هدرزة

فضفضة

عبير المحجوب

حين‭ ‬يتحوّل‭ ‬الصبرُ‭ ‬إلى‭ ‬عبء،‭ ‬والزواجُ‭ ‬إلى‭ ‬امتحان‭ ‬نفسي‭ ‬مفتوح

ليستْ‭ ‬كل‭ ‬القصص‭ ‬التي‭ ‬تصل‭ ‬إلى‭ ‬صفحات‭ ‬الصحف‭ ‬صاخبة،‭ ‬أو‭ ‬دامية،‭ ‬بعضُها‭ ‬يأتي‭ ‬هادئًا،‭ ‬مكتوبًا‭ ‬بيدٍ‭ ‬مرتجفة،‭ ‬ومشحونًا‭ ‬بوجعٍ‭ ‬صامت،‭ ‬لكنه‭ ‬أكثر‭ ‬قسوةً‭ ‬من‭ ‬أي‭ ‬صراخ‭ .. ‬هذه‭ ‬واحدة‭ ‬من‭ ‬تلك‭ ‬القصص‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تطلب‭ ‬شفقة،‭ ‬بل‭ ‬فهمًا‭.‬

امرأة‭ ‬شابة‭ ‬في‭ ‬عامها‭ ‬الثاني‭ ‬من‭ ‬الزواج،‭ ‬لم‭ ‬تدخل‭ ‬الحياة‭ ‬الزوجية‭ ‬بأحلام‭ ‬كبيرة،‭ ‬ولا‭ ‬بطلبات‭ ‬استثنائية،‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬أرادته‭ ‬حياة‭ ‬‮«‬طبيعية‮»‬‭: ‬شراكة،‭ ‬احترام،‭ ‬وبيت‭ ‬يُبنى‭ ‬على‭ ‬التوازن‭ ‬لا‭ ‬على‭ ‬الإنهاك،‭ ‬لكن‭ ‬الواقع‭ ‬جاء‭ ‬مختلفًا‭.‬

في‭ ‬عامها‭ ‬الأول،‭ ‬وجدتْ‭ ‬نفسها‭ ‬تؤدي‭ ‬أدوارًا‭ ‬تفوق‭ ‬طاقتها‭:‬

‭)‬زوجة،‭ ‬وخادمة،‭ ‬ومدبّرة،‭ ‬وصامتة‭( ‬باسم‭ ‬‮«‬الصبر،‭ ‬وكلام‭ ‬النَّاس‮»‬‭.‬

نمط‭ ‬حياة‭ ‬قاسٍ،‭ ‬يبدأ‭ ‬قبل‭ ‬الفجر‭ ‬،‭ ‬ولا‭ ‬ينتهي‭ ‬إلا‭ ‬مع‭ ‬الإرهاق،‭ ‬تُبرره‭ ‬العائلة‭ ‬مرة‭ ‬بحجة‭ ‬‮«‬هكذا‭ ‬بدايات‭ ‬الزواج‮»‬،‭ ‬ومرة‭ ‬بالخوف‭ ‬من‭ ‬الوصمة‭ ‬الاجتماعية‭.‬

لاحقًا،‭ ‬تغيّر‭ ‬سلوك‭ ‬الزوج‭ ‬نسبيًا،‭ ‬تحسّنتْ‭ ‬المعاملة،‭ ‬وبدأ‭ ‬يتحمل‭ ‬جزءًا‭ ‬من‭ ‬المسؤولية‭. ‬ظنّتْ‭ ‬الزوجة‭ ‬أن‭ ‬الأسوأ‭ ‬قد‭ ‬مرّ،‭ ‬وأن‭ ‬الصبر‭ ‬أتى‭ ‬بثماره‭.‬

لكن‭ ‬الحقيقة‭ ‬كانتْ‭ ‬تختبئ‭ ‬في‭ ‬مكان‭ ‬آخر‭ .. ‬في‭ ‬هاتف‭.‬

ما‭ ‬كُشِفَ‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬شكوكًا‭ ‬عابرة،‭ ‬بل‭ ‬خيانة‭ ‬موثقة‭:‬

محادثاتٌ،‭ ‬صورٌ،‭ ‬ومحتوى‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬تبريره‭ ‬أخلاقيًا،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬تعاطٍ‭ ‬لمخدرات‭ ‬خفيفة،‭ ‬ظلّ‭ ‬مخفيًا‭ ‬خلف‭ ‬صورة‭ ‬‮«‬الزوج‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬يضرب‭ ‬وينفق‭ ‬على‭ ‬بيته‮»‬‭.. ‬الصدمة‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬في‭ ‬الفعل‭ ‬وحده،‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬ردود‭ ‬الفعل‭ ‬التي‭ ‬تلت‭ ‬انكشافه‭.. ‬حين‭ ‬لجأتْ‭ ‬الزوجة‭ ‬إلى‭ ‬أسرتها،‭ ‬لم‭ ‬تجد‭ ‬إدانة‭ ‬واضحة،‭ ‬بل‭ ‬نصائح‭ ‬مقلقة‭: ‬‮«‬تحمّلي‭.. ‬هذه‭ ‬أخطاء‭ ‬رجال‮»‬‭.. ‬‮«‬طالما‭ ‬لا‭ ‬يمد‭ ‬يده‭ ‬عليكِ،‭ ‬ويصرف‭ ‬عليكِ،‭ ‬فالأمر‭ ‬يُحتوى‮»‬‭ .. ‬وهنا‭ ‬تبدأ‭ ‬الإشكالية‭ ‬الأعمق‭.‬

أزمة‭ ‬المفاهيم‭ ..‬‭ ‬لا‭ ‬أزمة‭ ‬زواج‭ ‬فقط

هذه‭ ‬القصة‭ ‬لا‭ ‬تتعلق‭ ‬بخيانة‭ ‬زوجية‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬تكشف‭ ‬خللًا‭ ‬اجتماعيًا‭ ‬متجذرًا‭ ‬في‭ ‬فهمنا‭ ‬لمعنى‭ ‬الأمان‭ ‬الأسري‭.‬

يتم‭ ‬اختزال‭ ‬الزواج‭ ‬في‭ ‬ثلاث‭ ‬نقاط‭:‬

الإنفاق،‭ ‬غياب‭ ‬العنف‭ ‬الجسدي،‭ ‬والصمت‭ ‬الأنثوي‭.‬

بينما‭ ‬تُهمّش‭ ‬الخيانة‭ ‬النفسية،‭ ‬والكذب،‭ ‬والانهيار‭ ‬الداخلي‭ ‬للمرأة،‭ ‬وكأنها‭ ‬أضرار‭ ‬جانبية‭ ‬مقبولة‭.‬

المفارقة‭ ‬الأكثر‭ ‬قسوة‭ ‬أنَّ‭ ‬هذه‭ ‬الوقائع‭ ‬تزامنتْ‭ ‬مع‭ ‬حمل‭ ‬الزوجة‭.‬

الحمل،‭ ‬الذي‭ ‬يُفترض‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬مرحلة‭ ‬حماية‭ ‬واحتواء،‭ ‬تحوّل‭ ‬إلى‭ ‬عامل‭ ‬ضغط‭ ‬إضافي،‭ ‬ومبرَّر‭ ‬جديد‭ ‬لتأجيل‭ ‬المواجهة‭ ‬بحجة‭ ‬‮«‬الاستقرار‮»‬‭ ‬و«مصلحة‭ ‬الطفل‮»‬‭.. ‬لكن‭ ‬أي‭ ‬استقرار‭ ‬يُبنى‭ ‬على‭ ‬خيبة؟

وأي‭ ‬طفل‭ ‬يحتاج‭ ‬أمًا‭ ‬تعيش‭ ‬صراعًا‭ ‬داخليًا‭ ‬دائمًا‭ ‬بين‭ ‬الكراهية‭ ‬والتعايش؟‭!.‬

‭ ‬صاحبة‭ ‬القصة‭ ‬يُصنّف‭ ‬كـ‭ ‬إجهاد‭ ‬عاطفي‭ ‬مزمن‭ ‬ناتج‭ ‬عن‭:‬

خيانة‭ ‬متكرَّرة‭ ‬ومثبتة‭.‬

إنكار‭ ‬مجتمعي‭ ‬للألم‭ ‬النفسي

تحميل‭ ‬المرأة‭ ‬مسؤولية‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬الأسرة‭ ‬مهما‭ ‬كان‭ ‬الثمن

تعارض‭ ‬بين‭ ‬القيم‭ ‬الشخصية،‭ ‬وواقع‭ ‬مفروض

هذا‭ ‬النَّوع‭ ‬من‭ ‬الإجهاد‭ ‬لا‭ ‬يُرى،‭ ‬لكنه‭ ‬يُراكم‭ ‬آثارًا‭ ‬خطيرة‭:‬

قلق‭ ‬دائم،‭ ‬فقدان‭ ‬الثقة،‭ ‬اكتئاب‭ ‬صامت،‭ ‬واضطراب‭ ‬في‭ ‬صورة‭ ‬الذات،‭ ‬خصوصًا‭ ‬خلال‭ ‬الحمل‭.‬

أما‭ ‬اجتماعيًا،‭ ‬فالقصة‭ ‬تعكس‭ ‬إشكالية‭ ‬أوسع‭:‬

تطبيع‭ ‬السلوكيات‭ ‬الخاطئة‭ ‬تحت‭ ‬مسمى‭ ‬‮«‬خصال‭ ‬رجال‮»‬،‭ ‬وتحويل‭ ‬المرأة‭ ‬إلى‭ ‬مشروع‭ ‬تحمّل‭ ‬لا‭ ‬شريك‭ ‬حياة‭.‬

إلى‭ ‬أين‭..‬؟‭!‬

لا‭ ‬يمكن‭ ‬لأي‭ ‬قلم‭ ‬صحفي‭ ‬مسؤول‭ ‬أن‭ ‬يمنح‭ ‬حكمًا‭ ‬جاهزًا‭: ‬‮«‬ابقي‮»‬،‭ ‬أو‭ ‬‮«‬ارحلي‮»‬‭.‬

لكن‭ ‬ما‭ ‬يمكن‭ ‬قوله‭ ‬بوضوح‭:‬

الصبر‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬إلغاء‭ ‬الكرامة‭.‬

الإنفاق‭ ‬لا‭ ‬يُبرَّر‭ ‬الخيانة‭.‬

غياب‭ ‬الضرب‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬وجود‭ ‬أمان‭.‬

الطفل‭ ‬لا‭ ‬يحمي‭ ‬زواجًا‭ ‬هشًا،‭ ‬بل‭ ‬يتأثر‭ ‬به‭.‬

القرار‭ ‬في‭ ‬النهاية،‭ ‬شخصي‭ ‬وصعب،‭ ‬لكنه‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬يُبنى‭ ‬على‭ ‬وعي‭ ‬لا‭ ‬على‭ ‬خوف،‭ ‬وعلى‭ ‬تقدير‭ ‬للصحة‭ ‬النفسية‭ ‬لا‭ ‬على‭ ‬ضغط‭ ‬المجتمع‭.‬

بعض‭ ‬البيوت‭ ‬لا‭ ‬تنهار‭ ‬بالطلاق،‭ ‬بل‭ ‬تنهار‭ ‬حين‭ ‬يُطلب‭ ‬من‭ ‬أحد‭ ‬أطرافها‭ ‬أن‭ ‬يعيش‭ ‬مكسورًا‭ ‬بصمتٍ‭.‬

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى