
تُعدّ أزمة الدواء في ليبيا واحدة من أكثر التحديات إلحاحًا في القطاع الصحي خلال السنوات الأخيرة، حيث تداخلت فيها عوامل سياسية واقتصادية ولوجستية أدّت إلى اضطراب منظومة الإمداد الدوائي في البلاد. فمن نقص الأدوية الأساسية في المستشفيات العامة، إلى الارتفاع الكبير في أسعار الأدوية داخل القطاع الخاص، مرورًا بتنامي ظاهرة التسرب وتهريب الدواء، بات المريض الليبي—وخاصة أصحاب الأمراض المزمنة—يواجه صعوبة متزايدة في الحصول على علاجه المنتظم. ورغم الجهود الحكومية المتكررة لتأمين المخزون الدوائي عبر عقود الاستيراد وتفعيل دور جهاز الإمداد الطبي، لا تزال الفجوة بين الحاجة والتوفّر تتسع، في ظل غياب رقابة فعّالة ونظام توزيع شفاف. ومع ارتفاع معدلات الأمراض المزمنة وزيادة الضغط على مراكز الرعاية الصحية، أصبحت أزمة الدواء قضية وطنية تتجاوز حدود الصحة لتلامس الأمن الاجتماعي والاقتصادي، وتفرض ضرورة تبني حلول عاجلة ومستدامة تضمن توفير العلاج باعتباره حقًا أساسيًا لكل مواطن.
ليبيا تعانى من أزمة متداخلة في منظومة الدواء و نقص متكرر في الأدوية الأساسية داخل مرافق القطاع العام، مشاكل في سلسلة التوريد والشراء، بالإضافة إلى ممارسات فساد وتسرب تُعيد توجيه الأدوية إلى السوق الخاصّ بأسعار أعلى. هذه المشكلة تؤثر بشكل خاص على مرضى الأمراض المزمنة «سكري، ضغط دم، أمراض قلبية، وغيرها» الذين يحتاجون إلى أدوية ثابتة وطويلة الأمد. تقارير الأمم المتحدة ومنظمات صحية محلية وإقليمية تُظهر أن معظم المراكز الأولية تواجه نقصًا في الأدوية الأساسية، بينما يعتمد الكثير من المرضى على الصيدليات الخاصة وبطاقات شرائية باهظة التكاليف للحصول على علاجهم.
فقد قدرات الإحصاء الدولية عدد سكان ليبيا بنحو 7.4 مليون نسمة «تقديرات 2024–2025». الأمراض غير السارية «القلبية، السرطان، الأمراض التنفسية المزمنة والسكري» تشكّل معًا نحو ثلثي الوفيات في ليبيا، مما يجعل توفر أدوية هذه الفئات أولوية صحية وطنية.
أما عن تقييمات وتقارير أجرتها جهات أممية ومنظمات محلية أشارت إلى أن نسبة مراكز الرعاية الأولية التي تفتقر إلى أدوية أساسية كانت عالية جدًا — تقرير احتياجات منظمات دولية أشار إلى أن نحو 88% من مراكز الرعاية الأولية في أنحاء البلاد لم تملك أيًا من الأدوية الأساسية في لحظة تقييم «CER/UNICEF 2022». هذا يعكس فجوة ضخمة في التوفر على مستوى القاعدة.
أما عن الأدوية الحيوية المفقودة أو المحدودة: تقييم لمنظمة الصحة العالمية في 2022–2023 أظهر ندرة حادة في الأنسولين، أدوية ضغط الدم، مضادات حيوية، وأدوية علاج بعض أمراض السرطان والسل في عدد من المرافق الحكومية؛ وتسجيل حالات اتصال بوفود طبية تُشير إلى نفاد المخزون أو توفّر كميات محدودة.
ولو جئنا لأسباب النقص والتسرب إلى القطاع الخاص فيمكننا اختصارها فى الآتى
1. ضعف نظم الشراء والتخزين: ضعف نظم الشراء المركزية ونقص الشفافية في عمليات جهاز الإمداد الطبي أدى إلى أخطاء طلب، مخزونات غير متوازنة، وانتهاء صلاحيات أدوية. تقارير رسمية وانتقادات حكومية اعتبرت أن «جهاز الإمداد» كان عرضة للاستغلال والاحتكار عبر سنوات.
2. الفساد وسلاسل التهريب: تحقيقات محلية وتحليلات صحفية تُشير إلى ممارسات فساد ووَجهات وسطى تسرّب أدوية من المخازن الحكومية إلى السوق الخاصة أو إلى التصدير غير الرسمي، ما يخلق سوقًا سوداء للأدوية ذات الطلب العالي.
3. المشاكل المالية والاقتصادية: تقلبات سعر الصرف وقرارات مالية «كخفض قوة العملة أو تأخيرات تحويلات المصارف» تجعل استيراد الأدوية أكثر تكلفة وصعوبة؛ التذبذب في سعر الصرف يؤثر مباشرة على شراء المستحضرات المستوردة.
4. انقسام مؤسساتي وعدم توحّد ميزانيات: الظروف السياسية والتنافس بين هياكل إدارية أدت لنقص تنسيق مركزي في العقود والمناقصات الخاصة بالأدوية.
ولو تحدثنا عن آليات التسرب فالسوال المهم والاولى بطرح نفسه بي «كيف ينتقل الدواء من العام إلى الخاص»؟؟؟؟
وكيف يتم سحب حصص من المخزونات المركزية قبل توزيعها على المرافق، ثم ظهوره في الصيدليات الخاصة أو في سوق الجملة.؟؟؟
وماذا عن شراء كميات كبيرة عبر وسطاء من مناقصات حكومية ثم إعادة بيعها.؟؟؟
وكيف يتم صرف أدوية بكمّيات محدودة لمستفيدين مقابل عمولات أو تحويلها إلى شبكات توزيع خاصة ؟؟.
وما مدى ثأثير النقص والتسرب على مرضى الأمراض المزمنة يمكننا القول بان هناك دراسات محلية حديثة تقارن الالتزام الدوائي بين القطاعين العام والخاص تشير صراحة إلى تفاوت مستويات الالتزام ونتائج سريرية أفضل أحيانًا لدى من يستطيعون شراء الدواء من الخاص، لكنه يضع عبئًا ماليًا كبيرًا على الأسر. دراسة مقارنة «2025» عن التزام مرضى الأمراض المزمنة في ليبيا وجدت فروقًا في النتائج السريرية والالتزام بين المرافق الحكومية والخاصة.
فعندما يضطر المريض لشراء دواءه من القطاع الخاص بدلاً من الحصول عليه مجانًا أو مدعومًا في المستشفى العام، تزيد التكلفة الشهرية بشكل ملحوظ — وهو عبء على فئات ذات دخل محدود. لا تتوفر بيانات وطنية حديثة منشورة تعبّر بدقّة عن متوسط الإنفاق الشهري لكل مريض مزمن، لكن المؤشرات الاقتصادية وارتفاع سعر الصرف يعززان أثر تكلفة الشراء الخاص.
ولو تحدثنا عن المخاطر الصحية والوبائية لانقطاع أدوية الأمراض المزمنة «مثل الأنسولين أو أدوية ضغط الدم» يزيد من خطر المضاعفات الحادة «أزمات قلبية، سكتات دماغية، اعتلال كلوي»، فإننا سنضطر الى الحديث عن ازدياد الضغط على أقسام الطوارئ والمستشفيات. وهو ما حذرت منه منظمة الصحة من تفاقم الوضع مع تزايد أعداد اللاجئين والنازحين والمهاجرين الذين يدخلون منظومة الرعاية الصحية.
في بعض الحالات أعلنت وزارة الصحة توافر أدوية سرطانية أو أدوية نوعية في مخازن معينة، لكن تقارير ميدانية ومنظمات دولية تعارض هذه الصورة العامة وتؤكد أن التوزيع والتوافر ليس متجانسًا على مستوى المدن والريف. هذا يخلق حالة «تفاوت محلي» حيث قد يجد مريض السرطان دواءه في مدينة كبرى بينما ينقطع عنه في محافظة أخرى.
فالعديد من الخبراء يوصي بالاتى
1. تعزيز الشفافية في الشراء والتوزيع: نشر نتائج مناقصات جهاز الإمداد ومخزون الأدوية بشكل دوري وعلني.
2. نظام رقابي وتتبع رقمي للمخزون: اعتماد نظام تتبع «track-and-trace» للمستحضرات الدوائية يبدأ عند الاستيراد وينتهي بالصيدلية العامة، لتقليص احتمالات التسرب.
3. تحسين تمويل شراء الأدوية الأساسية: ربط مخصصات العملات الأجنبية للأدوية بالاحتياجات الفعلية وبآليات سعر صرف مستقرة.
4. حماية أدوية الأمراض المزمنة: إصدار قوائم أولوية «مثل أولوية للأنسولين وأدوية ضغط الدم والأدوية القلبية» مع آليات خاصة لضمان توفّرها دون انقطاع.
5. مراقبة ومساءلة: تفعيل هيئات رقابية مستقلة للتحقيق في حالات الفساد والتهريب وإحالة المتورطين للقضاء.
6. دعم مرضى الفئات الضعيفة: برامج دعم مالي أو قسائم دوائية للمرضى ذوي الدخل المحدود لضمان الالتزام العلاجي وتقليل اللجوء للسوق الخاص المكلف.
خاتما يمكننا القول بان ليبيا تواجه مشكلة مركّبة في إمدادات الدواء تجمع بين تحديات لوجستية واقتصادية وحوكمة. الحلّ يتطلب شفافية فورية في سلسلة التوريد، حماية أدوية الأمراض المزمنة كأولوية وطنية، وإصلاحات إدارية لوقف تسرب الأدوية إلى السوق الخاص. تنفيذ سياسات مدروسة الآن سيحد من العبء الصحي والاقتصادي المستقبلي الناجم عن المضاعفات التي تنتج عن انقطاع الأدوية.
ولكن و في ظل استمرار اختلالات منظومة الإمداد الدوائي في ليبيا، تبدو أزمة الدواء أكثر تعقيدًا مما تبدو على السطح، فهي ليست مجرد نقص في الأصناف أو اضطراب في المخزون، بل نتيجة تراكمات طويلة من سوء الإدارة، وضعف الرقابة، والانقسام المؤسسي، والضغوط الاقتصادية. وقد انعكس هذا الوضع مباشرة على المريض الليبي، خاصة مرضى الأمراض المزمنة الذين أصبح حصولهم على علاجهم اليومي تحديًا يهدد صحتهم وسلامتهم. ورغم الجهود الحكومية والمحلية والدولية لتخفيف الأزمة، إلا أن الحل المستدام يتطلب إصلاحًا شاملًا يبدأ بالشفافية في الشراء والتوزيع، مرورًا بتفعيل الرقابة الصارمة على المخازن ومنع تسرب الأدوية إلى القطاع الخاص، وصولًا إلى بناء نظام وطني حديث يضمن توافر الأدوية الأساسية بشكل عادل ومنتظم. إن معالجة أزمة الدواء ليست خيارًا مؤجلًا، بل ضرورة عاجلة لإنقاذ الأرواح، واستعادة الثقة في القطاع الصحي، ووضع أسس متينة لنظام صحي قادر على تلبية احتياجات كل مواطن ليبي دون استثناء.



