هوس التعقيم .. الوسواس المزمن : عندما يتحول البيت إلى مــــستودع منظفات

في كل زاوية من زوايا بيوتنا، تكتظ الرفوفُ بزجاجات ملونة وأسماء براقة؛ هذا للدهون، وذاك للتعقيم، وآخر لتعطير الأجواء. وبالنسبة لربة البيت، أصبحتْ «خلطات التنظيف» هي المعيار الذهبي لبيت مثالي، لكن خلف تلك الرغوة الكثيفة والرائحة النفاذة، يختبئ عدو خفي يتسلَّل إلى الرئتين ويحرق ملمس الأيدي. فلم يعد الأمر مجرد «نظافة وتلميع»، بل تحوَّل عند الكثيرات إلى هوس دفع ببعضهن لخلط أنواع مختلفة من المواد الكيمياوية مثل: الكلور ومزيلات الدهون، مما ينتج غازات سامة قد تؤدي إلى اختناقات مفاجئة، أو أمراض صدرية مزمنة بدأتْ تفرض ضريبتها على صحة المرأة، محولةً روتين التنظيف اليومي من مهمة منزلية إلى رحلة محفوفة بالمخاطر الصحية التي لا تظهر آثارها إلا بعد فوات الأوان.
في هذا الاستطلاع كانت لنا آراء مختلفة لنسأل عن مدى وعي ربات البيوت بمخاطر هذه المواد، وكيف يمكن حماية الأسرة من مضاعفات كيمياوية قد تنهي رائحة الانتعاش بمأساة صحية.
تقول ربة المنزل ليلى الأسطى:
لا أشعر بنظافة البيت إلا إذا شمَّمتُ رائحة الكلور قوية في كل الزوايا.واحبُ أن استعملها في كل مكان ولكن للاسف أصبتُ بحساسية جلدية مزمنة «إكزيما» في يديّ، وأحيانًا أشعرُ بضيق تنفس، لكنَّني لا أستطيع التوقف.
أشعر أن الجراثيم تلاحقنا، والمنظفات القوية هي سلاحي الوحيد لذلك يجب التقليل منها والمحافظة على أنفسنا .
وتصف زهرة الترهوني المسألة دائمًا بالسرعة على حساب الامان في كل شيء تعلق : بصفتي امرأة عاملة ليس لدي وقتٌ للخلطات الطبيعيه أبحث عن المنظف الذي يزيل الدهون في ثوانٍ.
أعرف أن هذه المواد مضرة ولقد لاحظت ان طفلي الصغير يسعل بشده عندما اقوم بتنظيف المطبخ لذا أحاول استخدامه في غيابه لكنَّني اعترف أننا نضحي بصحتنا من أجل سرعة التنظيف
وتقول مريم الفقي : قرَّرتُ مقاطعة أغلب المنظفات التجارية بعد أن أصيبتْ ابنتي بضيق تنفس حاد نتيجة خلط ‹الفلاش› مع ‹الكلور›. اكتشفتُ أن الخل، بيكربونات الصوديوم، والليمون يقدمون نتائج مذهلة دون حرق الرئتين.
نحن نشتري المرض بأموالنا، والشركات تخدعنا بالروائح العطرية التي تخفي خلفها غازات سامة. لذلك يجب العودة إلى «وصفات الجدة»..
وتنبه السيدة سمر بلحاج إلى خطأ شائع تقع فيه ربات البيوت وهو «الخلط العشوائي» لأن خطر الكلور + الفلاش ينتج عنه غاز الكلور السام الذي قد يؤدي للاختناق الفوري.
ويزيد خطر المنظفات في الأماكن المغلقة تنظيف الحمامات دون تهوية يسبب تلفًا تدريجيًا في الأنسجة الرئوية .. كما أن الافراط في التنظيف هو وسواس والإفراط في التعقيم يسبب الحساسية، وضيق تنفس وإذا كان لا بد من استخدام الكيماويات، يجب اتباع قاعدة «التهوية + القفازات + عدم الخلط».
وتؤكد نعيمة الخويلدي أن رائحة النظافة الحقيقية هي «اللاشيء»، وليستْ رائحة المواد الكيميائية الخانقة. فالتوعية بمخاطر المنظفات الكيميائية لم تعد ترفاً، بل ضرورة صحية؛ حيث يغفل الكثيرون عن أن هذه المواد والتي تكون «سموماً ناعمة» تتسلَّل للجسم عبر الجلد والاستنشاق.
وتضيف نصيحتي إلى كل ربة منزل تقضي ساعات في العناية ببيتها، وإلى كل من تعاني من حساسية مفاجئة: الابتعاد عن استخدام المنظفات الكيميائية الكلور، فلاش، مزيلات الدهون لأن لها أثر مباشر وسريع على صحتكم وصحة أطفالكم، وتسبب جفافًا شديدًا، تشققات، أو أكزيما في اليدين.والتي تسمى طبياً «أكزيما التماس التهيجية»، وهي ليست مجرد جفاف بسيط، بل معركة يخوضها الجلد ضد المواد الكيميائية القوية.
من جانبها توضح بسمة الشارف أن المنظفات تدمر حاجز الجلد لأن الجلد مغطى بطبقة رقيقة من الزيوت الطبيعية «الدهون» التي تعمل كدرع واقٍ.
وتعلق : بصراحة المنظفات الكيميائية مصمَّمة أصلاً «لتفتيت الدهون» في الأواني أو الأرضيات؛ وللأسف هي لا تفرق بين دهون الأطباق، ودهون بشرتك!.
عند ملامسة المنظف للجلد، يقوم بسحب هذه الزيوت تمامًا.يصبح الجلد «مكشوفًا»، مما يسمح للمواد الكيميائية بالنفاذ إلى الطبقات العميقة، وهنا تصبح زائرًا رسميًا لقسم الجلدية، وتبدأ مراحل المعاناة بالتدرج للمرض.
سهير المحجوب تقدم تجربتها الشخصية مع المنظفات قائلة:
مرحلة الجفاف والخشونة تبدأ بفقدان مرونة الجلد، والشعور بـ «شد» بعد الغسيل ثم مرحلة التشققات: يبدأ الجلد بالتشقَّق، خاصة عند مفاصل الأصابع، وتكون هذه التشقَّقات مؤلمة جداً وقد تنزف.
تأتي بعدها مرحلة الحكة والاحمرار؛ حيث تظهر بقع حمراء ملتهبة، تصاحبها حكة هستيرية تزداد ليلاً.
ثم نصل إلى مرحلة «الأكزيما المزمنة»: هنا يصبح الجلد سميكًا، وشبيهًا بجلد الفيل، وقد تظهر فقاعات صغيرة تحت الجلد مملوءة بسوائل.
وتضيف : إن أخطر المواد المسبَّبة للأذى هي المذيبات القوية مثل الفلاش والجفال: إذ تسبَّب حروقاً كيميائية فورية، أو تآكلاً تدريجياً.
طبعا هذه العطور والمواد الحافظة تضاف للمنظفات لتعطي رائحة جميلة، لكنها المسبَّب الأول لـ «الحساسية التلامسية».
وتنصح مروة خليفة المتضرَّرين من مواد التنظيف بناءً على تجارب ناجحة :
يجب ارتداء قفازات قطنية رقيقة تحت القفازات المطاطية؛ لأنَّ العرق داخل المطاط يزيد من تهيج الأكزيما. ثم الترطيب الفوري: يجب وضع كريم مرطب طبي «خالٍ من العطور» فور تجفيف اليدين من الماء.
وتواصل : محاولة الانتقال للبدائل مهمة مثل : استخدام «صودا الخبز» مع «الخل» ينظف أغلب الأسطح بكفاءة عالية ودون أي مخاطر جلدية، أو تنفسية.
تصف إيمان نصر واقع تعاملنا مع مواد التنظيف وفق معادلة السلب والإيجاب فهي أي المنظفات أصبحتْ جزءًا أساسيًا من الحياة اليومية داخل كل المنازل.
لكن في المقابل لها تأثيراتها الصحية، خاصة على ربات البيوت اللواتي يتعاملن معها بشكل متكرَّر والحقيقة تُقال أنه لا يمكن الاستغناء عنها خصوصًا مواد التنظيف الحديثة، فهي توفر الوقت والجهد، وتعطي نتائج سريعة.
وتذكرنا إيمان بالحياة في الماضي الذي ربما يقودونا إلى بعض البدائل بقولها في السابق كنا نعتمد على الصابون العادي، والصابون الأخضر فهو أكثر تنظيفًا للملابس دون رائحة، وبه بعض المواد البسيطة.
اليوم كثرة المواد الكيميائية سريعة النتائج لكنها خطيرة إذا استُخدمتْ بشكل مفرط.
وتحاول خديجة درويش أن تقيم المسألة بشكل أكثر إدراكًا فهي ترى أن المشكلة تكمن في سوء الاستخدام حيث تعلق : يجب قراءة التعليمات وعدم خلط المواد مع بعضها، واستعمال القفازات والكمامات، والانتباه للأطفال عند استعمال المواد المنظفة وتخفيفها بالماء خصوصًا «الوركينة المركزة».
قادنا موضوع المنظفات مع الدكتورة نور الترهوني إختصاصية جلدية؛ حيث سألناها عن المرحلة التي تصبح فيها مواد التنظيف خطرًا.
فأجابتْ أن ذلك يرتبط باستخدامها بتركيزات عالية أو يتم خلطها مع مواد أخرى أو تستعمل في أماكن مغلقة دون تهوية.
في هذه الحالة تتحوَّل من وسيلة تنظيف إلى مصدر تسمَّم واستنشاق مواد مهيّجة.
عند خلط المنظفات الكلور + فلاش أو خل ماذا يحدث؟.
عند خلط الكلور هيبوكلوريت الصوديوم مع الخل أو الأحماض ينتج غاز الكلور «Cl الأمونيا» في بعض المنظفات ينتج غاز الكلورامين هذه الغازات تهاجم مباشرة الجهاز التنفسي تسبب ضيق تنفس سعال حاد وحرقان في الصدر وفي الحالات الشديدة يؤدي إلى اختناق
هل يمكن حدوث «تسمم صامت»؟
نعم، وهذا الأخطر. التعرَّض المستمر لكميات صغيرة من الأبخرة قد يؤدي إلى صداع مستمر، دوخة خفيفة، تهيّج بسيط في العين وتعب عام.
وتضيف غالبًا لا يتم ربط هذه الأعراض بالمنظفات، خاصة عند الأطفال.. كما أن إكزيما ربات البيوت أخطر المضاعفات والتعامل المباشر دون حماية قد يؤدي إلى جفاف شديد وتشقَّق الجلد والتهابات مزمنة
وحساسية دائمة Contact dermatitis.
هل تسبَّبُ المنظفاتُ الحساسية والربو للأطفال؟
نعم، هناك ارتباطٌ علمي واضح فالتعرض المستمر للأبخرة الكيميائية خاصة في السنوات الأولى من العمر قد يؤدي إلى زيادة احتمال الإصابة بالربو فحساسية الجهاز التنفسي تهيّج الشعب الهوائية، تأثير الأبخرة على العين والدماغ قد تسبب إحمرار وحرقان في العين ودموع مستمرة، وصداع مزمن وأحيانًا غثيان واضطراب تركيز
هل قوة الرائحة = نظافة؟
هذا مفهوم خاطئ تمامًا، الرائحة القوية تعنى تركيز كيميائي عالي وتطاير لمواد مهيّجة، فالنظافة الحقيقية تعتمد على المادة الفعالة وقت التلامس، وليس شدة الرائحة، كما أن هناك أخطاءً شائعة أثناء التنظيف مثل : إغلاق النوافذ أثناء استخدام الكلور، وخلط أكثر من منتج، ورش المنظفات في الهواء، واستخدام كميات كبيرة «للتأكيد» ثم تنظيف الحمام دون تهوية.
هل البدائل الطبيعية فعلة؟
مفيدة في التنظيف اليومي الخفيف،وإزالة الدهون، والروائح لكنها ليستْ معقّمًا قويًا ضد الجراثيم الخطيرة.
وتقدم د. الترهونى «روشتة الأمان» لكل سيدة بالقول :
لا تخلطي أي منظفين مع بعض، افتحي النوافذ دائماً، استخدمي قفازات كما يفضل كمامة عند استخدام الكلور واستخدمي الكمية الموصى بها فقط، أيضًا أبعدي الأطفال أثناء التنظيف، خزّني المنظفات بشكل آمن لا تستخدمي منتجات مجهولة، ولا تعتمدي على الرائحة كمقياس، اغسلي يديك جيدًا بعد الانتهاء.
هوس التعقيم.. فاتورته صحية
ربات البيوت
بين وسواس النظافة وفخ الكيماويات



