭ ‬من‭ ‬الممكن‭ ‬أن‭ ‬تدفع‭ ‬القطاع‭ ‬إلى‭ ‬الأمام‭.‬

إلى‭ ‬جانب‭ ‬ذلك،‭ ‬واجه‭ ‬المشروع‭ ‬ضعفًا‭ ‬شديدًا‭ ‬في‭ ‬الدعم‭ ‬اللوجستي‭ ‬والإداري‭ ‬الأساسي،‭ ‬فحتى‭ ‬الآن‭ ‬لم‭ ‬يمكّن‭ ‬المشروع‭ ‬بالشكل‭ ‬الذي‭ ‬يفترض‭ ‬أن‭ ‬تُدعم‭ ‬به‭ ‬مؤسسة‭ ‬وطنية‭ ‬مستحدثة؛‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬المقر‭ ‬الإداري‭ ‬الحكومي‭ ‬الملائم،‭ ‬والبنية‭ ‬التشغيلية‭ ‬المستقرة،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬جعل‭ ‬جزءًا‭ ‬من‭ ‬الجهد‭ ‬يستهلك‭ ‬في‭ ‬معالجة‭ ‬أساسيات‭ ‬يفترض‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬محسومة‭ ‬منذ‭ ‬البداية‭.‬

كما‭ ‬أن‭ ‬من‭ ‬التحديات‭ ‬المهمة‭ ‬أيضًا‭ ‬عدم‭ ‬فتح‭ ‬المجال‭ ‬لبناء‭ ‬ملاك‭ ‬وظيفي‭ ‬متخصَّص‭ ‬ومستقر،‭ ‬رغم‭ ‬وجود‭ ‬طاقات‭ ‬شبابية‭ ‬واعدة‭ ‬من‭ ‬خريجي‭ ‬الكليات‭ ‬والمعاهد‭ ‬ذات‭ ‬العلاقة،‭ ‬كان‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يشكل‭ ‬المشروع‭ ‬حاضنة‭ ‬حقيقية‭ ‬لتأهيلهم‭ ‬وإدماجهم‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬القطاع‭ ‬الحيوي‭.‬

ولا‭ ‬أخفي‭ ‬أيضًا‭ ‬أن‭ ‬العمل‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الملف‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬سهلاً‭ ‬على‭ ‬المستوى‭ ‬الشخصي‭ ‬والمهني،‭ ‬فقد‭ ‬رافق‭ ‬مسار‭ ‬المشروع‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬مراحله‭ ‬قدرًا‭ ‬كبيرًا‭ ‬من‭ ‬الضغوط‭ ‬والعرقلة‭ ‬غير‭ ‬المبرَّرة،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬أثّر‭ ‬على‭ ‬بيئة‭ ‬العمل‭ ‬وعلى‭ ‬استقرار‭ ‬الجهد‭ ‬التنفيذي،‭ ‬لكن‭ ‬رغم‭ ‬كل‭ ‬ذلك،‭ ‬استمر‭ ‬المشروع‭ ‬في‭ ‬العمل،‭ ‬وحقَّق‭ ‬خطوات‭ ‬مهمة‭ ‬قياسًا‭ ‬بحجم‭ ‬الصعوبات‭.‬

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى