الرئيسيةالشارع

حين تُستدرج المراهقات إلى العتمة

اسماء الشواري

على‭ ‬خلفية‭ ‬تكرار‭ ‬حوادث‭ ‬اختفاء‭ ‬فتيات‭ ‬من‭ ‬مقاعد‭ ‬الدراسة،‭ ‬وخروج‭ ‬بعضهن‭ ‬رفقة‭ ‬رفاق‭ ‬السوء،‭ ‬تتعالى‭ ‬الأسئلة‭ ‬والقلق‭ ‬داخل‭ ‬المجتمع‭: ‬كيف‭ ‬تبدأ‭ ‬الحكاية؟‭ ‬وأين‭ ‬ينكسر‭ ‬خط‭ ‬الأمان؟‭ ‬ولماذا‭ ‬تجد‭ ‬بعض‭ ‬المراهقات‭ ‬أنفسهن‭ ‬فجأة‭ ‬في‭ ‬طريق‭ ‬مظلم‭ ‬لم‭ ‬يخترنه‭ ‬بوعي‭ ‬كامل؟

تُعد‭ ‬مرحلة‭ ‬المراهقة‭ ‬من‭ ‬أخطر‭ ‬وأكثر‭ ‬المراحل‭ ‬حساسية‭ ‬في‭ ‬حياة‭ ‬الفتاة،‭ ‬فهي‭ ‬مرحلة‭ ‬انتقالية‭ ‬تتشابك‭ ‬فيها‭ ‬التحولات‭ ‬الجسدية‭ ‬مع‭ ‬الاضطرابات‭ ‬النفسية،‭ ‬ويبرز‭ ‬فيها‭ ‬البحث‭ ‬عن‭ ‬الهوية،‭ ‬والرغبة‭ ‬في‭ ‬الاستقلال،‭ ‬والحاجة‭ ‬الملحّة‭ ‬للقبول‭ ‬والانتماء‭. ‬هذه‭ ‬العوامل،‭ ‬إن‭ ‬لم‭ ‬تجد‭ ‬الاحتواء‭ ‬داخل‭ ‬الأسرة،‭ ‬قد‭ ‬تجعل‭ ‬المراهقة‭ ‬فريسة‭ ‬سهلة‭ ‬للاستدراج‭ ‬والاستغلال‭.‬

كيف‭ ‬يبدأ‭ ‬الانزلاق؟

غالبًا‭ ‬لا‭ ‬يأتي‭ ‬السقوط‭ ‬فجأة،‭ ‬بل‭ ‬يبدأ‭ ‬بخطوات‭ ‬صغيرة،‭ ‬ناعمة،‭ ‬ومدروسة‭:‬

‭ ‬رفاق‭ ‬السوء‭:‬

يمثلون‭ ‬البوابة‭ ‬الأولى‭ ‬للخطر،‭ ‬حيث‭ ‬تُمارَس‭ ‬ضغوط‭ ‬نفسية‭ ‬خفية‭ ‬على‭ ‬الفتاة‭ ‬لتقليد‭ ‬سلوكيات‭ ‬منحرفة‭ ‬بدعوى‭ ‬الجرأة،‭ ‬أو‭ ‬‮«‬التحرر‮»‬،‭ ‬أو‭ ‬إثبات‭ ‬الذات‭ ‬وقد‭ ‬يتطور‭ ‬الأمر‭ ‬تدريجيًا‭ ‬إلى‭ ‬سلوكيات‭ ‬أخطر‭ ‬تمس‭ ‬الأخلاق‭ ‬والكرامة‭.‬

‭ ‬الاستدراج‭ ‬الإلكتروني‭:‬

منصات‭ ‬التواصل‭ ‬الاجتماعي‭ ‬أصبحت‭ ‬ساحة‭ ‬مفتوحة‭ ‬لشبكات‭ ‬الاستغلال،‭ ‬حيث‭ ‬تُنسج‭ ‬علاقات‭ ‬وهمية‭ ‬تحت‭ ‬غطاء‭ ‬الصداقة‭ ‬أو‭ ‬الحب،‭ ‬ثم‭ ‬تتحول‭ ‬إلى‭ ‬ابتزاز‭ ‬أو‭ ‬إغراء‭ ‬بحياة‭ ‬زائفة‭ ‬مليئة‭ ‬بالشهرة‭ ‬والمال‭.‬

‭ ‬الإغراء‭ ‬المادي‭:‬

يستغل‭ ‬البعض‭ ‬رغبة‭ ‬المراهقات‭ ‬في‭ ‬اقتناء‭ ‬المظاهر‭ ‬البراقة‭ ‬أو‭ ‬الحصول‭ ‬على‭ ‬المال‭ ‬السهل،‭ ‬ليتم‭ ‬جرّهن‭ ‬إلى‭ ‬أنماط‭ ‬من‭ ‬الاستغلال‭ ‬الجنسي‭ ‬الجزئي،‭ ‬فيما‭ ‬يُسوّق‭ ‬له‭ ‬بشكل‭ ‬خادع‭ ‬تحت‭ ‬مسميات‭ ‬زائفة‭ ‬مثل‭ ‬‮«‬الهدايا‮»‬‭ ‬أو‭ ‬‮«‬الدعم‮»‬‭.‬

‭ ‬الاستغلال‭ ‬العاطفي‭:‬

علاقة‭ ‬عاطفية‭ ‬مزيفة‭ ‬تُبنى‭ ‬بعناية،‭ ‬تُشبع‭ ‬فراغًا‭ ‬نفسيًا،‭ ‬ثم‭ ‬تتحول‭ ‬إلى‭ ‬أداة‭ ‬سيطرة،‭ ‬تُدفع‭ ‬من‭ ‬خلالها‭ ‬المراهقة‭ ‬لتنفيذ‭ ‬طلبات‭ ‬متدرجة‭ ‬قد‭ ‬تخرج‭ ‬عن‭ ‬إرادتها‭.‬

مؤشرات‭ ‬الخطر‭ ‬إشارات‭ ‬لا‭ ‬يجب‭ ‬تجاهلها

هناك‭ ‬علامات‭ ‬تحذيرية‭ ‬تسبق‭ ‬الاختفاء‭ ‬أو‭ ‬الانحراف،‭ ‬والانتباه‭ ‬لها‭ ‬مبكرًا‭ ‬قد‭ ‬ينقذ‭ ‬حياة‭:‬

‭ ‬تغيّرات‭ ‬سلوكية‭ ‬مفاجئة‭: ‬انعزال،‭ ‬عدوانية،‭ ‬تقلبات‭ ‬حادة‭ ‬في‭ ‬المزاج،‭ ‬أو‭ ‬تراجع‭ ‬دراسي‭ ‬واضح‭.‬

‭ ‬سرية‭ ‬مفرطة‭: ‬تشبث‭ ‬غير‭ ‬طبيعي‭ ‬بالهاتف،‭ ‬إخفاء‭ ‬المحادثات،‭ ‬أو‭ ‬استخدام‭ ‬حسابات‭ ‬وهمية‭.‬

‭ ‬تبدل‭ ‬دائرة‭ ‬الأصدقاء‭: ‬الارتباط‭ ‬بأشخاص‭ ‬جدد‭ ‬تجهلهم‭ ‬الأسرة،‭ ‬مع‭ ‬القطيعة‭ ‬التدريجية‭ ‬مع‭ ‬الأصدقاء‭ ‬القدامى‭.‬

‭ ‬اهتمام‭ ‬غير‭ ‬متناسب‭ ‬بالجنس‭: ‬معلومات‭ ‬أو‭ ‬إيحاءات‭ ‬تفوق‭ ‬عمرها‭ ‬الزمني‭.‬

‭ ‬توتر‭ ‬العلاقة‭ ‬الأسرية‭: ‬نفور،‭ ‬تمرد‭ ‬دائم،‭ ‬ورفض‭ ‬لأي‭ ‬سلطة‭ ‬أسرية‭.‬

الأسرة‮…‬‭ ‬خط‭ ‬الدفاع‭ ‬الأول

إن‭ ‬غياب‭ ‬الاحتواء،‭ ‬والتفكك‭ ‬الأسري،‭ ‬والإهمال‭ ‬العاطفي،‭ ‬كلها‭ ‬عوامل‭ ‬تدفع‭ ‬المراهقة‭ ‬للبحث‭ ‬عن‭ ‬الاهتمام‭ ‬خارج‭ ‬البيت،‭ ‬حتى‭ ‬وإن‭ ‬كان‭ ‬الثمن‭ ‬باهظًا‭. ‬ومن‭ ‬هنا،‭ ‬تأتي‭ ‬هذه‭ ‬الرسالة‭ ‬لكل‭ ‬أب‭ ‬وأم‭:‬

‭ ‬افتحوا‭ ‬باب‭ ‬الحوار‭: ‬حديث‭ ‬صادق،‭ ‬هادئ،‭ ‬بلا‭ ‬تهديد‭ ‬ولا‭ ‬أحكام،‭ ‬يجعل‭ ‬الأسرة‭ ‬الملجأ‭ ‬الآمن‭ ‬لا‭ ‬ساحة‭ ‬المواجهة‭.‬

‭ ‬ابنوا‭ ‬الثقة‭: ‬لا‭ ‬قسوة‭ ‬تكسر،‭ ‬ولا‭ ‬تدليل‭ ‬يعمي،‭ ‬بل‭ ‬توازن‭ ‬يمنح‭ ‬الفتاة‭ ‬شعورًا‭ ‬بالقيمة‭ ‬والمسؤولية‭.‬

‭ ‬كونوا‭ ‬قدوة‭: ‬سلوككم‭ ‬اليومي،‭ ‬خاصة‭ ‬في‭ ‬استخدام‭ ‬الإنترنت،‭ ‬هو‭ ‬الدرس‭ ‬الأقوى‭.‬

‭ ‬راقبوا‭ ‬بوعي‭ ‬لا‭ ‬بتسلط‭: ‬المتابعة‭ ‬الذكية‭ ‬تحمي،‭ ‬أما‭ ‬القمع‭ ‬فيدفع‭ ‬للاختباء‭.‬

‭ ‬املأوا‭ ‬الفراغ‭: ‬الهوايات،‭ ‬الرياضة،‭ ‬والأنشطة‭ ‬المفيدة‭ ‬درع‭ ‬واقٍ‭ ‬من‭ ‬الانحراف‭.‬

‭ ‬ثقفوا‭ ‬بناتكم‭: ‬علموهن‭ ‬مخاطر‭ ‬الاستدراج،‭ ‬وحقهن‭ ‬الكامل‭ ‬في‭ ‬الرفض،‭ ‬وكيفية‭ ‬طلب‭ ‬المساعدة‭ ‬دون‭ ‬خوف‭.‬

في‭ ‬الختام

إن‭ ‬اختفاء‭ ‬المراهقات‭ ‬وخروجهن‭ ‬مع‭ ‬رفاق‭ ‬السوء‭ ‬ليس‭ ‬حدثًا‭ ‬عابرًا،‭ ‬بل‭ ‬جرس‭ ‬إنذار‭ ‬خطير‭.‬

المسؤولية‭ ‬لا‭ ‬تقع‭ ‬على‭ ‬عاتق‭ ‬الأسرة‭ ‬وحدها،‭ ‬بل‭ ‬هي‭ ‬مسؤولية‭ ‬جماعية‭ ‬تشمل‭ ‬المدرسة،‭ ‬والإعلام،‭ ‬والمجتمع،‭ ‬والأجهزة‭ ‬الأمنية،‭ ‬التي‭ ‬يقع‭ ‬على‭ ‬عاتقها‭ ‬دور‭ ‬محوري‭ ‬في‭ ‬الحماية‭ ‬والتتبع‭ ‬والوقاية‭.‬

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى