اجتماعيمقالات

الـ”لايف” ولا العيش؟

فائزة العجيلي

لم يعد البث المباشر  مجرد وسيلة ترفيه أو تواصل اجتماعي، بل تحوّل خلال فترة قصيرة إلى فضاء مفتوح لعرض الحياة الخاصة، ومصدر رزق بديل في بلاد  يضيق فيه الأفق الاقتصادي يومًا بعد يوم. بضغطة زر، يفتح المواطن كاميرته، ويضع يومه، وألمه، وخلافاته، أمام جمهور لا يعرفه، لكنه يملك سلطة المشاهدة والحكم.
في البداية، ظهرت الظاهرة كحالات فردية بدافع الحاجة. لكن سرعان ما تحوّلت إلى سلوك متكرر، يمارسه شباب ونساء وكبار سن، يعرضون تفاصيل الفقر، الخلافات الأسرية، وحتى الانكسارات الشخصية، مقابل تفاعل رقمي أو دعم مالي محدود. هنا، لم يعد الفقر أزمة تُعالج، بل محتوى يُسوّق.
اللافت أن الجمهور لم يعد متلقيًا بريئًا. فكلما كان المشهد أكثر صدمة، ارتفعت نسب المشاهدة والتبرعات. ومع الوقت، تشكّل وعي جديد يرى في الصراخ والفضيحة طريقًا أسرع للظهور، بينما يُهمَّش المحتوى الهادئ والرزين. وهكذا، تُعاد صياغة القيم الاجتماعية على إيقاع (اللايف) .
اجتماعيون يحذّرون من آثار عميقة للظاهرة، أبرزها تآكل الخصوصية، وتطبيع الإذلال العلني، وتشويه صورة الأسرة الليبية، إضافة إلى خلق جيل يقيس قيمته بعدد المشاهدات لا بكرامته أو دوره في المجتمع.
في جوهرها، لا تكشف هذه الظاهرة عن أزمة محتوى، بل عن أزمة واقع: اقتصاد هش، مؤسسات غائبة، وحماية اجتماعية شبه معدومة. وبين خيار الصمت أو البث، يختار البعض الكاميرا، لا حبًا في الظهور، بل بحثًا عن العيش… ولو كان على الهواء مباشرة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى