
ويأتي هذا القرار في ظل أوضاع مالية دقيقة تعاني منها البلاد، مع تراجع الإيرادات غير النفطية وازدياد الضغوط على الاحتياطي من النقد الأجنبي كما وصفته الجهات الرسمية ، الأمر الذي جعل ملف الضرائب والاعتمادات أحد أكثر الملفات حساسية في المشهد الاقتصادي الليبي الحالي.وسط مخاوف من تأثيره على أسعار السلع، القوة الشرائية للمواطن، والاستثمارات. القرار لم يأتِ في فراغ، بل في ظل أزمات مالية واقتصادية متراكمة عانت منها ليبيا منذ سنوات، فيما يسعى صناع القرار لإيجاد موارد بديلة للخزانة العامة.
ووفقًا لأحدث البيانات المتاحة، كانت هناك ضريبة مفروضة على بيع العملات الأجنبية تبلغ 27% من قيمة المعاملة وفق القرار السابق للجهات المعنية مسوؤلة، وبعد أن أعلن عن تعديل هذه النسبة لتصبح 20% بدلًا من 27% في قرار لاحق بهدف تخفيف الأعباء المالية على المستوردين والمواطنين بشكل عام، مع احتمال تغيّر هذه النسبة حسب ظروف الدولة وإيراداتها خلال فترة سريان القرار.هذه النسبة تُحتسب على سعر صرف العملة الرسمي الذي حدده مصرف ليبيا المركزي، وهو نفسه الذي خضع مؤخرًا لعملية خفض بقيمة 14.7% مقابل الدولار الأمريكي مما رفع سعر صرف الدولار الرسمي إلى حوالي 6.3759 دينار للدولار.
على مستوى الاعتمادات المستندية، لم تُعلن أى جهة رسمية حتى الآن نسبة رسمية موثقة للرسوم الإضافية على فتح الاعتمادات، لكن تشير بيانات سابقة إلى أن إجمالي الاعتمادات المستندية التي استخدمت لتوريد السلع في العام 2024 وصل إلى نحو 12.9 مليار دولار أمريكي، وهو رقم يعكس حجم التجارة المستوردة التي ستتأثر بهذه الرسوم الجديدة.
وعن أسباب القرار الاقتصادية يتزامن هذا القرار مع أزمة أوسع في المالية العامة الليبية، إذ تُظهر إحصاءات رسمية أن الإيرادات غير النفطية بما فيها الضرائب والرسوم تمثل نحو 1% فقط من إجمالي الناتج المحلي، وهو مستوى منخفض جدًا يشير إلى ضعف بنية الإقلاع الضريبي لتمويل الإنفاق العام خارج النفط. و من بين الأسباب الرئيسية الجهات المعنية إلى مثل هذه الإجراءات:
1. عجز في ميزان النقد الأجنبي
مع انخفاض عائدات النفط وعدم الاستقرار في مبيعات العملة الصعبة، تزايد الطلب على النقد الأجنبي في السوق الموازية مما أدّى إلى اتساع الفجوة بين السعر الرسمي وسعر السوق السوداء، وهو ما دفع السلطات إلى محاولة التحكم فيه من خلال الضرائب والرسوم.
2. الحاجة إلى موارد جديدة للخزانة
بسبب الاعتماد شبه الكامل على النفط كمصدر للإيرادات، تسعى الحكومة إلى تنويع مصادر التمويل عبر الضرائب المفروضة على مختلف التعاملات الأجنبية والسلع المستوردة، وهو ما يعكس محاولة لسد جزء من العجز في الموازنة العامة.
3. محاولة تنظيم السوق الرسمية وتقليص السوق الموازية، فرض ضرائب ورسوم على تداول النقد الأجنبي خارج النظام المصرفي الرسمي يقصد به تحفيز التعامل الرسمي وتقليل الاعتماد على السوق الموازية غير المنظمة.
أما عن ردود الفعل من مختلف الأطراف
فكانت المعارضة السياسية والشعبيةحيث أصدر مجموعة من النواب الليبيين بيانًا رسميًا يشير إلى أن ما أُعلن عن الضريبة ليس تشريعًا نهائيًا بل هى مجرد توجيهات ، ما أثار تساؤلات حول الشرعية القانونية لتطبيق هذه الرسوم. وقد استنكر بعض النشطاء السياسيين ما وصفوه بـ«عدم وضوح السياسات وتشتيت الجهات التنفيذية».
من الجانب الشعبي، عبّر كثير من المواطنين عن قلقهم من تأثير تلك الضرائب على أسعار السلع الأساسية، خاصة في ظل ارتفاع تكلفة المعيشة ومحدودية الدخول لدى الغالبية العظمى من الأسر.
ويرى بعض الخبراء الاقتصاديين أن القرار قد يوفر موارد مالية إضافية ويساعد في تنظيم السوق، لكنهم يشدّدون على أن مثل هذه الإجراءات وحدها غير كافية في غياب إصلاحات هيكلية أوسع للنظام الضريبي والمالي، خصوصًا مع انخفاض نسبة الضرائب غير النفطية بالمقارنة مع الناتج المحلي.
أما عن الأثر المتوقع على المواطن والسوق
1. ارتفاع الأسعار على المدى القصير
من المرجّح أن أي ضريبة إضافية على الاعتمادات المستندية أو على مبيعات النقد الأجنبي تنعكس على تكلفة السلع المستوردة، وبالتالي ترتفع الأسعار للمستهلك النهائي، خاصة السلع غير الأساسية التي تعتمد كليًا على الاستيراد.
2. تأثير على الشركات والمستوردين
ستزيد التكلفة الكلية لعملية الاستيراد إذا فرضت رسوم إضافية على فتح الاعتمادات أو تقديم العملات الأجنبية بسعر أعلى بعد الضرائب، ما يدفع بعض الشركات إلى إعادة حساب هوامش الربح أو تأجيل بعض الاستثمارات.
3. تشجيع التعاملات الرسمية
من ناحية أخرى، يمكن أن تساهم الضرائب في تشجيع الالتزام بالإجراءات الرسمية بدلاً من اللجوء للسوق الموازية الأقل شفافية، رغم أن ذلك سيعتمد على آلية تطبيق الضرائب وإشراك الجهات الرقابية بشكل فعّال وبشكل آخر يمكننا اختصار المخاوف الشعبية من هذا القرار على خلفية أن السوق الليبي يعتمد و بشكل كبير على الاستيراد الخارجي، حيث تشير التقديرات إلى أن أكثر من 80% من السلع المتداولة في الأسواق مستوردة. أي زيادة في تكلفة فتح الاعتمادات المستندية أو في سعر بيع النقد الأجنبي تعني تلقائيًا ارتفاع تكلفة الاستيراد، وهو ما يقوم التجار بنقله مباشرة إلى المستهلك، خاصة في سلع أساسية مثل:
الغذاء- الدواء
مواد التنظيف – قطع الغيار
2. ضعف القدرة الشرائية للمواطن
يعاني المواطن الليبي منذ سنوات من تراجع القوة الشرائية للدينار وارتفاع تكاليف المعيشة، في ظل دخول ثابتة نسبيًا. ومع فرض ضرائب جديدة، يخشى المواطن أن تزداد الفجوة بين الدخل والأسعار، ما ينعكس على مستوى المعيشة ويزيد من الأعباء على الأسر محدودة الدخل.
3. تجربة سابقة غير مطمئنة مع الضرائب
ترتبط الذاكرة الشعبية بفرض ضريبة الـ27% السابقة على بيع النقد الأجنبي، والتي أدّت في حينها إلى:
ارتفاع ملحوظ في الأسعار
تذبذب سعر صرف الدينار
توسع نشاط السوق الموازية
لذلك يخشى المواطنون من تكرار السيناريو نفسه حتى وإن اختلفت النسبة الحالية.
4. غياب الوضوح حول آلية التطبيق
من أبرز أسباب القلق الشعبي عدم وجود شرح رسمي واضح حول:
نسب الضرائب الفعلية
السلع المشمولة أو المستثناة
مدة تطبيق القرار
هذا الغموض يخلق حالة من عدم اليقين لدى المواطنين والتجار على حد سواء، ويفتح المجال للتأويل ورفع الأسعار بشكل استباقي.
5. الخوف من تحميل المواطن عبء الإصلاح المالي
يرى كثير من المواطنين أن الإصلاحات المالية يجب ألا تبدأ من جيب المواطن، خصوصًا في ظل:
انتشار الفساد
ضعف الرقابة على الإنفاق العام
غياب العدالة في توزيع الموارد
وتُطرح تساؤلات شعبية حول جدوى فرض ضرائب جديدة قبل معالجة هذه الاختلالات.
6. احتمال توسع السوق السوداء
في حال ارتفاع تكلفة التعامل الرسمي بالنقد الأجنبي، قد يلجأ بعض التجار إلى السوق الموازية لتقليل التكاليف، ما قد يؤدي إلى:
ارتفاع أكبر في الأسعار
تراجع قيمة الدينار
ضعف قدرة الدولة على الرقابة والتحكم في السوق
خلاصة يمكننا القول ان المخاوف الشعبية تنبع من كون هذا القرار يمس مباشرة حياة المواطن اليومية في اقتصاد يعتمد بشكل شبه كامل على الاستيراد، وفي ظل دخل محدود وتجارب سابقة سلبية مع الضرائب. وبينما تسعى الدولة لزيادة إيراداتها، يخشى المواطن أن يكون هو الطرف الأضعف الذي يتحمل كلفة الإصلاح دون ضمانات حقيقية بتحسن الوضع الاقتصادي أو حماية الفئات الهشة.



