
تُشكل مذكرات الدبلوماسيين، والسياسيين أهمية خاصة في توثيق مراحل مهمة من حياة الشعوب والدول، فهي عادةً تكون نتاج تجربة ثرية لصاحبها الذي يحاول من خلالها وصف مجريات الأحداث من وجهة نظره الخاصة، وتأتي أهمية مذكرات السفير العُماني أنها شاهدة على فترة من أهم الفترات الزمنية في تاريخ ليبيا المعاصر امتدتْ لثماني سنوات، أي خلال ثورة فبراير 2011م وقبلها بثلاث سنوات، وبعد الثورة بنصف عقد.
صدر هذا الكتاب عام 2020م في طبعته الأولى بالعاصمة العُمانية «مسقط»، مؤلفه هو الدكتور «قاسم بن محمد الصالح» سفير سلطنة عُمان السابق بطرابلس خلال الفترة من 2008 إلى 2016م، وهو أول سفير عُماني منذ بدء العلاقات الدبلوماسية بين البلدين في عام 2006م.
يحتوي الكتاب على 152 صفحة من الحجم المتوسط الصغير 20 × 14 سم، وعدد سبعون صورة ذات حجم صغير تفتقر للتنسيق والإخراج الجيّد داخل الكتاب، رغم أن من بينها صورًا نادرة للزعيم الليبي «سليمان الباروني» أثناء إقامته بالسلطنة.
قسّم المؤلف كتابه إلى مقدمة طويلة في 18 صفحة، وسبعة محاور، توسّع المؤلف في مقدمته في الكتابة عن سليمان الباروني كمدخل لمعرفته بليبيا وتاريخها، وعن ميلاده وجهاده ضد الغزو الإيطالي.
ثم تحدَّث بشيء من التفصيل عن إقامة الباروني بسلطنة عُمان منذ عام 1924م وجهوده في تحقيق المصالحة بين السلطان تيمور بن فيصل، والإمام محمد بن عبدالله الخليلي، وكذلك تحدّث عن المشروع التعليمي التربوي الطموح للزعيم سليمان الباروني في عُمان عندما أسس مدرسته البارونية بمدينة «سمائل» على سفح جبل «شرجة الإبراهيمية»، وجعل الباروني من مدرسته في سمائل قلعةً علمية ونقطة اشعاع معرفي استدعى لها كبار التربويين والعلماء العرب ليُدرّسوا فيها، مثل :
أبي إسحاق طفيش، وأبي القاسم الباروني، والدكتور بشير الجمال من سوريا، ثم انتقل إلى مسقط ليصبح مستشاراً خاصاً للسلطان سعيد بن تيمور.
ويقول المؤلف إن العلاقات الدبلوماسية بين ليبيا وسلطنة عُمان لم تبدأ رسمياً إلا في عام 2006م، ويعزو السبب في تأخرها إلى التباين في النهج السياسي لكلّ من البلدين، فليبيا التي حكمها القذافي منذ سبتمبر 1969م، كانتْ في أوج مدها الثوري، في حين كانتْ سلطنة عُمان تحافظ على سياسة الحياد، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، وكان هناك تناقض أيديولوجي بين نظامين مختلفين، ولذلك كان مؤلف الكتاب أول سفير عُماني يصل طرابلس ليمارس عمله منذ عام 2008م.
يسرد المؤلف من ذاكرته بعض المواقف التي واجهته في عمله في التنسيق لزيارات بعض المسؤولين العُمانيين إلى ليبيا في عهد القذافي، ويَذْكر منها زيارتين، الأولى لمفتي سلطنة عُمان الشيخ أحمد الخليلي، والثانية لوزير خارجية السلطنة يوسف بن علوي، وكلتا الزيارتين كانتا بدعوة من القذافي.
ويؤكد المؤلف أنه كان من الصعوبة بمكان أن تحدَّد الجهات الليبية المسؤولة برنامجًا ثابتًا، واضحًا لأي زيارة، لا سيما مواعيد مقابلة العقيد القذافي، )فالأمور كلها بيد العقيد، ووفق منهجه، لا وفق صورة نمطية مراسم مثل هذه الزيارات(.
ومن طرائف اللقاءات التي ذكرها المؤلف أثناء زيارة وزير خارجية عُمان السيد/ يوسف بن علوي للقذافي في عام 2009م بطلب من الأخير ليستشيره في بعض القضايا قبيل استضافة ليبيا للقمة العربية في مارس 2010م، قال بإنه عندما دخلنا خيمة القذافي صحبة عبدالله السنوسي في ليلة شتوية باردة، رحّب بنا القذافي وقال بعد أن تجاذبنا أطراف الحديث: أنني )أفكر في زيارة عُمان، لكن أيضاً يكون ضمنها المرور على دويلات في المنطقة !!!!( هكذا كان ينظر القذافي لبعض دول الخليج العربي آنذاك.
كان السفير شاهدًا على بداية أحداث ثورة 17 فبراير 2011م في طرابلس، ولم يغادر البلاد مباشرة مثل ما فعل معظم السفراء العرب، وفي خطاب ألقاه القذافي في شهر مارس 2011م بطرابلس، وعندما لاحظ وجود السفير العُماني ضمن السلك الدبلوماسي الأجنبي الموجود أكبر القذافي موقف السلطنة بعدم سحب سفيرها بعد الأحداث التي حصلتْ في ليبيا، مثل ما فعلتْ العديد من الدول العربية، وغير العربية، ويقول المؤلف أنه بعد ذلك وصلته باقة ورد ضخمة هدية من القذافي مرفقة مع خطاب يشيد بحكمة السلطان قابوس وموقفه من الأحداث في ليبيا.
يسرد المؤلف في كتابه جهوده بعد عودته لمسقط أثناء ثورة فبراير في إرسال مساعدات غذائية وأدوية لمختلف المدن والمناطق الليبية في المنطقة الغربية، ودخلتْ عن طريق تونس من معبر ذهيبة – وازن الحدودي، وغيرها من مواقف كثيرة مثل :
مقابلاته مع المسؤولين الليبيين الجدَّد بعد سقوط النظام السابق، وطرح العديد من التساؤلات عن مستقبل ليبيا ومسار ثورتها بعد كل تلك السنوات التسع التي امتدتْ بعد انتصار ثورة فبراير في إزاحة النظام السابق في أكتوبر 2011م، وتاريخ صدور الكتاب في عام 2020م.
يبقى أن أشير إلى بعض الهفوات القليلة التي لا تؤثر في بنية الكتاب، ومنها أن اسم المناضل الفذ «بشير السعداوي» تحوَّل عنده إلى «بشير السويحلي»، في خلط واضح بين الشخصيات.
يظل الكتاب شهادةً مهمة من دبلوماسي عربي كان شاهداً على أحداث ثورة فبراير 2011م وما صاحبها من تحولات سياسية واجتماعية واقتصادية كبرى عاشتها ليبيا، وقد كتبها بحيادية كبيرة وتجرّد جعل من كتابه وثيقة تؤرخ لحقبة من تاريخ ليبيا من وجهة نظرٍ خاصة، ولا تخلو من تحليل دقيق لشخصية العقيد القذافي وسلوكه، وكذلك من جاء بعده من قيادات تولّت مناصب عليا في الدولة، ولهذا أعتبر أن الكتاب جدير بالقراءة، ويمكن أن يكون ضمن أرشيفٍ تُجمع فيه شهادات السفراء والدبلوماسيين العرب، والأجانب عن مسارات وتحولات ثورة فبراير 2011م بوصفها مادة علمية تخدم المؤرخين والباحثين.



