
أصرَّتْ قرينتي بعد أن مضى من شهر الصوم نصفه بفضل الله، وأقضيه صائمًا من دون مانع صحي، أن أقوم بشراء ملابس العيد التي وفرها أحد تجار المنطقة وأتاح للجميع إمكانية ما حلا لهم من الملابس المناسبة وحلا لها أي لون أن أرتدي، ولم يكن أمامي غير أن أقبل ذلك الإصرار وأُقلع عن عدم الاكتراث الذي طالما أبديته في الفترات الأخيرة، وقد دفعني لتجاوبي أكثر من سبب، أهمها تذكر سنوات النشأة الأولى حين كان لباس العيد واحدًا من الأولويات وبالذات عندما ارتبطتْ الأعياد والاستعداد لها مع ذلك التحوَّل الاقتصادي الناتج عن تفجر الثروة البترولية وتحولها إلى مورد يعود بعض فائضه إلى حياة النَّاس، عندما كنتُ بين الذين يتهيأون لبناء البيت وتوديع عالم اللاستقرار، وتزامن ذلك مع الإقامة بالمدينة وبلوغ ما تيسر فيها مع ذلك المشوار الذي بلغ أخطر مراحله مع سبعينيات القرن الماضي وبالتحديد أول عام منها عقب ذلك الصباح الذي تيسر ليَّ رسم ملامحه في ما دونتُ عن المرحلة في أثر مكتوب لم يقصّر نحوه عديد المجايلين بما تكرموا به إنصافًا كريمًا منهم، ورأيتُ فيه حُلة زادت على جميع الحُلل والتي ما كان ليَّ أن أرتديها ظاهرًا أو باطنًا لولا ما منَّ الله به من نعمة الزهد والحرص على حفظ جواهر الأشياء وليس جواهر المعادن التي كثيرًا ما أغرت بإنفاق الأثمن، ظنًا بأنه يمثل الفخر وهو لا يعني سوى الخزي الذي طالما يُستشعَر دون أن يُعلَن، لقد ذكرني اللون المقترح بتلك الألوان التي كثيرًا ما تلمسنا فيها حقيقة هوياتنا التي بدأتْ في النوادي الرياضية وتعمقتْ في مرحلة متقدمة بالسياسة ولا سيما قبيل هزيمة يونيو عشية سيطرة التيار الوحدوي القائم على حظر الحزبية التي بدأتْ من شرقنا واستقرتْ في النهاية عندنا مع صفة أمانة القومية العربية لتبقى مع الحقب الأربع، تلك التي اتضح لكل ذي بصيرة أنها لن تزول إلا بالتدخل الخارجي، وأن هذا التدخل متى يحصل، ولا بد أن يحصل، فلا مهرب من أن ينتج الأشد هولاً مما رأيناه ولمسناه وتجرعنا مرارة كؤوسه، والعزاء الوحيد هو انعدام المفاجأة في الكثير مما جرى ويجري وأن نجهر بما نرى في هذا الوسط وأن نلتمس العون بالممكن من النُصح أو على الأقل التماس العذر، وحسبنا ما روينا عن الأولين في قولهم «موتك مع العشرة كرامة» وهم يباركون التوافق على أي خلاف من الخلافات التي كثيرًا ما تفتح أبواب الندم الهدَّام.



