
هكذا يختصر المتقاعدون حكايتهم اليوم: أعمار أُنفقت في التعليم، والصحة، والإدارة، وبناء مؤسسات الدولة، لتنتهي بمرتب لا يتجاوز 900 دينار، في بلد تلتهم فيه الأسعار كل شيء إلا وعود المسؤولين.
أنا تقاعدتُ… وتوا نتحصل على 900 دينار. بالله عليك، في الغلاء هذا شن بيديروا؟
شهد عبد الحفيظ
بهذه الكلمات البسيطة، الصادمة، لخص أ.المربي الهادي، أحد قدامى المعلمين بوزارة التعليم، مأساة آلاف المتقاعدين، الذين وجدوا أنفسهم فجأة خارج حسابات الدولة، وكأن سنوات الخدمة تحوّلت إلى عبء لا استحقاق.
الإطار القانوني: قانون موجود… وحقوق غائبة
صدر القانون رقم )5( لسنة 2013 بشأن نظام التقاعد والتأمين الاجتماعي، واضعًا أسسًا واضحة لضمان حياة كريمة للمتقاعدين، وربط المعاشات بمستوى المعيشة والتغيرات الاقتصادية.
لكن، وبعد أكثر من عقد على صدوره، ما يزال القانون حبراً على ورق، لم تُفعّل بنوده بالشكل الذي يحمي المتقاعد من الفقر والعوز، ولم تُواكب المعاشات الارتفاع الجنوني في الأسعار ولا انهيار القدرة الشرائية.
المفارقة المؤلمة أن القانون ساري المفعول وواجب التنفيذ، لكن التعطيل المستمر يعود بحسب مختصين إلى وزارة المالية ومصرف ليبيا المركزي، في ظل انقسام حكومي وفشل في إقرار ميزانية موحدة، يدفع ثمنه المتقاعد وحده.
قصص من الهامش .. حين يصبح العمر حملاً ثقيلاً
المرتب يخلص قبل نص الشهر. وضمن القصص الكثيرة التي تشبه بعضها في الألم، تبرز حكاية متقاعد لا يريد ذكر اسمه يقول أنه يتقاضى 900 دينار شهريًا، يُخصم منها القرض وفاتورة الكهرباء، فلا يبقى في يده سوى 700 دينار، وأحيانًا أقل مبلغ لا يكفي لتغطية أساسيات الحياة، فكيف إذا اقترن بالمرض؟
زوجته تحتاج علاجًا أسبوعيًا لا يقل عن 300 دينار، علاج منتظم لا يحتمل التأجيل. ومع كل أسبوع، تتكرَّر الأزمة ذاتها، ويقف الرجل أمام خيارات مستحيلة:
سداد دين متراكم، أو شراء دواء، أو توفير مصروف البيت.
يقول بمرارة:
والله معاش قدرت نوفّق.. كل شيء ضروري، وكل شيء فوق طاقتي.
في ذروة العجز، راودته فكرة الطلاق، لا تخليًا عن زوجته، بل كمحاولة يائسة لتمكينها من الاستفادة من منظومة التضامن الاجتماعي والحصول على علاجها. فكرة صادمة، لكنها تكشف إلى أي حد يمكن أن يدفع الفقر المرضى وذويهم إلى قرارات قاسية، لا تشبههم ولا تعبر عنهم.
الحاج م.ع، متقاعد من قطاع الصحة، يعاني من السكري والضغط:
دوائي بروحه يكلف أكثر من 400 دينار، غير الفحوصات. مرات نضطر نختار: يا دوا يامصروف الحوش
أرملة براتب لا يكفي الأطفال
أم لثلاثة أطفال، زوجها متوفى، تعيش على معاش ضماني 900 دينار:
نبي نربي صغاري بكرامة، لكن المرتب هذا ما يكفي حتى للأكل. التعليم، الملابس، العلاج… كله دين فوق دين.
سالم… المعلّم الذي صار يحسب حبات الدواء
سالم 67 سنة، معلّم لغة عربية سابق.
قضى أكثر من ثلاثين سنة داخل الفصول، صوته ما زال يحمل نبرة الشرح، لكن جسده لم يعد يحتمل.
يتقاضى 900 دينار شهريًا.
يعاني من السكري وضغط الدم، ويحتاج إلى أدوية ثابتة وفحوصات دورية. يقول:
المرتب يخلص قبل ما يكمل الشهر. الدوا يأكل أغلبه. مرات نأكل مرة وحدة في اليوم.
لم يعتد سالم الشكوى، لكنه اليوم يشعر أن الدولة التي خدمها تركته وحده في مواجهة المرض والغلاء.
أرملة تكذب على أطفالها
آماني ، 38 سنة، أرملة منذ خمس سنوات.
زوجها كان موظفًا بسيطًا، وبعد وفاته أصبحت تعتمد كليًا على معاش ضماني 900 دينار.
لديها ثلاثة أطفال، أكبرهم في المرحلة الإعدادية.
تقول بصوت مكسور:
لما يسألوني شن الغدا، نقول جاهز. ونقعد نفكر كيف نوفّره.
الإيجار، الأكل، مصاريف المدرسة… كلها أكبر من المرتب.
أحيانًا تعتمد على الجيران، وأحيانًا على الصمت.
متقاعد بلا سقف
مفتاح، 71 سنة، خدم مدينته أكثر من 35 سنة.
اليوم يسكن في شقة إيجار بـ500 دينار.
بعد الإيجار يفضل 400. شن يديروا؟ كهربا؟ أكل؟ علاج؟
أبناؤه عاطلون عن العمل، وهو يخجل أن يطلب منهم المساعدة.
يقول:
خدمت الدولة، واليوم الدولة ما تشوفنيش.
د. محمود .. أ. الجامعة الذي انكسرت هيبته
الدكتور محمود، متقاعد من جامعة ليبية معروفة، كان يُشار إليه بالبنان، واليوم يرفض ذكر اسمه الكامل.
أصعب حاجة إني نطلب سلفة من طالب كنت ندرّسه.
معاشه لا يغطي التزاماته الأساسية، خاصة بعد إصابته بمشاكل في القلب.
يقول بحسرة:
العلم ما حمانيش من الفقر.
خولة أرملة مريضه تعاني من السكري والضغط.
زوجها توفي وترك لها طفلين في سن الدراسة.
نختار بين علاجي ومصاريف صغاري.
تراكمت عليها الديون، وباتت تخشى المرض أكثر من الموت، لأن العلاج أصبح حلمًا.
علي… المتقاعد الذي يخاف من المستشفى
علي، متقاعد من قطاع النفط.
يعاني من آلام مزمنة في المفاصل، لكنه يؤجل الفحوصات.
كشف الدكتور بروحها غالية. نقول نخليها لوقت الضرورة.
الضرورة، في حياته، مؤجلة دائمًا.
عبدالله … كرامة مهددة
العمر 69 سنة، عمل في المرافق العامة.
يعيش وحده بعد وفاة زوجته.
نفضل نرقد جعان على إني نطلب.
يقول إن الفقر كسر أشياء كثيرة، لكن أخطرها كسره للكرامة.
فاطمة… متقاعدة بلا سند
فاطمة، 62 سنة، متقاعدة ولم تُرزق بأبناء.
تعيش وحدها في بيت قديم.
لو مرضت، ما عنديش حد يجيبلي دوا.
تعتمد على جيرانها أحيانًا، وعلى الله دائمًا.
رجاء …
وتقول أرملة وأم لطفلين.
تفكر جديًا في إخراج أحدهما من المدرسة.
المصاريف المدرسية كسرتنا.
تشعر بالذنب، لكنها لا ترى بديلًا.
يونس … يعمل رغم مرض القلب العمر 65 سنة، متقاعد ويعاني من مشاكل في القلب.
يعمل حارسًا ليليًا لتأمين مصروف إضافي.
الراحة صارت رفاهية.
كل ليلة يغامر بصحته ليعيش.
سلوى … ضحية الإشاعات
سلوى ، أرملة، تتابع الأخبار على فيسبوك بقلق.
كل ما يقولوا فيه زيادة نفرح… وبعدها نكتشف كذب.
تقول إن الألم الحقيقي ليس الفقر، بل الأمل الذي يُكسر كل مرة.
وفي الطريق وجدت طفل يعيل جدته
عمره 14 سنة يعمل بعد المدرسة.
نعاون جدتي المتقاعدة.
يحلم بالدراسة، لكن الواقع يفرض عليه أن يكبر قبل أوانه.
متقاعد قالها بهدوء:
ما نبيش قصور… نبي نعيش بسلام لين نلقى ربي. هذه ليست قصصًا معزولة، بل صورة يومية لواقع يُدار بالإهمال.
المتقاعد لم يعد يسأل عن الرفاه، بل عن النجاة.
ومع كل يوم تأخير في زيادة المعاشات، يتآكل ما تبقّى من العمر والكرامة.
فمتى تتحرك الدولة؟ ومتى يصبح القانون فعلًا لا وعدً .
الأكثر قهرًا، كما يقول متقاعدون، هو تداول أخبار كاذبة عن زيادات (وهمية) على وسائل التواصل الاجتماعي، تُشعل الأمل ثم تطفئه، دون أي توضيح رسمي:
(صرنا مادة وحديث الساعة … لا حد يوضح، لا حد يعتذر.)
مقارنة موجعة: من يعيش في رفاه… ومن يحصي الدواء
في الوقت الذي يكافح فيه المتقاعد لتأمين قوت يومه، تُصرف آلاف الدنانير كمرتبات ومزايا لنواب وأعضاء مجالس وهيئات ولجان دستورية ووزراء، في مشهد يعمّق الإحساس بالظلم الاجتماعي وانعدام العدالة.
ليس المطلوب امتيازات، بل حد أدنى من الإنصاف، يحفظ كرامة من خدم الدولة قبل أن تُولد أغلب هذه المؤسسات.
إلى أين يتجه المتقاعد؟
قانون موجود… أموال تُصرف… ومسؤوليات ضائعة بين الجهات.
المتقاعد اليوم لا يسأل عن رفاه، بل عن البقاء:
كيف يواجه الغلاء؟
كيف يعالج أمراض الشيخوخة؟
كيف يحمي أبناءه وأحفاده من الفقر؟
قانونيًا، يحق للمتقاعدين اللجوء إلى النائب العام، باعتبار أن الامتناع عن تنفيذ قانون نافذ يُعد مخالفة صريحة، لكن أغلبهم لا يملك لا الطاقة ولا الأدوات لمعركة قانونية طويلة.
ختاما : متى تُعاد الكرامة؟
السؤال لم يعد: هل ستُزاد مرتبات المتقاعدين؟
بل: متى؟ ولماذا هذا الصمت؟
إلى متى يُترك من بنوا الدولة على الهامش؟
إلى متى تُدار الظهر لفئة أفنت عمرها في الخدمة، ثم وُضعت في سلة الانتظار؟
زيادة مرتبات المتقاعدين ليست منّة، بل حق مشروع، وتأخيرها ظلم، والسكوت عنها مشاركة فيه.
فالحياة فانية، والسلطة زائلة، وما يبقى هو دعاء مظلوم، وحق لم يُؤدَّ، وكرامة أُهينت.
المتقاعد ليس رقمًا… المتقاعد تاريخ يمشي على قدمين.
والسؤال الذي سيبقى معلقًا في ضمير هذا الوطن:
متى تُنصف الدولة المتقاعدين، قبل أن يفوت الأوان؟


