
حين يتحوّل الصبرُ إلى عبء، والزواجُ إلى امتحان نفسي مفتوح
ليستْ كل القصص التي تصل إلى صفحات الصحف صاخبة، أو دامية، بعضُها يأتي هادئًا، مكتوبًا بيدٍ مرتجفة، ومشحونًا بوجعٍ صامت، لكنه أكثر قسوةً من أي صراخ .. هذه واحدة من تلك القصص التي لا تطلب شفقة، بل فهمًا.
امرأة شابة في عامها الثاني من الزواج، لم تدخل الحياة الزوجية بأحلام كبيرة، ولا بطلبات استثنائية، كل ما أرادته حياة «طبيعية»: شراكة، احترام، وبيت يُبنى على التوازن لا على الإنهاك، لكن الواقع جاء مختلفًا.
في عامها الأول، وجدتْ نفسها تؤدي أدوارًا تفوق طاقتها:
)زوجة، وخادمة، ومدبّرة، وصامتة( باسم «الصبر، وكلام النَّاس».
نمط حياة قاسٍ، يبدأ قبل الفجر ، ولا ينتهي إلا مع الإرهاق، تُبرره العائلة مرة بحجة «هكذا بدايات الزواج»، ومرة بالخوف من الوصمة الاجتماعية.
لاحقًا، تغيّر سلوك الزوج نسبيًا، تحسّنتْ المعاملة، وبدأ يتحمل جزءًا من المسؤولية. ظنّتْ الزوجة أن الأسوأ قد مرّ، وأن الصبر أتى بثماره.
لكن الحقيقة كانتْ تختبئ في مكان آخر .. في هاتف.
ما كُشِفَ لم يكن شكوكًا عابرة، بل خيانة موثقة:
محادثاتٌ، صورٌ، ومحتوى لا يمكن تبريره أخلاقيًا، إلى جانب تعاطٍ لمخدرات خفيفة، ظلّ مخفيًا خلف صورة «الزوج الذي لا يضرب وينفق على بيته».. الصدمة لم تكن في الفعل وحده، بل في ردود الفعل التي تلت انكشافه.. حين لجأتْ الزوجة إلى أسرتها، لم تجد إدانة واضحة، بل نصائح مقلقة: «تحمّلي.. هذه أخطاء رجال».. «طالما لا يمد يده عليكِ، ويصرف عليكِ، فالأمر يُحتوى» .. وهنا تبدأ الإشكالية الأعمق.
أزمة المفاهيم .. لا أزمة زواج فقط
هذه القصة لا تتعلق بخيانة زوجية فحسب، بل تكشف خللًا اجتماعيًا متجذرًا في فهمنا لمعنى الأمان الأسري.
يتم اختزال الزواج في ثلاث نقاط:
الإنفاق، غياب العنف الجسدي، والصمت الأنثوي.
بينما تُهمّش الخيانة النفسية، والكذب، والانهيار الداخلي للمرأة، وكأنها أضرار جانبية مقبولة.
المفارقة الأكثر قسوة أنَّ هذه الوقائع تزامنتْ مع حمل الزوجة.
الحمل، الذي يُفترض أن يكون مرحلة حماية واحتواء، تحوّل إلى عامل ضغط إضافي، ومبرَّر جديد لتأجيل المواجهة بحجة «الاستقرار» و«مصلحة الطفل».. لكن أي استقرار يُبنى على خيبة؟
وأي طفل يحتاج أمًا تعيش صراعًا داخليًا دائمًا بين الكراهية والتعايش؟!.
صاحبة القصة يُصنّف كـ إجهاد عاطفي مزمن ناتج عن:
خيانة متكرَّرة ومثبتة.
إنكار مجتمعي للألم النفسي
تحميل المرأة مسؤولية الحفاظ على الأسرة مهما كان الثمن
تعارض بين القيم الشخصية، وواقع مفروض
هذا النَّوع من الإجهاد لا يُرى، لكنه يُراكم آثارًا خطيرة:
قلق دائم، فقدان الثقة، اكتئاب صامت، واضطراب في صورة الذات، خصوصًا خلال الحمل.
أما اجتماعيًا، فالقصة تعكس إشكالية أوسع:
تطبيع السلوكيات الخاطئة تحت مسمى «خصال رجال»، وتحويل المرأة إلى مشروع تحمّل لا شريك حياة.
إلى أين..؟!
لا يمكن لأي قلم صحفي مسؤول أن يمنح حكمًا جاهزًا: «ابقي»، أو «ارحلي».
لكن ما يمكن قوله بوضوح:
الصبر لا يعني إلغاء الكرامة.
الإنفاق لا يُبرَّر الخيانة.
غياب الضرب لا يعني وجود أمان.
الطفل لا يحمي زواجًا هشًا، بل يتأثر به.
القرار في النهاية، شخصي وصعب، لكنه يجب أن يُبنى على وعي لا على خوف، وعلى تقدير للصحة النفسية لا على ضغط المجتمع.
بعض البيوت لا تنهار بالطلاق، بل تنهار حين يُطلب من أحد أطرافها أن يعيش مكسورًا بصمتٍ.

