
من أروقة المحاكم
في بهو محكمة الجنايات، حيث تختلط الوجوه بالقلق، والعيون بالانتظار، كان يجلس شاب في منتصف الثلاثينيات، مكبّل اليدين، يحدّق في الأرض أكثر مما يحدّق في القاضي.
لم يكن قاتلًا ولا تاجر مخدرات لكنه متهم في قضية اعتداء جسيم باستخدام أداة حادة
اقتربنا من القاعة لحظة نُودي على اسمه. دخل بخطوات ثقيلة، وكأن كل خطوة تحمل عامًا من الندم.
عندما سُمح له بالكلام، لم يدافع عن نفسه، بل قال بصوت منخفض:
“ما كنتش ناوي… لحظة غضب، كلمة جرّت كلمة، وبعدها كل شي خرج من يدي.”
القضية بدأت بخلاف بسيط في أحد الأحياء، شجار على موقف سيارة، تحوّل إلى عراك، ثم إلى طعنة واحدة غيّرت مصير شخصين: مجنيّ أصيب باهية مستديمة ..وجانٍ يقف اليوم أمام العدالة.
في أروقة المحكمة، لم يكن المشهد دراميًا بقدر ما كان واقعيًا حدّ القسوة.
أمّ الجاني تبكي بصمت، ووالد المجني عليه يطالب بالقصاص، والكل يكتشف متأخرًا أن الغضب لا يحتاج أكثر من دقيقة ليصنع مأساة تمتد سنوات.
القانون الليبي… ماذا يقول؟
وفق قانون العقوبات الليبي:
فإن الاعتداء المفضي إلى عاهة مستديمة يُعاقَب عليه بالسجن المشدد.
وإذا ثبت استعمال أداة حادة، تُشدد العقوبة حتى لو لم تكن هناك نية مسبقة.
لا يُعفي “الغضب” أو “الاستفزاز” الجاني من المسؤولية الجنائية، لكنه قد يُؤخذ كظرف مخفف فقط في تقدير العقوبة، وليس في إسقاطها.
القاضي أوضح في الجلسة أن القانون لا يحاكم النوايا، بل النتائج.
وأن لحظة فقدان السيطرة لا تُبرر كسر حياة إنسان أو تدمير مستقبل أسرة كاملة.
خرجنا من القاعة، وبقي السؤال معلّقًا في الهواء:
كم من القضايا في هذه الأروقة بدأت بكلمة، وانتهت بحكم؟
وكم من الجناة لم يكونوا مجرمين… بل أشخاصًا لم يعرفوا كيف يُديرون غضبهم؟
كلمة تجر كلمة تم عراك قد تكون نهايته تصل الى الموت .



