
للمرة الثانية وبفارق زمني لا يزيد على أسابيع محدودة يعود السيد أحمد الشرع، بصفته رئيسًا لسوريا، إلى البيت الأبيض الأمريكي ومقابلة الرئيس «ترامب»؛ حيث كانت المرة الأولى التي استُقبِلَ فيها الشرع بصفته رئيسًا لسوريا قد تمت عقب تمكين الفصيل الذي دأب على قيادته في الحرب التي دامت لسنوات إثر اندلاع زوابع الربيع العربي عندما أطاحت بأكثر من نظام شمولي، وانفرد الأسد الابن بالإصرار على مقاومتها بآلاف الضحايا من السوريين، سواء بالموت الذي حصدهم من مختلف الطبقات والأعمار، أو أفلتوا من الموت ففرّوا في أحيان كثيرة حفاة عراة بلا رحمة ليخوضوا تجربة اللجوء السياسي أو الإنساني حسب الأحوال، ليبقى الأسد الصغير ومن حوله من مسلحي العلويين ممن توالى عليهم تدفق أسلحة قيصر روسيا الجديد بوتن، فاستغل مقاومة التدافع الشعبي بإقامة أكثر من قاعدة عسكرية بدءا بطرطوس واللاذقية إلى أن أكدت جميع القرائن ومثلها الضغوط والتسويات ألا مفر من أن يترك الأسد الصغير بلاد الشام لأهلها، ويمكنه فقط أن يغادرها حيا ومن استطاع أن يصطحبه لتكون الوجهة سرا دمشق ويُعلَن بعد حين أنه مُنِحَ اللجوء الإنساني، ليخلفه أحمد الشرع في رئاسة سوريا وتفلح السعودية في شخص ولي عهدها لاحقا أن تجد له مدخلا تجاه البيت الأبيض الأمريكي، فيتم استقباله والتعاطي معه فيواصل المشوار عربيا ودوليا، ليقوم بما أخفقت فيه حكومات سوريا مذ شاءت المصالح الدولية وموازناتها أن يكون لها أي سوريا كدولة تبادر من تلقاء نفسها بما يستقيم لها من سياسات أو تعود من خلال المراجعة وتغير الخيارات، فيلوح ما يفيد بالمتغيرات التي قد تشمل الموقف من فلسطين كقضية والكيان الصهيوني يتواصل مع أكثر من قطر عربي بمستوى من مستويات التفاهم الذي أمكن التوصل إليه عبر طرف ثالث أو المفاوضات المباشرة التي ترتب عليها تبادل مستوى من مستويات التمثيل وإعادة بعض أو كل ما فقده قبل التسوية ابتداء من أول حرب قامت في منتهى حقب النصف الأول من القرن الماضي وحتى أيام الناس هذه، ومع أن أولويات سوريا العائدة بقيادةٍ يُفهَم ألا تكون بمعزل عن الحسابات الأمريكية التي رأت في الشرع ومن حوله ما يمكن أن يختار منهجا مسنودا بإمكانية انتقاله مما عُرِفَ عنه من سلفية إلى آخر مختلف دل عليه الخروج بسوريا من الهيمنة الخمينية ورؤيتها تجاه صراع المنطقة وحروبها التي كثيرا ما اختار العلويون فيها دور الوكيل فتبدأ بالموقف من لبنان فتُرَسِّم الحدود معه مثلا وتعمل على توحيد مكوناتها فتنأى بها عن التأثير التركي بشأن الكُرد، والعدو الصهـيوني بشأن الدروز، وقبل ذلك العراق أي أن تعود سوريا إلى الأساس الذي قام عليه وجودها في أول خريطة عرفها الشرق الأوسط وفي مقدمته الوطن العربي عقب آخر حرب شهدها العالم حيث الدور الأمريكي المتصاعد ولكنه الذي لا يتخذ من روسيا العدو الأول، وإنما يراعي ما طرأ على موازين القوة، وما على الذين ليس لهم سوى مراقبة ما يجري لغياب السلطة القادرة على الفهم، أو الجديرة بالنصح.
وعسى أن يكون في إعادة الحسابات الأمريكية حول أحمد الشرع ما يفيد بأن الدور قد لا يكون بعيدًا عن جناح المغرب الكبير، لأن المتغيرات كثيرًا ما تكون شاملة.


