اجتماعي

نحـن نعيـش أم نتـحـمل .. !!

فايزة العجيلي

عن‭ ‬مكابدة‭ ‬الحياة

  ‬مروة‭ ‬سالم‭ ‬الغرياني

في‭ ‬بلادنا‭  ‬اليوم‭ ‬لم‭ ‬تعدْ‭ ‬الحياةُ‭ ‬تقاسُ‭ ‬بالأيام‭ ‬الجميلة،‭ ‬بل‭ ‬بعدد‭ ‬المرات‭ ‬التي‭ ‬ينجو‭ ‬فيها‭ ‬الإنسانُ‭ ‬من‭ ‬الانهيار‭.‬

نستيقظ‭ ‬على‭ ‬الوجوه‭ ‬المتعبة‭ ‬نفسها‭ ‬الشوارع‭ ‬المثقلة‭ ‬بالحفر،‭ ‬نفس‭ ‬الأخبار‭ ‬نفسها‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تحمل‭ ‬جديدًا‭ ‬سوى‭ ‬مزيد‭ ‬من‭ ‬القلق‮…‬‭ ‬وكأنَّ‭ ‬الزمن‭ ‬واقفٌ،‭ ‬لكن‭ ‬الأعباءَ‭ ‬وحدها‭ ‬هي‭ ‬التي‭ ‬تتضاعف‭.‬

الغلاء‭ ‬يلتهم‭ ‬ما‭ ‬تبقى‭ ‬من‭ ‬المرتبات،‭ ‬والخدمات‭ ‬التي‭ ‬يفترض‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬بديهية‭ ‬تحوَّلتْ‭ ‬إلى‭ ‬معاناة‭ ‬يومية‭ ‬والإنسان‭ ‬البسيط‭ ‬أصبح‭ ‬عالقًا‭ ‬بين‭ ‬‮«‬لازم‭ ‬نتحمّل‮»‬‭ ‬و«ما‭ ‬فيش‭ ‬حل‮»‬‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬السؤال‭ : ‬كيف‭ ‬نعيشُ‭ ‬بشكل‭ ‬أفضل؟‭!‬،‭ ‬بل‭ ‬أصبح‭ : ‬كيف‭ ‬نصمد‭ ‬يومًا‭ ‬إضافيًا‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬نفقد‭ ‬توازننا؟،‭ ‬في‭ ‬البيوت‭ ‬قصَّص‭ ‬وحكايات‭  ‬من‭ ‬التعب‮…‬

‮«‬أم‮»‬‭ ‬تُخفي‭ ‬قلقها‭ ‬خلف‭ ‬ابتسامة‭ ‬لأطفالها،‭ ‬‮«‬شابٌ‮»‬‭ ‬يحمل‭ ‬شهادة،‭ ‬ولا‭ ‬يحمل‭ ‬فرصة‭.‬

‮«‬رجلٌ‮»‬‭ ‬أثقلته‭ ‬المسؤوليات‭ ‬حتى‭ ‬صار‭ ‬السكوتُ‭  ‬لغته‭ ‬الوحيدة‭.‬

وسط‭ ‬كل‭ ‬هذا،‭ ‬يفرض‭ ‬سؤال‭ ‬نفسه‭ ‬بقوة‭ :‬

هل‭ ‬ما‭ ‬نعيشه‭ ‬اليومَ‭ ‬حياةً‭ .. ‬أم‭ ‬مجرد‭ ‬محاولة‭ ‬مستمرة‭ ‬للتحمَّل؟‭.‬

بين‭ ‬الإيمان‭ ‬والصبر‭ .. ‬قراءةٌ‭ ‬دينيةٌ‭ ‬للواقع

يرى‭ ‬أ‭.‬مفتاح‭ ‬الصغير‭ ‬أن‭ ‬ما‭ ‬يمر‭ ‬به‭ ‬الإنسانُ‭ ‬اليوم،‭ ‬رغم‭ ‬قسوته،‭ ‬يندرج‭ ‬ضمن‭ ‬طبيعة‭ ‬الحياة‭ ‬الدنيا،‭ ‬التي‭ ‬هي‭ ‬دارُ‭ ‬ابتلاء،‭ ‬وليستْ‭ ‬دارَ‭ ‬استقرار‭.‬

ويؤكد‭ ‬أنَّ‭ ‬الصبر‭ ‬والتوكل‭ ‬على‭ ‬الله‭ ‬يمثلان‭ ‬الركيزة‭ ‬الأساسية‭ ‬لتجاوز‭ ‬الأزمات،‭ ‬مضيفًا‭:‬‭ ‬مهما‭ ‬اشتدتْ‭ ‬الظروف‭ ‬بأن‭ ‬الفرج‭ ‬قريب‭ ‬يمنح‭ ‬الإنسان‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬الاستمرار‭ ‬دون‭ ‬يأس‭ ‬أو‭ ‬قنوط‭.‬

حياة‭ ‬بلا‭ ‬نكهة‭..‬روتين‭ ‬يستهلك‭ ‬الأيام‭ ‬

من‭ ‬جهتها‭ ‬تصف‭ ‬الزميلة‭ ‬الصحفية‭ ‬منال‭ ‬البوصيري‭ ‬واقع‭ ‬الحياة‭ ‬اليومية‭ ‬بأنه‭ ‬فقد‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬بريقه،‭ ‬قائلةً‭: ‬لم‭ ‬تعدْ‭ ‬الحياةُ‭ ‬ذلك‭ ‬الامتداد‭ ‬الرحب‭ ‬المليء‭ ‬بالأمنيات،‭ ‬بل‭ ‬أصبحت‭ ‬روتينًا‭ ‬قاسيًا،‭ ‬تتشابه‭ ‬فيه‭ ‬الأيام‭ ‬إلى‭ ‬حد‭ ‬مرهق‭. ‬نؤدي‭ ‬ما‭ ‬علينا‭ ‬فقط،‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬نشعر‭ ‬أننا‭ ‬نعيش‭ ‬فعلًا‭. ‬محاولات‭ ‬للتكيّف‭ ‬لا‭ ‬حلول‭ ‬حقيقية‭.‬

هبة‭ ‬المزوغي‭ ‬ترى‭ ‬أن‭ ‬ما‭ ‬يعيشه‭ ‬المواطن‭ ‬اليوم‭ ‬ليس‭ ‬حلولًا‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬‮«‬تكيّف‭ ‬إجباري‮»‬‭ ‬مع‭ ‬واقع‭ ‬صعب‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬ثبات‭ ‬الدخل‭ ‬وارتفاع‭ ‬الأسعار‭.‬

أما‭ ‬منان‭ ‬عظيمة‭ ‬فيشبّه‭ ‬الحياة‭ ‬اليوم‭ ‬بـ«السباحة‭ ‬في‭ ‬المحيط»؛‭ ‬حيث‭ ‬لا‭ ‬خيار‭ ‬أمام‭ ‬الإنسان‭ ‬سوى‭ ‬الاستمرار،‭ ‬رغم‭ ‬إدراكه‭ ‬أن‭ ‬الوصول‭ ‬قد‭ ‬يكون‭ ‬بعيدًا‭.‬

الشباب‭..‬أحلام‭ ‬مؤجلة‭ ‬ومستقبل‭ ‬غامض‭ ‬في‭ ‬فئة‭ ‬الشباب،‭ ‬يبدو‭ ‬المشهد‭ ‬أكثر‭ ‬تعقيدًا‭.‬

يقول‭ ‬مصطفى‭ ‬بن‭ ‬سعيدة‭:‬‭ ‬لم‭ ‬نعد‭ ‬نفكر‭ ‬في‭ ‬المستقبل‭. ‬كل‭ ‬تفكيرنا‭ ‬كيف‭ ‬نعيش‭ ‬يومنا‭ ‬فقط‭.‬

ويضيف‭ ‬أن‭ ‬غياب‭ ‬الفرص‭ ‬ووضوح‭ ‬الرؤية‭ ‬جعل‭ ‬كثيرًا‭  ‬من‭ ‬الشباب‭ ‬يشعرون‭ ‬بالتهميش‭ ‬بل‭ ‬ويدفع‭ ‬بعضهم‭ ‬للاعتقاد‭ ‬بأن‭ ‬تحسين‭ ‬أوضاعهم‭ ‬قد‭ ‬يمر‭ ‬عبر‭ ‬طرق‭ ‬غير‭ ‬مشروعة،‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬انسداد‭ ‬الأفق‭.‬

حياة‭ ‬مثقلة‭..‬بين‭ ‬الشكل‭ ‬والواقع

يختصر‭ ‬خليفة‭ ‬الغرياني‭ ‬المشهد‭ ‬بقولها‭ : ‬نعيش‭ ‬نعم،‭ ‬لكنها‭ ‬حياة‭ ‬مثقلة‭ ‬بالضغوط‭ ‬أقرب‭ ‬إلى‭ ‬تحمّل‭ ‬مستمر‭ ‬منها‭ ‬إلى‭ ‬حياة‭ ‬متوازنة‭.‬

بين‭ ‬البقاء‭ ‬والحياة‭ ‬يقول‭ ‬مؤيد‭ ‬مخزوم‭ ‬‭: ‬إن‭ ‬ما‭ ‬نعيشه‭ ‬اليوم‭ ‬أقرب‭ ‬إلى‭ ‬‮«‬محاولة‭ ‬بقاء‮»‬‭ ‬منه‭ ‬إلى‭ ‬حياة‭ ‬مكتملة،‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬ضغوط‭ ‬الغلاء‭ ‬وضيق‭ ‬الفرص؛‭ ‬حيث‭ ‬يسعى‭ ‬الإنسان‭ ‬فقط‭ ‬لتجاوز‭ ‬يومه‭ ‬بأقل‭ ‬الخسائر‭. ‬ومع‭ ‬ذلك‭ ‬أن‭ ‬الحياة‭ ‬لم‭ ‬تختفِ‭ ‬تمامًا،‭ ‬بل‭ ‬أصبحت‭ ‬‮«‬مضغوطة‮»‬،‭ ‬ومحدودة‭ ‬في‭ ‬لحظات‭ ‬صغيرة‭ ‬يصنعها‭ ‬الفرد‭ ‬بنفسه،‭ ‬كضحكة‭ ‬عابرة،‭ ‬أو‭ ‬أمل‭ ‬بسيط‭ ‬في‭ ‬الغد‭. ‬ويختم‭ ‬بالقول‭ : ‬الواقع‭ ‬اليوم‭ ‬خليط‭ ‬بين‭ ‬التحمَّل‭ ‬والحياة‭. ‬لكنه‭ ‬يميل‭ ‬أكثر‭ ‬للتحمَّل،‭ ‬ما‭ ‬لم‭ ‬نحاول‭ ‬بوعي‭ ‬استعادة‭ ‬معنى‭ ‬الحياة‭ ‬حتى‭ ‬في‭ ‬أبسط‭ ‬تفاصيلها‭.      قراءة‭ ‬اجتماعية‭: ‬ضغوط‭ ‬تتراكم‭ ‬وعلاقات‭ ‬تتأثر

يشير‭ ‬مختصون‭ ‬اجتماعيون‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬ما‭ ‬يمر‭ ‬به‭ ‬المجتمع‭ ‬الليبي‭ ‬يتجاوز‭ ‬كونه‭ ‬أزمة‭ ‬معيشية،‭ ‬ليصل‭ ‬إلى‭ ‬‮«‬تراكم‭ ‬ضغوط‮»‬‭ ‬أثّر‭ ‬على‭ ‬العلاقات‭ ‬داخل‭ ‬الأسرة‭ ‬والمجتمع‭.‬

التوتر‭ ‬أصبح‭ ‬جزءًا‭ ‬من‭ ‬التفاصيل‭ ‬اليومية،‭ ‬ما‭ ‬أدى‭ ‬إلى‭ ‬زيادة‭ ‬الخلافات،‭ ‬وتراجع‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬التحمَّل،‭ ‬وانتشار‭ ‬الشعور‭ ‬بالإحباط‭ ‬العام‭.‬

الجانب‭ ‬النفسي‭ .. ‬أما‭ ‬نفسيًا،‭ ‬فيحذر‭ ‬د‭ ‬بالنَّور‭  ‬من‭ ‬أن‭ ‬استمرار‭ ‬هذا‭ ‬النمط‭ ‬من‭ ‬الضغوط‭ ‬قد‭ ‬يؤدي‭ ‬إلى‭ ‬القلق‭ ‬المزمن‭ ‬والاكتئاب،‭ ‬خاصة‭ ‬مع‭ ‬لجوء‭ ‬الكثيرين‭ ‬إلى‭ ‬كبت‭ ‬مشاعرهم‭ .. ‬ويؤكد‭ ‬أحدهم‭:‬

أخطر‭ ‬ما‭ ‬في‭ ‬الأمر‭ ‬أن‭ ‬النَّاس‭ ‬تعودتْ‭ ‬على‭ ‬الألم‭ ‬وأصبح‭ ‬التحمَّل‭ ‬هو‭ ‬الوضع‭ ‬الطبيعي،‭ ‬وهذا‭ ‬مؤشر‭ ‬خطير‭.‬

خاتمًا‭ ..‬‭ ‬ما‭ ‬بين‭ ‬الصمود‭ ‬والبحث‭ ‬عن‭ ‬الحياة‭ ‬ما‭ ‬يعيشه‭ ‬المواطن‭ ‬اليوم‭ ‬ليس‭ ‬مجرد‭ ‬ضيق‭ ‬عابر،‭ ‬بل‭ ‬اختبار‭ ‬يومي‭ ‬للصبر‭ ‬والقدرة‭ ‬على‭ ‬الاستمرار‭.‬

لكن‭ ‬الحقيقة‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬تجاهلها‭ :‬‭ ‬الإنسانُ‭ ‬خلقَ‭  ‬ليعيش‭ ‬لا‭ ‬ليقضي‭ ‬عمره‭ ‬في‭ ‬التحمَّل‭ ‬فقط‭.‬

وبين‭ ‬واقع‭ ‬ثقيل‭ ‬وأمل‭ ‬لا‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬ينطفئ‭ ‬تبقى‭ ‬الحاجة‭ ‬ملحّة‭ ‬لمراجعة‭ ‬أنفسنا‭ ‬كمجتمع‭: ‬أن‭ ‬نخفف‭ ‬عن‭ ‬بعضنا،‭ ‬أن‭ ‬نصغي‭ ‬لبعضنا،‭ ‬وأن‭ ‬نعيد‭ ‬الاعتبار‭ ‬لفكرة‭ ‬‮«‬الحياة‮»‬‭ ‬لا‭ ‬مجرد‭ ‬‮«‬النجاة‮»‬

وفي‭ ‬الختام‭ .. ‬يبقى‭ ‬السؤال‭ ‬مفتوحًا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى