اجتماعي

مرتبات المتقاعدين 900 دينار لا تكفـــي لحياة كريمة

اشراف / فايزة العجيلي

هكذا‭ ‬يختصر‭ ‬المتقاعدون‭ ‬حكايتهم‭ ‬اليوم‭: ‬أعمار‭ ‬أُنفقت‭ ‬في‭ ‬التعليم،‭ ‬والصحة،‭ ‬والإدارة،‭ ‬وبناء‭ ‬مؤسسات‭ ‬الدولة،‭ ‬لتنتهي‭ ‬بمرتب‭ ‬لا‭ ‬يتجاوز‭ ‬900‭ ‬دينار،‭ ‬في‭ ‬بلد‭ ‬تلتهم‭ ‬فيه‭ ‬الأسعار‭ ‬كل‭ ‬شيء‭ ‬إلا‭ ‬وعود‭ ‬المسؤولين‭.‬

أنا‭ ‬تقاعدتُ‮…‬‭ ‬وتوا‭ ‬نتحصل‭ ‬على‭ ‬900‭ ‬دينار‭. ‬بالله‭ ‬عليك،‭ ‬في‭ ‬الغلاء‭ ‬هذا‭ ‬شن‭ ‬بيديروا؟

‭ ‬شهد‭ ‬عبد‭ ‬الحفيظ‭ ‬

بهذه‭ ‬الكلمات‭ ‬البسيطة،‭ ‬الصادمة،‭ ‬لخص‭ ‬أ‭.‬المربي‭ ‬الهادي،‭ ‬أحد‭ ‬قدامى‭ ‬المعلمين‭ ‬بوزارة‭ ‬التعليم،‭ ‬مأساة‭ ‬آلاف‭ ‬المتقاعدين،‭ ‬الذين‭ ‬وجدوا‭ ‬أنفسهم‭ ‬فجأة‭ ‬خارج‭ ‬حسابات‭ ‬الدولة،‭ ‬وكأن‭ ‬سنوات‭ ‬الخدمة‭ ‬تحوّلت‭ ‬إلى‭ ‬عبء‭ ‬لا‭ ‬استحقاق‭.‬

الإطار‭ ‬القانوني‭: ‬قانون‭ ‬موجود‮…‬‭ ‬وحقوق‭ ‬غائبة

صدر‭ ‬القانون‭ ‬رقم‭ )‬5‭( ‬لسنة‭ ‬2013‭ ‬بشأن‭ ‬نظام‭ ‬التقاعد‭ ‬والتأمين‭ ‬الاجتماعي،‭ ‬واضعًا‭ ‬أسسًا‭ ‬واضحة‭ ‬لضمان‭ ‬حياة‭ ‬كريمة‭ ‬للمتقاعدين،‭ ‬وربط‭ ‬المعاشات‭ ‬بمستوى‭ ‬المعيشة‭ ‬والتغيرات‭ ‬الاقتصادية‭.‬

لكن،‭ ‬وبعد‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬عقد‭ ‬على‭ ‬صدوره،‭ ‬ما‭ ‬يزال‭ ‬القانون‭ ‬حبراً‭ ‬على‭ ‬ورق،‭ ‬لم‭ ‬تُفعّل‭ ‬بنوده‭ ‬بالشكل‭ ‬الذي‭ ‬يحمي‭ ‬المتقاعد‭ ‬من‭ ‬الفقر‭ ‬والعوز،‭ ‬ولم‭ ‬تُواكب‭ ‬المعاشات‭ ‬الارتفاع‭ ‬الجنوني‭ ‬في‭ ‬الأسعار‭ ‬ولا‭ ‬انهيار‭ ‬القدرة‭ ‬الشرائية‭.‬

المفارقة‭ ‬المؤلمة‭ ‬أن‭ ‬القانون‭ ‬ساري‭ ‬المفعول‭ ‬وواجب‭ ‬التنفيذ،‭ ‬لكن‭ ‬التعطيل‭ ‬المستمر‭ ‬يعود‮ ‬‭ ‬بحسب‭ ‬مختصين‮ ‬‭ ‬إلى‭ ‬وزارة‭ ‬المالية‭ ‬ومصرف‭ ‬ليبيا‭ ‬المركزي،‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬انقسام‭ ‬حكومي‭ ‬وفشل‭ ‬في‭ ‬إقرار‭ ‬ميزانية‭ ‬موحدة،‭ ‬يدفع‭ ‬ثمنه‭ ‬المتقاعد‭ ‬وحده‭.‬

قصص‭ ‬من‭ ‬الهامش‭ .. ‬حين‭ ‬يصبح‭ ‬العمر‭ ‬حملاً‭ ‬ثقيلاً

المرتب‭ ‬يخلص‭ ‬قبل‭ ‬نص‭ ‬الشهر‭.‬‮               ‬‭                                      ‬‮ ‬‭ ‬وضمن‭ ‬القصص‭ ‬الكثيرة‭ ‬التي‭ ‬تشبه‭ ‬بعضها‭ ‬في‭ ‬الألم،‭ ‬تبرز‭ ‬حكاية‭ ‬متقاعد‭ ‬لا‭ ‬يريد‭ ‬ذكر‭ ‬اسمه‭ ‬يقول‮ ‬‭ ‬أنه‭ ‬يتقاضى‭ ‬900‭ ‬دينار‭ ‬شهريًا،‭ ‬يُخصم‭ ‬منها‭ ‬القرض‭ ‬وفاتورة‭ ‬الكهرباء،‭ ‬فلا‭ ‬يبقى‭ ‬في‭ ‬يده‭ ‬سوى‭ ‬700‭ ‬دينار،‭ ‬وأحيانًا‭ ‬أقل‭ ‬مبلغ‭ ‬لا‭ ‬يكفي‭ ‬لتغطية‭ ‬أساسيات‭ ‬الحياة،‭ ‬فكيف‭ ‬إذا‭ ‬اقترن‭ ‬بالمرض؟

زوجته‭ ‬تحتاج‭ ‬علاجًا‭ ‬أسبوعيًا‭ ‬لا‭ ‬يقل‭ ‬عن‭ ‬300‭ ‬دينار،‭ ‬علاج‭ ‬منتظم‭ ‬لا‭ ‬يحتمل‭ ‬التأجيل‭. ‬ومع‭ ‬كل‭ ‬أسبوع،‭ ‬تتكرَّر‭ ‬الأزمة‭ ‬ذاتها،‭ ‬ويقف‭ ‬الرجل‭ ‬أمام‭ ‬خيارات‭ ‬مستحيلة‭:‬

سداد‭ ‬دين‭ ‬متراكم،‭ ‬أو‭ ‬شراء‭ ‬دواء،‭ ‬أو‭ ‬توفير‭ ‬مصروف‭ ‬البيت‭.‬

يقول‭ ‬بمرارة‭:‬

والله‭ ‬معاش‭ ‬قدرت‭ ‬نوفّق‭.. ‬كل‭ ‬شيء‭ ‬ضروري،‭ ‬وكل‭ ‬شيء‭ ‬فوق‭ ‬طاقتي‭.‬

في‭ ‬ذروة‭ ‬العجز،‭ ‬راودته‭ ‬فكرة‭ ‬الطلاق،‭ ‬لا‭ ‬تخليًا‭ ‬عن‭ ‬زوجته،‭ ‬بل‭ ‬كمحاولة‭ ‬يائسة‭ ‬لتمكينها‭ ‬من‭ ‬الاستفادة‭ ‬من‭ ‬منظومة‭ ‬التضامن‭ ‬الاجتماعي‭ ‬والحصول‭ ‬على‭ ‬علاجها‭. ‬فكرة‭ ‬صادمة،‭ ‬لكنها‭ ‬تكشف‭ ‬إلى‭ ‬أي‭ ‬حد‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يدفع‭ ‬الفقر‭ ‬المرضى‭ ‬وذويهم‭ ‬إلى‭ ‬قرارات‭ ‬قاسية،‭ ‬لا‭ ‬تشبههم‭ ‬ولا‭ ‬تعبر‭ ‬عنهم‭.‬

الحاج‭ ‬م‭.‬ع،‭ ‬متقاعد‭ ‬من‭ ‬قطاع‭ ‬الصحة،‭ ‬يعاني‭ ‬من‭ ‬السكري‭ ‬والضغط‭:‬

دوائي‭ ‬بروحه‭ ‬يكلف‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬400‭ ‬دينار،‭ ‬غير‭ ‬الفحوصات‭. ‬مرات‭ ‬نضطر‭ ‬نختار‭: ‬يا‭ ‬دوا‭ ‬يامصروف‭ ‬الحوش

أرملة‭ ‬براتب‭ ‬لا‭ ‬يكفي‭ ‬الأطفال

أم‭ ‬لثلاثة‭ ‬أطفال،‭ ‬زوجها‭ ‬متوفى،‭ ‬تعيش‭ ‬على‭ ‬معاش‭ ‬ضماني‭ ‬900‭ ‬دينار‭:‬

نبي‭ ‬نربي‭ ‬صغاري‭ ‬بكرامة،‭ ‬لكن‭ ‬المرتب‭ ‬هذا‭ ‬ما‭ ‬يكفي‭ ‬حتى‭ ‬للأكل‭. ‬التعليم،‭ ‬الملابس،‭ ‬العلاج‮…‬‭ ‬كله‭ ‬دين‭ ‬فوق‭ ‬دين‭.‬

‮    ‬‭ ‬سالم‮…‬‭ ‬المعلّم‭ ‬الذي‭ ‬صار‭ ‬يحسب‭ ‬حبات‭ ‬الدواء

سالم‭ ‬67‭ ‬سنة،‭ ‬معلّم‭ ‬لغة‭ ‬عربية‭ ‬سابق‭.‬

قضى‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬ثلاثين‭ ‬سنة‭ ‬داخل‭ ‬الفصول،‭ ‬صوته‭ ‬ما‭ ‬زال‭ ‬يحمل‭ ‬نبرة‭ ‬الشرح،‭ ‬لكن‭ ‬جسده‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬يحتمل‭.‬

يتقاضى‭ ‬900‭ ‬دينار‭ ‬شهريًا‭.‬

يعاني‭ ‬من‭ ‬السكري‭ ‬وضغط‭ ‬الدم،‭ ‬ويحتاج‭ ‬إلى‭ ‬أدوية‭ ‬ثابتة‭ ‬وفحوصات‭ ‬دورية‭. ‬يقول‭:‬

المرتب‭ ‬يخلص‭ ‬قبل‭ ‬ما‭ ‬يكمل‭ ‬الشهر‭. ‬الدوا‭ ‬يأكل‭ ‬أغلبه‭. ‬مرات‭ ‬نأكل‭ ‬مرة‭ ‬وحدة‭ ‬في‭ ‬اليوم‭.‬

لم‭ ‬يعتد‭ ‬سالم‭ ‬الشكوى،‭ ‬لكنه‭ ‬اليوم‭ ‬يشعر‭ ‬أن‭ ‬الدولة‭ ‬التي‭ ‬خدمها‭ ‬تركته‭ ‬وحده‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬المرض‭ ‬والغلاء‭.‬

أرملة‭ ‬تكذب‭ ‬على‭ ‬أطفالها

آماني‭ ‬،‭ ‬38‭ ‬سنة،‭ ‬أرملة‭ ‬منذ‭ ‬خمس‭ ‬سنوات‭.‬

زوجها‭ ‬كان‭ ‬موظفًا‭ ‬بسيطًا،‭ ‬وبعد‭ ‬وفاته‭ ‬أصبحت‭ ‬تعتمد‭ ‬كليًا‭ ‬على‭ ‬معاش‭ ‬ضماني‭ ‬900‭ ‬دينار‭.‬

لديها‭ ‬ثلاثة‭ ‬أطفال،‭ ‬أكبرهم‭ ‬في‭ ‬المرحلة‭ ‬الإعدادية‭.‬

تقول‭ ‬بصوت‭ ‬مكسور‭:‬

لما‭ ‬يسألوني‭ ‬شن‭ ‬الغدا،‭ ‬نقول‭ ‬جاهز‭. ‬ونقعد‭ ‬نفكر‭ ‬كيف‭ ‬نوفّره‭.‬

الإيجار،‭ ‬الأكل،‭ ‬مصاريف‭ ‬المدرسة‮…‬‭ ‬كلها‭ ‬أكبر‭ ‬من‭ ‬المرتب‭.‬

أحيانًا‭ ‬تعتمد‭ ‬على‭ ‬الجيران،‭ ‬وأحيانًا‭ ‬على‭ ‬الصمت‭.‬

متقاعد‭ ‬بلا‭ ‬سقف

مفتاح،‭ ‬71‭ ‬سنة،‭ ‬خدم‮ ‬‭ ‬مدينته‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬35‭ ‬سنة‭.‬

اليوم‭ ‬يسكن‭ ‬في‭ ‬شقة‭ ‬إيجار‭ ‬بـ500‭ ‬دينار‭.‬

بعد‭ ‬الإيجار‭ ‬يفضل‭ ‬400‭. ‬شن‭ ‬يديروا؟‭ ‬كهربا؟‭ ‬أكل؟‭ ‬علاج؟

أبناؤه‭ ‬عاطلون‭ ‬عن‭ ‬العمل،‭ ‬وهو‭ ‬يخجل‭ ‬أن‭ ‬يطلب‭ ‬منهم‭ ‬المساعدة‭.‬

يقول‭:‬

خدمت‭ ‬الدولة،‭ ‬واليوم‭ ‬الدولة‭ ‬ما‭ ‬تشوفنيش‭.‬

د‭. ‬محمود‭ .. ‬أ‭. ‬الجامعة‭ ‬الذي‭ ‬انكسرت‭ ‬هيبته

الدكتور‭ ‬محمود،‭ ‬متقاعد‭ ‬من‭ ‬جامعة‭ ‬ليبية‭ ‬معروفة،‭ ‬كان‭ ‬يُشار‭ ‬إليه‭ ‬بالبنان،‭ ‬واليوم‭ ‬يرفض‭ ‬ذكر‭ ‬اسمه‭ ‬الكامل‭.‬

أصعب‭ ‬حاجة‭ ‬إني‭ ‬نطلب‭ ‬سلفة‭ ‬من‭ ‬طالب‭ ‬كنت‭ ‬ندرّسه‭.‬

معاشه‭ ‬لا‭ ‬يغطي‭ ‬التزاماته‭ ‬الأساسية،‭ ‬خاصة‭ ‬بعد‭ ‬إصابته‭ ‬بمشاكل‭ ‬في‭ ‬القلب‭.‬

يقول‭ ‬بحسرة‭:‬

العلم‭ ‬ما‭ ‬حمانيش‭ ‬من‭ ‬الفقر‭.‬

خولة‮ ‬‭ ‬أرملة‭ ‬مريضه‭ ‬تعاني‭ ‬من‭ ‬السكري‭ ‬والضغط‭.‬

زوجها‭ ‬توفي‭ ‬وترك‭ ‬لها‭ ‬طفلين‭ ‬في‭ ‬سن‭ ‬الدراسة‭.‬

نختار‭ ‬بين‭ ‬علاجي‭ ‬ومصاريف‭ ‬صغاري‭.‬

تراكمت‭ ‬عليها‭ ‬الديون،‭ ‬وباتت‭ ‬تخشى‭ ‬المرض‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬الموت،‭ ‬لأن‭ ‬العلاج‭ ‬أصبح‭ ‬حلمًا‭.‬

علي‮…‬‭ ‬المتقاعد‭ ‬الذي‭ ‬يخاف‭ ‬من‭ ‬المستشفى

علي،‭ ‬متقاعد‭ ‬من‭ ‬قطاع‭ ‬النفط‭.‬

يعاني‭ ‬من‭ ‬آلام‭ ‬مزمنة‭ ‬في‭ ‬المفاصل،‭ ‬لكنه‭ ‬يؤجل‭ ‬الفحوصات‭.‬

كشف‭ ‬الدكتور‭ ‬بروحها‭ ‬غالية‭. ‬نقول‭ ‬نخليها‭ ‬لوقت‭ ‬الضرورة‭.‬

الضرورة،‭ ‬في‭ ‬حياته،‭ ‬مؤجلة‭ ‬دائمًا‭.‬

عبدالله‭ ‬‮…‬‭ ‬كرامة‭ ‬مهددة

العمر‭ ‬69‭ ‬سنة،‭ ‬عمل‭ ‬في‭ ‬المرافق‭ ‬العامة‭.‬

يعيش‭ ‬وحده‭ ‬بعد‭ ‬وفاة‭ ‬زوجته‭.‬

نفضل‭ ‬نرقد‭ ‬جعان‭ ‬على‭ ‬إني‭ ‬نطلب‭.‬

يقول‭ ‬إن‭ ‬الفقر‭ ‬كسر‭ ‬أشياء‭ ‬كثيرة،‭ ‬لكن‭ ‬أخطرها‭ ‬كسره‭ ‬للكرامة‭.‬

فاطمة‮…‬‭ ‬متقاعدة‭ ‬بلا‭ ‬سند

فاطمة،‭ ‬62‭ ‬سنة،‭ ‬متقاعدة‭ ‬ولم‭ ‬تُرزق‭ ‬بأبناء‭.‬

تعيش‭ ‬وحدها‭ ‬في‭ ‬بيت‭ ‬قديم‭.‬

لو‭ ‬مرضت،‭ ‬ما‭ ‬عنديش‭ ‬حد‭ ‬يجيبلي‭ ‬دوا‭.‬

تعتمد‭ ‬على‭ ‬جيرانها‭ ‬أحيانًا،‭ ‬وعلى‭ ‬الله‭ ‬دائمًا‭.‬

رجاء‭ ‬‮…‬‭ ‬

وتقول‭ ‬أرملة‭ ‬وأم‭ ‬لطفلين‭.‬

تفكر‭ ‬جديًا‭ ‬في‭ ‬إخراج‭ ‬أحدهما‭ ‬من‭ ‬المدرسة‭.‬

المصاريف‭ ‬المدرسية‭ ‬كسرتنا‭.‬

تشعر‭ ‬بالذنب،‭ ‬لكنها‭ ‬لا‭ ‬ترى‭ ‬بديلًا‭.‬

يونس‭ ‬‮…‬‭ ‬يعمل‭ ‬رغم‭ ‬مرض‭ ‬القلب‭ ‬العمر‮ ‬‭ ‬65‭ ‬سنة،‭ ‬متقاعد‭ ‬ويعاني‭ ‬من‭ ‬مشاكل‭ ‬في‭ ‬القلب‭.‬

يعمل‭ ‬حارسًا‭ ‬ليليًا‭ ‬لتأمين‭ ‬مصروف‭ ‬إضافي‭.‬

الراحة‭ ‬صارت‭ ‬رفاهية‭.‬

كل‭ ‬ليلة‭ ‬يغامر‭ ‬بصحته‭ ‬ليعيش‭.‬

سلوى‭ ‬‮…‬‭ ‬ضحية‭ ‬الإشاعات

سلوى‭ ‬،‭ ‬أرملة،‭ ‬تتابع‭ ‬الأخبار‭ ‬على‭ ‬فيسبوك‭ ‬بقلق‭.‬

كل‭ ‬ما‭ ‬يقولوا‭ ‬فيه‭ ‬زيادة‭ ‬نفرح‮…‬‭ ‬وبعدها‭ ‬نكتشف‭ ‬كذب‭.‬

تقول‭ ‬إن‭ ‬الألم‭ ‬الحقيقي‭ ‬ليس‭ ‬الفقر،‭ ‬بل‭ ‬الأمل‭ ‬الذي‭ ‬يُكسر‭ ‬كل‭ ‬مرة‭.‬

وفي‭ ‬الطريق‭ ‬وجدت‭ ‬طفل‭ ‬يعيل‭ ‬جدته

عمره‭ ‬14‭ ‬سنة‭ ‬يعمل‭ ‬بعد‭ ‬المدرسة‭.‬

نعاون‭ ‬جدتي‭ ‬المتقاعدة‭.‬

يحلم‭ ‬بالدراسة،‭ ‬لكن‭ ‬الواقع‭ ‬يفرض‭ ‬عليه‭ ‬أن‭ ‬يكبر‭ ‬قبل‭ ‬أوانه‭. ‬

متقاعد‭ ‬قالها‭ ‬بهدوء‭:‬

ما‭ ‬نبيش‭ ‬قصور‮…‬‭ ‬نبي‭ ‬نعيش‭ ‬بسلام‭ ‬لين‭ ‬نلقى‭ ‬ربي‭.‬‮                     ‬‭                                             ‬‮  ‬‭ ‬هذه‭ ‬ليست‭ ‬قصصًا‭ ‬معزولة،‭ ‬بل‭ ‬صورة‭ ‬يومية‭ ‬لواقع‭ ‬يُدار‭ ‬بالإهمال‭.‬

المتقاعد‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬يسأل‭ ‬عن‭ ‬الرفاه،‭ ‬بل‭ ‬عن‭ ‬النجاة‭.‬

ومع‭ ‬كل‭ ‬يوم‭ ‬تأخير‭ ‬في‭ ‬زيادة‭ ‬المعاشات،‭ ‬يتآكل‭ ‬ما‭ ‬تبقّى‭ ‬من‭ ‬العمر‭ ‬والكرامة‭.‬

فمتى‭ ‬تتحرك‭ ‬الدولة؟‭ ‬ومتى‭ ‬يصبح‭ ‬القانون‭ ‬فعلًا‭ ‬لا‭ ‬وعدً‭ . 

الأكثر‭ ‬قهرًا،‭ ‬كما‭ ‬يقول‭ ‬متقاعدون،‭ ‬هو‭ ‬تداول‭ ‬أخبار‭ ‬كاذبة‭ ‬عن‭ ‬زيادات‭ (‬وهمية‭) ‬على‭ ‬وسائل‭ ‬التواصل‭ ‬الاجتماعي،‭ ‬تُشعل‭ ‬الأمل‭ ‬ثم‭ ‬تطفئه،‭ ‬دون‭ ‬أي‭ ‬توضيح‭ ‬رسمي‭:‬

‭(‬صرنا‭ ‬مادة‭ ‬وحديث‭ ‬الساعة‭ ‬‮…‬‭ ‬لا‭ ‬حد‭ ‬يوضح،‭ ‬لا‭ ‬حد‭ ‬يعتذر‭.)‬

مقارنة‭ ‬موجعة‭: ‬من‭ ‬يعيش‭ ‬في‭ ‬رفاه‮…‬‭ ‬ومن‭ ‬يحصي‭ ‬الدواء

في‭ ‬الوقت‭ ‬الذي‭ ‬يكافح‭ ‬فيه‭ ‬المتقاعد‭ ‬لتأمين‭ ‬قوت‭ ‬يومه،‭ ‬تُصرف‭ ‬آلاف‭ ‬الدنانير‭ ‬كمرتبات‭ ‬ومزايا‭ ‬لنواب‭ ‬وأعضاء‭ ‬مجالس‭ ‬وهيئات‭ ‬ولجان‭ ‬دستورية‭ ‬ووزراء،‭ ‬في‭ ‬مشهد‭ ‬يعمّق‭ ‬الإحساس‭ ‬بالظلم‭ ‬الاجتماعي‭ ‬وانعدام‭ ‬العدالة‭.‬

ليس‭ ‬المطلوب‭ ‬امتيازات،‭ ‬بل‭ ‬حد‭ ‬أدنى‭ ‬من‭ ‬الإنصاف،‭ ‬يحفظ‭ ‬كرامة‭ ‬من‭ ‬خدم‭ ‬الدولة‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تُولد‭ ‬أغلب‭ ‬هذه‭ ‬المؤسسات‭.‬

إلى‭ ‬أين‭ ‬يتجه‭ ‬المتقاعد؟

قانون‭ ‬موجود‮…‬‭ ‬أموال‭ ‬تُصرف‮…‬‭ ‬ومسؤوليات‭ ‬ضائعة‭ ‬بين‭ ‬الجهات‭.‬

المتقاعد‭ ‬اليوم‭ ‬لا‭ ‬يسأل‭ ‬عن‭ ‬رفاه،‭ ‬بل‭ ‬عن‭ ‬البقاء‭:‬

كيف‭ ‬يواجه‭ ‬الغلاء؟

كيف‭ ‬يعالج‭ ‬أمراض‭ ‬الشيخوخة؟

كيف‭ ‬يحمي‭ ‬أبناءه‭ ‬وأحفاده‭ ‬من‭ ‬الفقر؟

قانونيًا،‭ ‬يحق‭ ‬للمتقاعدين‭ ‬اللجوء‭ ‬إلى‭ ‬النائب‭ ‬العام،‭ ‬باعتبار‭ ‬أن‭ ‬الامتناع‭ ‬عن‭ ‬تنفيذ‭ ‬قانون‭ ‬نافذ‭ ‬يُعد‭ ‬مخالفة‭ ‬صريحة،‭ ‬لكن‭ ‬أغلبهم‭ ‬لا‭ ‬يملك‭ ‬لا‭ ‬الطاقة‭ ‬ولا‭ ‬الأدوات‭ ‬لمعركة‭ ‬قانونية‭ ‬طويلة‭.‬

ختاما‭ : ‬متى‭ ‬تُعاد‭ ‬الكرامة؟

السؤال‭ ‬لم‭ ‬يعد‭: ‬هل‭ ‬ستُزاد‭ ‬مرتبات‭ ‬المتقاعدين؟

بل‭: ‬متى؟‭ ‬ولماذا‭ ‬هذا‭ ‬الصمت؟

إلى‭ ‬متى‭ ‬يُترك‭ ‬من‭ ‬بنوا‭ ‬الدولة‭ ‬على‭ ‬الهامش؟

إلى‭ ‬متى‭ ‬تُدار‭ ‬الظهر‭ ‬لفئة‭ ‬أفنت‭ ‬عمرها‭ ‬في‭ ‬الخدمة،‭ ‬ثم‭ ‬وُضعت‭ ‬في‭ ‬سلة‭ ‬الانتظار؟

زيادة‭ ‬مرتبات‭ ‬المتقاعدين‭ ‬ليست‭ ‬منّة،‭ ‬بل‭ ‬حق‭ ‬مشروع،‭ ‬وتأخيرها‭ ‬ظلم،‭ ‬والسكوت‭ ‬عنها‭ ‬مشاركة‭ ‬فيه‭.‬

فالحياة‮ ‬‭ ‬فانية،‭ ‬والسلطة‭ ‬زائلة،‭ ‬وما‭ ‬يبقى‭ ‬هو‭ ‬دعاء‭ ‬مظلوم،‭ ‬وحق‭ ‬لم‭ ‬يُؤدَّ،‭ ‬وكرامة‭ ‬أُهينت‭.‬

المتقاعد‭ ‬ليس‭ ‬رقمًا‮…‬‭ ‬المتقاعد‭ ‬تاريخ‭ ‬يمشي‭ ‬على‭ ‬قدمين‭.‬

والسؤال‭ ‬الذي‭ ‬سيبقى‭ ‬معلقًا‭ ‬في‭ ‬ضمير‭ ‬هذا‭ ‬الوطن‭:‬

متى‭ ‬تُنصف‭ ‬الدولة‭ ‬المتقاعدين،‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يفوت‭ ‬الأوان؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى