
على خلفية تكرار حوادث اختفاء فتيات من مقاعد الدراسة، وخروج بعضهن رفقة رفاق السوء، تتعالى الأسئلة والقلق داخل المجتمع: كيف تبدأ الحكاية؟ وأين ينكسر خط الأمان؟ ولماذا تجد بعض المراهقات أنفسهن فجأة في طريق مظلم لم يخترنه بوعي كامل؟
تُعد مرحلة المراهقة من أخطر وأكثر المراحل حساسية في حياة الفتاة، فهي مرحلة انتقالية تتشابك فيها التحولات الجسدية مع الاضطرابات النفسية، ويبرز فيها البحث عن الهوية، والرغبة في الاستقلال، والحاجة الملحّة للقبول والانتماء. هذه العوامل، إن لم تجد الاحتواء داخل الأسرة، قد تجعل المراهقة فريسة سهلة للاستدراج والاستغلال.
كيف يبدأ الانزلاق؟
غالبًا لا يأتي السقوط فجأة، بل يبدأ بخطوات صغيرة، ناعمة، ومدروسة:
رفاق السوء:
يمثلون البوابة الأولى للخطر، حيث تُمارَس ضغوط نفسية خفية على الفتاة لتقليد سلوكيات منحرفة بدعوى الجرأة، أو «التحرر»، أو إثبات الذات وقد يتطور الأمر تدريجيًا إلى سلوكيات أخطر تمس الأخلاق والكرامة.
الاستدراج الإلكتروني:
منصات التواصل الاجتماعي أصبحت ساحة مفتوحة لشبكات الاستغلال، حيث تُنسج علاقات وهمية تحت غطاء الصداقة أو الحب، ثم تتحول إلى ابتزاز أو إغراء بحياة زائفة مليئة بالشهرة والمال.
الإغراء المادي:
يستغل البعض رغبة المراهقات في اقتناء المظاهر البراقة أو الحصول على المال السهل، ليتم جرّهن إلى أنماط من الاستغلال الجنسي الجزئي، فيما يُسوّق له بشكل خادع تحت مسميات زائفة مثل «الهدايا» أو «الدعم».
الاستغلال العاطفي:
علاقة عاطفية مزيفة تُبنى بعناية، تُشبع فراغًا نفسيًا، ثم تتحول إلى أداة سيطرة، تُدفع من خلالها المراهقة لتنفيذ طلبات متدرجة قد تخرج عن إرادتها.
مؤشرات الخطر إشارات لا يجب تجاهلها
هناك علامات تحذيرية تسبق الاختفاء أو الانحراف، والانتباه لها مبكرًا قد ينقذ حياة:
تغيّرات سلوكية مفاجئة: انعزال، عدوانية، تقلبات حادة في المزاج، أو تراجع دراسي واضح.
سرية مفرطة: تشبث غير طبيعي بالهاتف، إخفاء المحادثات، أو استخدام حسابات وهمية.
تبدل دائرة الأصدقاء: الارتباط بأشخاص جدد تجهلهم الأسرة، مع القطيعة التدريجية مع الأصدقاء القدامى.
اهتمام غير متناسب بالجنس: معلومات أو إيحاءات تفوق عمرها الزمني.
توتر العلاقة الأسرية: نفور، تمرد دائم، ورفض لأي سلطة أسرية.
الأسرة… خط الدفاع الأول
إن غياب الاحتواء، والتفكك الأسري، والإهمال العاطفي، كلها عوامل تدفع المراهقة للبحث عن الاهتمام خارج البيت، حتى وإن كان الثمن باهظًا. ومن هنا، تأتي هذه الرسالة لكل أب وأم:
افتحوا باب الحوار: حديث صادق، هادئ، بلا تهديد ولا أحكام، يجعل الأسرة الملجأ الآمن لا ساحة المواجهة.
ابنوا الثقة: لا قسوة تكسر، ولا تدليل يعمي، بل توازن يمنح الفتاة شعورًا بالقيمة والمسؤولية.
كونوا قدوة: سلوككم اليومي، خاصة في استخدام الإنترنت، هو الدرس الأقوى.
راقبوا بوعي لا بتسلط: المتابعة الذكية تحمي، أما القمع فيدفع للاختباء.
املأوا الفراغ: الهوايات، الرياضة، والأنشطة المفيدة درع واقٍ من الانحراف.
ثقفوا بناتكم: علموهن مخاطر الاستدراج، وحقهن الكامل في الرفض، وكيفية طلب المساعدة دون خوف.
في الختام
إن اختفاء المراهقات وخروجهن مع رفاق السوء ليس حدثًا عابرًا، بل جرس إنذار خطير.
المسؤولية لا تقع على عاتق الأسرة وحدها، بل هي مسؤولية جماعية تشمل المدرسة، والإعلام، والمجتمع، والأجهزة الأمنية، التي يقع على عاتقها دور محوري في الحماية والتتبع والوقاية.



