
الخبير الاقتصادي
محمد درميش
يبرّر المصرف قراراته بالحفاظ على الاحتياطي وضمان الاستدامة للأجيال القادمة، لكن مواطن اليوم يتساءل: أي استدامة تُبنى على حساب قدرته على العيش؟!.
وهل ما جرى علاجٌ حقيقي لأزمة اقتصادية معقّدة، أم تكرار لوصفة قديمة أثبتت فشلها؟
لمناقشة أسباب القرار، وتداعياته الاقتصادية والاجتماعية، ومَنْ المستفيد الحقيقي منه، والبدائل التي كان يمكن اتباعها، نفتح هذا الحوار مع الخبير الاقتصادي أ. محمد درميش.
هل ما قام به مصرف ليبيا المركزي يُعدّ فعليًا تخفيضًا غير مباشر لمرتبات الليبيين، رغم بقاء الرقم نفسه في الحسابات؟.
نعم، وبطبيعة الحال .. ما قام به مصرف ليبيا المركزي هو إجراءٌ أحادي لم يراعِ المتغيرات الاقتصادية الأخرى. كلما انخفضتْ قيمة الدينار أمام الدولار، انعكس ذلك مباشرةً على قيمة المرتبات بالنقصان، حتى وإن بقي الرقم نفسه في الحساب.
المصرف يكرَّر الأخطاء نفسها كل ثلاث سنوات، بذريعة الحفاظ على الاستدامة والاحتياطي والأجيال القادمة، لكنه في الواقع يقوم بالعكس تمامًا:
يُقلل من قيمة الدينار، يستنزف مدخرات الشعب، وتخسر الدولة جزءًا كبيرًا من أصولها المقومة بالدينار.
ما الأسباب الحقيقية التي أدّتْ إلى الارتفاع الحاد في الطلب على الدولار؟، وهل نحن أمام أزمة عملة أم أزمة إدارة؟
نحن أمام أزمة إدارة بامتياز .. سوء إدارة الموارد والسياسات النقدية أدّى إلى فقدان الثقة في الدينار الليبي، وهو ما دفع النَّاس إلى التحوّط بشراء الدولار والذهب، سواء عبر «الصكوك، أو الكاش».
الإنفاق العام في الأصل يجب أن يكون منظمًا ضمن موازنة سنوية تصدر بقانون من الجهة التشريعية، لكن عند مقارنة حجم الإنفاق الحالي بسنوات الأساس وبقيمته الدولارية، لا نجد فارقًا جوهريًا، بل قد يكون أقل بالقيمة الحقيقية، ما يؤكد أن المشكلة ليستْ في حجم الإنفاق بل في إدارته.
إلى أي مدى أسهم الإنفاق الحكومي الموازي وتراكم السيولة لدى فئات محدَّدة في تفجير أزمة سعر الصرف؟
الإنفاق غير المنضبط، وتراكم السيولة خارج الدورة الاقتصادية الطبيعية، أدّيا إلى تشوّه السوق النقدي.
عندما تتكدّس الأموالُ لدى فئات محدودة دون توجيهها للاستثمار، أو الإنتاج، يتحوَّل «الدولار» إلى ملاذٍ، ويُترك «الدينار» بلا حماية حقيقية.
عندما يواجه المصرف خيارين: استنزاف الاحتياطي، أو تخفيض قيمة الدينار، هل كان التخفيض هو الحل الوحيد فعلًا؟.
لا .. إطلاقًا .. ليبيا في عام 2002 لم يكن لديها سوى احتياطي لا يتجاوز ملياري دولار، ومع ذلك لم يكن التخفيض هو الحل.
المشكلة ليستْ في حجم الاحتياطي، بل في سوء إدارة الأموال والموارد، وعدم فتح آفاق حقيقية لتنويع مصادر الدخل القومي، والاعتماد المفرط على النفط دون أي بدائل إنتاجية.
هل نجح تخفيض قيمة الدينار في كبح السوق السوداء، أم أنه زادها قوة وشرعية؟
بالعكس تمامًا.
تخفيض قيمة الدينار زاد من تغوَّل السوق الموازي، ومنحه قوة وشرعية أكبر، بدل أن يُضعفه أو يُنهيه.
مَنْ المستفيد الحقيقي من هذا القرار: المواطن أم مَنْ يملك الدولار، ويضارب به؟
المستفيد الحقيقي هو مَنْ يملك الدولار ويضارب به، وليس المواطن .. أما المواطن، فهو الخاسر الأول.
كيف سينعكس هذا القرار على «سلة غذاء» المواطن والطبقة الوسطى خلال الفترة القادمة؟
سينعكس بشكل كارثي.. القرار يُضعف القوة الشرائية، ويزيد من حدّة الفقر، ويجعل نحو 80% من المواطنين غير قادرين على تلبية احتياجاتهم الأساسية، ما يدفعهم إما إلى الاستدانة، أو إلى حافة المجاعة.
هل يجوز اقتصاديًا معالجة اختلالات السوق النقدي على حساب القدرة الشرائية للمواطن؟
لا يجوز إطلاقًا .. في العُرف الاقتصادي، لا تُعالج اختلالات السوق بتكرار الأخطاء نفسها.
السياسات الاقتصادية الرشيدة تهدف إلى:
الاستثمار الأمثل للموارد المتاحة
تنويع مصادر الدخل القومي
تحسين المستوى المعيشي للأفراد
تحقيق العدالة الاجتماعية والتوزيع العادل
الوصول إلى النمو والتنمية المستدامة
وكل ذلك لم يتحقَّق عبر تخفيض قيمة الدينار.
ما هو تاثير المهاجرين غير الشرعيين على ارتفاع سعر الدولار، نتيجة زيادة طلبهم وتحويلاتهم خارج النظام المصرفي؟
هناك تداعيات من موجه الهجرة غير القانونية ولكن تأثيرها ليس كما يروج انهم سبب من أسباب التضخم وغلاء الدولار فهدفهم ليس ليبيا بل عبور البحر إلى أوروبا .
ما البدائل التي كان يمكن أن يتجه إليها «المركزي» بدل هذا القرار الأحادي؟
البدائل واضحة، لكنَّها تتطلب إرادةً، وإدارةً رشيدة، أهمها:
- تحسين إدارة الموارد العامة.
- تنظيم الإنفاق عبر موازنة قانونية شفافة.
- تنويع مصادر الدخل القومي.
- دعم القطاعات الإنتاجية بدل تحميل المواطن كلفة الفشل.
- استعادة الثقة في الدينار عبر سياسات نقدية متكاملة لا قرارات مفاجئة. ما جرى ليس مجرّد قرار نقدي عابر، بل حلقة جديدة في سلسلة من المعالجات السهلة لأزمات عميقة.
تخفيض قيمة الدينار قد يخفَّف الضغط مؤقتًا عن دفاتر المصرف، لكنه يثقله أكثر على موائد الليبيين.
وفي ظل غياب إصلاحات حقيقية، يبقى السؤال مفتوحًا:
إلى متى يُطلب من المواطن أن يدفع ثمن أخطاء لم يكن شريكًا فيها؟
وإلى متى يُدار الاقتصاد بعقلية الإسعاف لا بعقلية البناء؟
الاقتصاد لا يُدار بالأرقام وحدها، بل بثقة النَّاس…
وعندما تُكسر الثقة، لا يكفي تغيير سعر الصرف لإصلاح ما تهدّم.
وفي النهاية ،،، ما يواجهه المواطن الليبي اليوم ليس مجرد مسألة أرقام أو أسعار، بل هو اختبار حقيقي لقدرته على العيش بكرامة وسط سياسات اقتصادية تُعيد إنتاج نفسها بلا تغيير.
تخفيض قيمة الدينار لم يكن مجرد إجراء مالي، بل رسالة واضحة: المواطن سيدفع ثمن أخطاء لم يشارك فيها، بينما الفرص الحقيقية للإصلاح تبقى مؤجلة. الحل ليس في تلاعب الأرقام أو التحكم بالاحتياطي، بل في إرادة صادقة لإدارة الموارد، وإصلاح سياسات النقد، واستعادة الثقة بالدينار وبالدولة نفسها. فلا يمكن بناء اقتصاد قوي ومستدام على حساب فئات المجتمع الأكثر هشاشة، ولا يمكن أن يكون المستقبل مشرقًا إذا بقي المواطن الحلقة الأضعف في هذه المعادلة.
وختامًا، يبقى السؤال: إلى متى سيظل المواطن يدفع الثمن بينما الحلول الحقيقية تنتظر القرار والإرادة؟



