اجتماعيرأي

هل سقطت دولة الرجل؟

فايزة العجيلي

                                  
لم يكن عمر  يرفع صوته.
خمسة عشر عامًا من الزواج علّمته أن السكوت أحيانًا أذكى من الجدل، وأن التنازل يُسمّى نضجًا حينًا، وضعفًا حينًا آخر، بحسب من يراقب المشهد.
في مساءٍ عادي، جلس عمر  على طرف الأريكة، يتأمل فنجان القهوة الذي برد قبل أن يلمسه. لم يكن القرار بيده هذا المساء، ولا في أمسيات كثيرة سبقت. وجهة العطلة، مدرسة الأبناء، وحتى زيارة والدته… كلها تفاصيل تُناقَش، لكن نادرًا ما تُحسم برأيه.
زوجته نجلاء  لم تكن امرأة متسلطة. كانت متعلمة، عاملة، دقيقة في حساباتها، تؤمن أن الشراكة تعني ألّا يحتكر أحد القرار. كانت ترى في صمت عمر  قبولًا، وفي تراجعه حكمة. لم تنتبه أن السكوت ، حين يطول، يتحول إلى شعور بالإقصاء.
عمر  لا يشعر أنه فقد مكانته كرجل، بقدر ما يشعر أنه تحمّل المسؤولية وبقي خارج الدائرة.
يدفع الإيجار، يؤمّن احتياجات البيت، يقف عند الأزمات، لكن حين يحين وقت القرار… يُطلب منه التفهّم لا الرأي.
هنا بالضبط يتسلل السؤال الكبير إلى البيوت الحديثة:
هل ما تزال للرجل سلطة في البيت؟ أم أننا استبدلناها بتوازن هشّ لا يعترف بأحد؟
لم تعد السلطة الأسرية كما عرفها الآباء. لم تعد الكلمة العليا حكرًا على الرجل، ولم يعد البيت يدار بمنطق (الآمر والمأمور) . هذا التحوّل، في جوهره، نتيجة طبيعية لتغيّر المجتمع، ودخول المرأة مجال العمل، وارتفاع الوعي بالحقوق الفردية.
لكن الإشكال لا يكمن في تراجع السلطة التقليدية، بل في غياب بديل واضح لها.
فالسلطة التي تُلغى دون أن تُستبدل بشراكة حقيقية، تترك فراغًا. وهذا الفراغ لا يُملأ بالحب وحده، بل غالبًا بالتوتر .
نجلاء، من جانبها، لم تكن تدرك أن إدارتها المحكمة للبيت، وحرصها على التفاصيل، سحبت دون قصد مساحة عمر  في القيادة. كانت ترى نفسها شريكة قوية، ولم تنتبه أن القوة حين لا تُوازن، تُقصي الطرف الآخر.
الأبناء كبروا في بيت هادئ ظاهريًا، لكنه مرتبك في داخله. لا يعرفون من صاحب القرار الأخير، ولا إلى من يلجؤون حين تختلف الآراء. وحين تغيب المرجعية، لا تنشأ الحرية، بل يتكوّن الارتباك.
القضية إذن ليست في بقاء سلطة الرجل أو زوالها، بل في إعادة تعريفها.
سلطة لا تقوم على القهر، ولا تُختزل في الصراخ، بل تُبنى على الثقة، والتكامل، وتحمل القرار وقت الحاجة.
عمر  لا يريد أن (يحكم) بيته، ونجلاء لا تريد أن (تنتصر) . كلاهما يريد بيتًا متماسكًا. لكن البيوت لا تُدار بالنوايا الحسنة فقط، بل بالوضوح، وتوزيع الأدوار، والاعتراف المتبادل بالمساحة.
في النهاية، ربما لم تعد للرجل تلك السلطة القديمة…
لكن الأخطر من زوالها، أن يتحول البيت إلى مكان يُدار بلا قائد، وبلا شراكة حقيقية.
فالأسرة لا تحتاج رجلًا مسيطرًا، ولا امرأة مُلغية،
بل تحتاج اتفاقًا صريحًا: من يقرر؟ متى؟ وكيف؟
وإلا، سيبقى عمر  جالسًا أمام فنجان قهوة بارد،
وتبقى نجلاء تظن أن كل شيء على ما يرام…
بينما البيت، في العمق، يفقد توازنه بهدوء.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى