رأي

موتك مع العشرة كرامة

أمين مازن

أصرَّتْ‭ ‬قرينتي‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬مضى‭ ‬من‭ ‬شهر‭ ‬الصوم‭ ‬نصفه‭ ‬بفضل‭ ‬الله،‭ ‬وأقضيه‭ ‬صائمًا‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬مانع‭ ‬صحي،‭ ‬أن‭ ‬أقوم‭ ‬بشراء‭ ‬ملابس‭ ‬العيد‭ ‬التي‭ ‬وفرها‭ ‬أحد‭ ‬تجار‭ ‬المنطقة‭ ‬وأتاح‭ ‬للجميع‭ ‬إمكانية‭ ‬ما‭ ‬حلا‭ ‬لهم‭ ‬من‭ ‬الملابس‭ ‬المناسبة‭ ‬وحلا‭ ‬لها‭ ‬أي‭ ‬لون‭ ‬أن‭ ‬أرتدي،‭ ‬ولم‭ ‬يكن‭ ‬أمامي‭ ‬غير‭ ‬أن‭ ‬أقبل‭ ‬ذلك‭ ‬الإصرار‭ ‬وأُقلع‭ ‬عن‭ ‬عدم‭ ‬الاكتراث‭ ‬الذي‭ ‬طالما‭ ‬أبديته‭ ‬في‭ ‬الفترات‭ ‬الأخيرة،‭ ‬وقد‭ ‬دفعني‭ ‬لتجاوبي‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬سبب،‭ ‬أهمها‭ ‬تذكر‭ ‬سنوات‭ ‬النشأة‭ ‬الأولى‭ ‬حين‭ ‬كان‭ ‬لباس‭ ‬العيد‭ ‬واحدًا‭ ‬من‭ ‬الأولويات‭ ‬وبالذات‭ ‬عندما‭ ‬ارتبطتْ‭ ‬الأعياد‭ ‬والاستعداد‭ ‬لها‭ ‬مع‭ ‬ذلك‭ ‬التحوَّل‭ ‬الاقتصادي‭ ‬الناتج‭ ‬عن‭ ‬تفجر‭ ‬الثروة‭ ‬البترولية‭ ‬وتحولها‭ ‬إلى‭ ‬مورد‭ ‬يعود‭ ‬بعض‭ ‬فائضه‭ ‬إلى‭ ‬حياة‭ ‬النَّاس،‭ ‬عندما‭ ‬كنتُ‭ ‬بين‭ ‬الذين‭ ‬يتهيأون‭ ‬لبناء‭ ‬البيت‭ ‬وتوديع‭ ‬عالم‭ ‬اللاستقرار،‭ ‬وتزامن‭ ‬ذلك‭ ‬مع‭ ‬الإقامة‭ ‬بالمدينة‭ ‬وبلوغ‭ ‬ما‭ ‬تيسر‭ ‬فيها‭ ‬مع‭ ‬ذلك‭ ‬المشوار‭ ‬الذي‭ ‬بلغ‭ ‬أخطر‭ ‬مراحله‭ ‬مع‭ ‬سبعينيات‭ ‬القرن‭ ‬الماضي‭ ‬وبالتحديد‭ ‬أول‭ ‬عام‭ ‬منها‭ ‬عقب‭ ‬ذلك‭ ‬الصباح‭ ‬الذي‭ ‬تيسر‭ ‬ليَّ‭ ‬رسم‭ ‬ملامحه‭ ‬في‭ ‬ما‭ ‬دونتُ‭ ‬عن‭ ‬المرحلة‭ ‬في‭ ‬أثر‭ ‬مكتوب‭ ‬لم‭ ‬يقصّر‭ ‬نحوه‭ ‬عديد‭ ‬المجايلين‭ ‬بما‭ ‬تكرموا‭ ‬به‭ ‬إنصافًا‭ ‬كريمًا‭ ‬منهم،‭ ‬ورأيتُ‭ ‬فيه‭ ‬حُلة‭ ‬زادت‭ ‬على‭ ‬جميع‭ ‬الحُلل‭ ‬والتي‭ ‬ما‭ ‬كان‭ ‬ليَّ‭ ‬أن‭ ‬أرتديها‭ ‬ظاهرًا‭ ‬أو‭ ‬باطنًا‭ ‬لولا‭ ‬ما‭ ‬منَّ‭ ‬الله‭ ‬به‭ ‬من‭ ‬نعمة‭ ‬الزهد‭ ‬والحرص‭ ‬على‭ ‬حفظ‭ ‬جواهر‭ ‬الأشياء‭ ‬وليس‭ ‬جواهر‭ ‬المعادن‭ ‬التي‭ ‬كثيرًا‭ ‬ما‭ ‬أغرت‭ ‬بإنفاق‭ ‬الأثمن،‭ ‬ظنًا‭ ‬بأنه‭ ‬يمثل‭ ‬الفخر‭ ‬وهو‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬سوى‭ ‬الخزي‭ ‬الذي‭ ‬طالما‭ ‬يُستشعَر‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يُعلَن،‭ ‬لقد‭ ‬ذكرني‭ ‬اللون‭ ‬المقترح‭ ‬بتلك‭ ‬الألوان‭ ‬التي‭ ‬كثيرًا‭ ‬ما‭ ‬تلمسنا‭ ‬فيها‭ ‬حقيقة‭ ‬هوياتنا‭ ‬التي‭ ‬بدأتْ‭ ‬في‭ ‬النوادي‭ ‬الرياضية‭ ‬وتعمقتْ‭ ‬في‭ ‬مرحلة‭ ‬متقدمة‭ ‬بالسياسة‭ ‬ولا‭ ‬سيما‭ ‬قبيل‭ ‬هزيمة‭ ‬يونيو‭ ‬عشية‭ ‬سيطرة‭ ‬التيار‭ ‬الوحدوي‭ ‬القائم‭ ‬على‭ ‬حظر‭ ‬الحزبية‭ ‬التي‭ ‬بدأتْ‭ ‬من‭ ‬شرقنا‭ ‬واستقرتْ‭ ‬في‭ ‬النهاية‭ ‬عندنا‭ ‬مع‭ ‬صفة‭ ‬أمانة‭ ‬القومية‭ ‬العربية‭ ‬لتبقى‭ ‬مع‭ ‬الحقب‭ ‬الأربع،‭ ‬تلك‭ ‬التي‭ ‬اتضح‭ ‬لكل‭ ‬ذي‭ ‬بصيرة‭ ‬أنها‭ ‬لن‭ ‬تزول‭ ‬إلا‭ ‬بالتدخل‭ ‬الخارجي،‭ ‬وأن‭ ‬هذا‭ ‬التدخل‭ ‬متى‭ ‬يحصل،‭ ‬ولا‭ ‬بد‭ ‬أن‭ ‬يحصل،‭ ‬فلا‭ ‬مهرب‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬ينتج‭ ‬الأشد‭ ‬هولاً‭ ‬مما‭ ‬رأيناه‭ ‬ولمسناه‭ ‬وتجرعنا‭ ‬مرارة‭ ‬كؤوسه،‭ ‬والعزاء‭ ‬الوحيد‭ ‬هو‭ ‬انعدام‭ ‬المفاجأة‭ ‬في‭ ‬الكثير‭ ‬مما‭ ‬جرى‭ ‬ويجري‭ ‬وأن‭ ‬نجهر‭ ‬بما‭ ‬نرى‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الوسط‭ ‬وأن‭ ‬نلتمس‭ ‬العون‭ ‬بالممكن‭ ‬من‭ ‬النُصح‭ ‬أو‭ ‬على‭ ‬الأقل‭ ‬التماس‭ ‬العذر،‭ ‬وحسبنا‭ ‬ما‭ ‬روينا‭ ‬عن‭ ‬الأولين‭ ‬في‭ ‬قولهم‭ ‬‮«‬موتك‭ ‬مع‭ ‬العشرة‭ ‬كرامة‮»‬‭ ‬وهم‭ ‬يباركون‭ ‬التوافق‭ ‬على‭ ‬أي‭ ‬خلاف‭ ‬من‭ ‬الخلافات‭ ‬التي‭ ‬كثيرًا‭ ‬ما‭ ‬تفتح‭ ‬أبواب‭ ‬الندم‭ ‬الهدَّام‭.‬

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى