
عن مكابدة الحياة
مروة سالم الغرياني
في بلادنا اليوم لم تعدْ الحياةُ تقاسُ بالأيام الجميلة، بل بعدد المرات التي ينجو فيها الإنسانُ من الانهيار.
نستيقظ على الوجوه المتعبة نفسها الشوارع المثقلة بالحفر، نفس الأخبار نفسها التي لا تحمل جديدًا سوى مزيد من القلق… وكأنَّ الزمن واقفٌ، لكن الأعباءَ وحدها هي التي تتضاعف.
الغلاء يلتهم ما تبقى من المرتبات، والخدمات التي يفترض أن تكون بديهية تحوَّلتْ إلى معاناة يومية والإنسان البسيط أصبح عالقًا بين «لازم نتحمّل» و«ما فيش حل» لم يعد السؤال : كيف نعيشُ بشكل أفضل؟!، بل أصبح : كيف نصمد يومًا إضافيًا دون أن نفقد توازننا؟، في البيوت قصَّص وحكايات من التعب…
«أم» تُخفي قلقها خلف ابتسامة لأطفالها، «شابٌ» يحمل شهادة، ولا يحمل فرصة.
«رجلٌ» أثقلته المسؤوليات حتى صار السكوتُ لغته الوحيدة.
وسط كل هذا، يفرض سؤال نفسه بقوة :
هل ما نعيشه اليومَ حياةً .. أم مجرد محاولة مستمرة للتحمَّل؟.
بين الإيمان والصبر .. قراءةٌ دينيةٌ للواقع
يرى أ.مفتاح الصغير أن ما يمر به الإنسانُ اليوم، رغم قسوته، يندرج ضمن طبيعة الحياة الدنيا، التي هي دارُ ابتلاء، وليستْ دارَ استقرار.
ويؤكد أنَّ الصبر والتوكل على الله يمثلان الركيزة الأساسية لتجاوز الأزمات، مضيفًا: مهما اشتدتْ الظروف بأن الفرج قريب يمنح الإنسان القدرة على الاستمرار دون يأس أو قنوط.
حياة بلا نكهة..روتين يستهلك الأيام
من جهتها تصف الزميلة الصحفية منال البوصيري واقع الحياة اليومية بأنه فقد الكثير من بريقه، قائلةً: لم تعدْ الحياةُ ذلك الامتداد الرحب المليء بالأمنيات، بل أصبحت روتينًا قاسيًا، تتشابه فيه الأيام إلى حد مرهق. نؤدي ما علينا فقط، دون أن نشعر أننا نعيش فعلًا. محاولات للتكيّف لا حلول حقيقية.
هبة المزوغي ترى أن ما يعيشه المواطن اليوم ليس حلولًا بقدر ما هو «تكيّف إجباري» مع واقع صعب في ظل ثبات الدخل وارتفاع الأسعار.
أما منان عظيمة فيشبّه الحياة اليوم بـ«السباحة في المحيط»؛ حيث لا خيار أمام الإنسان سوى الاستمرار، رغم إدراكه أن الوصول قد يكون بعيدًا.
الشباب..أحلام مؤجلة ومستقبل غامض في فئة الشباب، يبدو المشهد أكثر تعقيدًا.
يقول مصطفى بن سعيدة: لم نعد نفكر في المستقبل. كل تفكيرنا كيف نعيش يومنا فقط.
ويضيف أن غياب الفرص ووضوح الرؤية جعل كثيرًا من الشباب يشعرون بالتهميش بل ويدفع بعضهم للاعتقاد بأن تحسين أوضاعهم قد يمر عبر طرق غير مشروعة، في ظل انسداد الأفق.
حياة مثقلة..بين الشكل والواقع
يختصر خليفة الغرياني المشهد بقولها : نعيش نعم، لكنها حياة مثقلة بالضغوط أقرب إلى تحمّل مستمر منها إلى حياة متوازنة.
بين البقاء والحياة يقول مؤيد مخزوم : إن ما نعيشه اليوم أقرب إلى «محاولة بقاء» منه إلى حياة مكتملة، في ظل ضغوط الغلاء وضيق الفرص؛ حيث يسعى الإنسان فقط لتجاوز يومه بأقل الخسائر. ومع ذلك أن الحياة لم تختفِ تمامًا، بل أصبحت «مضغوطة»، ومحدودة في لحظات صغيرة يصنعها الفرد بنفسه، كضحكة عابرة، أو أمل بسيط في الغد. ويختم بالقول : الواقع اليوم خليط بين التحمَّل والحياة. لكنه يميل أكثر للتحمَّل، ما لم نحاول بوعي استعادة معنى الحياة حتى في أبسط تفاصيلها. قراءة اجتماعية: ضغوط تتراكم وعلاقات تتأثر
يشير مختصون اجتماعيون إلى أن ما يمر به المجتمع الليبي يتجاوز كونه أزمة معيشية، ليصل إلى «تراكم ضغوط» أثّر على العلاقات داخل الأسرة والمجتمع.
التوتر أصبح جزءًا من التفاصيل اليومية، ما أدى إلى زيادة الخلافات، وتراجع القدرة على التحمَّل، وانتشار الشعور بالإحباط العام.
الجانب النفسي .. أما نفسيًا، فيحذر د بالنَّور من أن استمرار هذا النمط من الضغوط قد يؤدي إلى القلق المزمن والاكتئاب، خاصة مع لجوء الكثيرين إلى كبت مشاعرهم .. ويؤكد أحدهم:
أخطر ما في الأمر أن النَّاس تعودتْ على الألم وأصبح التحمَّل هو الوضع الطبيعي، وهذا مؤشر خطير.
خاتمًا .. ما بين الصمود والبحث عن الحياة ما يعيشه المواطن اليوم ليس مجرد ضيق عابر، بل اختبار يومي للصبر والقدرة على الاستمرار.
لكن الحقيقة التي لا يمكن تجاهلها : الإنسانُ خلقَ ليعيش لا ليقضي عمره في التحمَّل فقط.
وبين واقع ثقيل وأمل لا يجب أن ينطفئ تبقى الحاجة ملحّة لمراجعة أنفسنا كمجتمع: أن نخفف عن بعضنا، أن نصغي لبعضنا، وأن نعيد الاعتبار لفكرة «الحياة» لا مجرد «النجاة»
وفي الختام .. يبقى السؤال مفتوحًا


