
من أعلام بلادي شخصية فذة تستحق الوقوف عندها وتوثيق سيرتها العطرة، رجل قام بجهد كبير يستحق أن يذكر ويشكر عليه، هذا الأصيل هو «سي عمران الجلالي» مؤلف كتاب )قاموس بنغازي القديمة(، كتابٌ اجتماعي يعد وثيقة، تحدث فيها عن عائلات بنغازي خلال فترة محددة، بدءًا من أواسط القرن الثامن عشر حتى خمسينيات القرن الماضي، كما تحدث عن العادات والتقاليد الاجتماعية، والموروث الثقافي والاجتماعي لسكان بنغازي، واقامتهم، كذلك تحدث عن الحِرف والمِهن والتجارة في تلك الفترة.
تحدث «سي عمران» عن كتابه قائلاً: هناك بعض الأحداث ذات الأهمية التاريخية مما يستدعي إلا اقف عند هذا الحدث الذي حدّدته، لأنَّ التاريخ سلسلة واحدة يربط بعضه بعضًا، فأنا لستُ كاتبا ولا مؤرخًا ولا أديبًا، ولا أحمل مؤهلاً علميًا، ولا قلمًا ماهرًا متعودًا على الكتابة، سوى خزانتي الذهنية، وهي ذاكراتي، تحمل تاريخًا مميزًا، موثقة أحداثه بالأرقام والدلائل والشواهد التاريخية.
هذا العمل صدرت له طبعتان الثانية كانت في العام 2007م، وجاءت فكرة الكتاب في العام 1990م عندما أخبر «سي عمران» الأستاذ أبوبكر السوداني بأنه منذ 20 عامًا وهو يقوم بتجميع معلومات عن مدينة بنغازي، وذكر له بأن بنغازي لم يتحدث عنها أحد من أبنائها بشكل يليق بها، وأريد أن أقوم بطباعة ونشر هذا المؤلف، من هنا جاءت فكرة طبع ونشر الكتاب ذا الفائدة الكبيرة من حيث المحتوى، على الفور أتصل الأستاذ أبوبكر بعدة أسماء لكتاب معروفين في مدينة بنغازي لصياغة هذه الأفكار التي قام بتجميعها سي عمران بشكل يليق بها، منهم استاذ جامعي متخصص في اللغة العربية، وقاص، وكاتب، بعدها أخبره الأستاذ أبوبكر بأنه سيقوم بالعمل على هذا الكتاب بنفسه، وبالفعل قام به واستغرق منه عامان من العمل الجاد من حيث التدقيق والإضافة والمراجعة، من بينها التعديل والفكرة التي كانت سائدة عن العادات والتقاليد لدى أهلنا من المواطنين من ذوي البشرة السمراء، عندما قاما بزيارة لوجهاء هذه القبائل.
عمران علي المصري الجلالي أصيل مدينة بنغازي ولد في شارع الكيش بسوق الحشيش عام 1924م، والمصري لقب جده فهو من قبيلة الجلالات إحدى القبائل الليبية المعروفة برابطة الأخوة مع قبيلة الجوازي الليبية والمعروفة بتعدادها الكبير في شرق ليبيا، سكن في كل أحياء مدينة بنغازي بحكم تنقل أسرته، عاش وترعرع في أزقة وحواري مدينة بنغازي القديمة
بدأ حياته المهنية مبكرًا ما بين مهن فنية ووظائف إدارية، بداية بالعمل مع والده وشقيقه فرج في حرفة الإسكافي «صناعة الأحذية» النسائية وهو طفل صغير؛ حيث بلغت 12 مهنة منها ست وظائف أساسية ذات علاقة مباشرة بتاريخ المدينة، ولهذا السبب هو معروف على مستوى مدينة بنغازي ومن أكثر الشخصيات التي تعرف خبايا هذه المدينة، عمل مساعدًا لمهندس كهرباء ألماني أثناء بناء عمارة التأمين «السقرسيوني» بشارع عمر المختار، في العام 1936م عمل لمدة عام بإحدى المطابع الإيطالية وكان عمره ثلاث عشرة سنة، عمل كـ«ساعي بريد»؛ حيث كان يوزع البرقيات والرسائل المسجلة من عام 1938م إلى عام 1941م وبالتالي يعد أول ساعي بريد في ليبيا، في البداية عندما كانت ترسو سفينة ألمانية في ميناء بنغازي كان يأخذ الرسائل التي وصلت عبرها ويقوم بتوزيعها على أفراد الجيش الألماني والعائلات الالمانية، ثم أصبح يوزع الرسائل في المدينة، ومن خلال هذه المهنة تعرف على المدينة وسكانها وبيوتها لأنه كان يقف يوميًا أمام ما يقرب من أربعين عتبة منزل، أو متجر ليسلمهم ما لديه من بريد، وكانت هذه الوظيفة تخوله الدخول إلى كل الاماكن بما فيها المعسكرات والقطع البحرية دون استثناء لأنه ملزم بتسليم البريد الذي يحمله الى اصحابه بنفسه، وعمل في مجال السباكة، ثم في مجال البناء عامل بناء وقام ببناء أول بيوته بنفسه، ثم عمل خبازا، وعمل في عدة مطابع لفترة تقارب 28 عاما، ويعتبر من اقدم المستخدمين في المطابع، منذ فترة الادارة البريطانية في ليبيا التي كانت في شارع عمرو بن العاص حيث عمل بها عامان مصفف حروف، ثم عمل في مطبعة المحيشي وهي مطبعة خاصة تابعة لجمعية عمر المختار لمدة ثماني سنوات، ثم عمل في المطابع الحكومية فترة المملكة الليبية وأثناء عهد الجمهورية الليبية لفترة استمرت ست عشرة عاما، وأنتدب للعمل في مطبعة الجيش الليبي لمدة عام واحد، واختتم حياته المهنية بالعمل لمدة أربع عشرة سنة في وزارة التعليم عندما كان في قسم المحفوظات، وتقاعد من قسم التوجيه بمكتب تعليم السلاوي في العام 1986م.
سي عمران انسان بشوش وصاحب مواقف ظريفة ودائما ما يداعب اصدقاءه وكل معارفه بمواقف طريفة، من بينها عندما كان يقول انا من عائلة افرادها معمرون وبالتأكيد سأكون مُعمِر مثلهم واعيش فترة طويلة، حيث عاش والدي 105 عاما حتى وفاته في العام 1931م، ووالدتي عاشت 107 عاما حتى توفيت في العام 1983م، وشقيقي عاش 105 عاما.
كان يمر على بعض العائلات للتأكيد على بعض المعلومات توفي هذا الاصيل صباح يوم الاربعاء 2 يناير 2019م في مدينة بنغازي عن عمر ناهز 95 عاما، وأنتقل إلى مثواه الأخير وشُيّع جثمانه الطاهر بعد صلاة العصر ليواري الثرى في مقبرة الهواري ببنغازي، وودعته مدينة بنغازي الباسلة، المدينة التي احبها واخلص لها وقدم لها الكثير، وأعطاها كل ما يملك، تاركا خلفه محبة كل من عرفه، في فترات زمنية متفرقة مليئة بالحب والعطاء، اكتسب من خلالها محبة الناس بحسن سيرته الطيبة وأخلاقه الحميدة.



