
بين ليلة وضحاها ومع بداية عام 2026، لم تعد الفضة مجرد «الابن الأصغر» للذهب، بل تحولت إلى قائد حقيقي لأسواق المعادن النفيسة. فبينما كان الذهب يسجل مستويات قياسية تاريخية، كانت الفضة تحقق قفزات تفوق أداء الذهب بنسب مضاعفة، مدفوعة بمزيج نادر من الطلب الصناعي المتفجر، والتحول العالمي نحو الاقتصاد الأخضر.
ومع مطلع عام 2026، شهدت محلات الصاغة في طرابلس وبنغازي وكافة المدن الليبية إقبالاً غير مسبوق على الفضة. و لم تعد الفضة مجرد زينة، بل أصبحت «ملاذاً آمناً» للليبيين الباحثين عن حفظ قيمة أموالهم مع الارتفاع الجنوني لأسعار الذهب.
نعم، الارتفاع هو عالمي بالدرجة الأولى، وما نراه في ليبيا هو انعكاس مباشر لما يحدث في البورصات العالمية «مثل نيويورك ولندن»، مضافاً إليه عوامل محلية تتعلق بسعر صرف الدينار وتوفر الخام.
ومن اهم الأسباب الرئيسية لهذا “الاشتعال” العالمي في أسعار الفضة لعام 2026:
1. الأسباب العالمية «لماذا يرتفع السعر في كل مكان؟»
ثورة الطاقة الخضراء: العالم اليوم في سباق محموم لتركيب الألواح الشمسية وتصنيع السيارات الكهربائية. الفضة مادة أساسية في هذه الصناعات، والطلب الصناعي حالياً يستهلك أكثر من 55% من الإنتاج العالمي للفضة.
عجز المعروض للسنة الخامسة: المناجم العالمية «في المكسيك والبيرو» لا تنتج كميات كافية لتلبية الطلب. و السوق العالمي يعاني من عجز هيكلي، والمخزونات في المخازن العالمية وصلت إلى مستويات متدنية تاريخياً.
الصين وقيود التصدير: الصين، وهي لاعب ضخم في سوق المعادن، فرضت مؤخراً قيوداً على تصدير الفضة لتأمين احتياجاتها الداخلية، مما تسبب في نقص حاد في الأسواق الدولية ورفع السعر عالمياً.
الهروب من التضخم «الملاذ الآمن»: مع وصول أسعار الذهب لمستويات «فلكية» في 2026، لجأ صغار وكبار المستثمرين للفضة كبديل أرخص لحفظ قيمة أموالهم، مما خلق ضغطاً شرائياً هائلاً.
2. الوضع في ليبيا «لماذا الارتفاع ملموس جداً عندنا؟»
بالإضافة للأسباب العالمية، هناك عوامل جعلت السعر في ليبيا يقفز بشكل حاد:
سعر صرف الدولار: الفضة تُشترى عالمياً بالدولار. أي تذبذب في سعر الدولار بالسوق الموازي في ليبيا يرفع سعر غرام الفضة فوراً.
تكاليف الاستيراد: معظم المشغولات والسبائك تأتي من تركيا وإيطاليا. ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين بسبب التوترات الجيوسياسية في المنطقة يزيد من السعر النهائي للمستهلك الليبي.
نقص “الخام” المحلي: تعاني السوق المحلية أحياناً من نقص في سبائك الفضة الخام، مما يدفع التجار لرفع الأسعار نتيجة زيادة الطلب على «السبائك» لغرض الادخار.
3. بالأرقام «الحالة الراهنة 2026»
وفقاً لآخر تحديثات السوق في 30 يناير 2026:
السعر العالمي: وصل لمستويات قياسية تجاوزت 120 دولاراً للجرام ، قبل أن يشهد تصحيحات طبيعية مؤخراً.
السعر المحلي في ليبيا: يتراوح سعر غرام الفضة «عيار 999» الخام حالياً بين 18 إلى 23 دينار ليبي، بينما تتجاوز المشغولات «عيار 925» هذا السعر بناءً على «المصنعية».
اما عن الأسباب العالمية للارتفاع «محركات السوق» فتثمتل كما سبق القول الطلب الصناعي والتحول الطاقي
لاعتماد الصناعات الحديثة على الفضة كعنصر لا غنى عنه في الخلايا الشمسية والإلكترونيات. هذا الطلب العالمي جعل الفضة عملة نادرة، مما انعكس مباشرة على سعر الغرام في السوق المحلي.
الى جانب العجز في المعروض العالمي
نقص الإنتاج من المناجم العالمية أدى إلى نقص الكميات المتوفرة من سبائك الفضة الخام، مما جعل التجار محلياً يرفعون الأسعار نتيجة صعوبة الاستيراد وتزايد الطلب.
الى جانب السياسة النقدية وضعف الدولار بما أن تسعير الفضة في ليبيا مرتبط بسعر الدولار في «السوق الموازي»، فإن أي تراجع للدولار عالمياً أو تذبذب في سعر الصرف محلياً يؤدي فوراً إلى تغييرات حادة في سعر الغرام.
ثانياً: الأسباب المحلية «خصوصية السوق الليبي»
الفضة كبديل للادخارو مع تجاوز سعر غرام الذهب مستويات قياسية تفوق قدرة المواطن العادي، اتجه الليبيون لشراء سبائك الفضة «عيار 999» كوسيلة لادخار مبالغ صغيرة ومتوسطة.
تذبذب أسعار الصرف: تأثرت أسعار الفضة بشكل مباشر بتغيرات أسعار الصرف في ليبيا، حيث يتم استيراد معظم السبائك والمشغولات من الخارج «تركيا وإيطاليا بشكل أساسي».
الإقبال على المشغولات: زاد الطلب على أطقم الفضة «النقرة» في المناسبات الاجتماعية كبديل للذهب، مما رفع من «مصنعية» الغرام داخل المحلات.
التوقعات المستقبلية والسيناريوهات في ليبيا
يرى خبراء السوق المحلي أن الاتجاه لا يزال تصاعدياً، ويضعون السيناريوهات التالية:
استمرار الصعود: إذا استمر الطلب العالمي، قد يصل سعر غرام الفضة في ليبيا إلى مستويات 25 – 30 دينار بحلول منتصف 2026.
الاستقرار النسبي: في حال استقرار سعر صرف الدينار وتحسن الإمدادات، قد يتذبذب السعر بين 18 و 22 دينار للغرام.
زيادة الاستثمار: يُتوقع أن تظهر في ليبيا صناديق استثمارية أو شركات متخصصة فقط في بيع وتخزين سبائك الفضة بالأوزان الكبيرة «1 كيلو غرام وما فوق».
اما عن التأثيرات المستقبليةعلى المواطن: ستصبح الفضة “مخزناً للقيمة” تماماً كالذهب، وسينتشر وعي أكبر بكيفية شراء السبائك بدلاً من المشغولات لغرض الادخار.
على التجارة: قد نشهد افتتاح محلات متخصصة فقط في “سبائك الفضة” في مدن مثل طرابلس ومصراتة، نظراً لزيادة الطلب على الأوزان الثقيلة.
المعدن الصناعي: ارتفاع سعر الغرام قد يؤثر على الورش المحلية التي تستخدم الفضة في صناعة الحلي التقليدية، مما يرفع أسعار “النقرة” الليبية القديمة.
خاتما يمكننا القول إن ارتفاع سعر غرام الفضة في ليبيا ليس مجرد موجة عابرة، بل هو انعكاس لواقع اقتصادي جديد. الفضة اليوم في السوق الليبي لم تعد “زينة وخزينة” بالمعنى التقليدي فقط، بل أصبحت أداة استثمارية قوية تفرض نفسها بالأرقام والواقع.
فالفضة لم تعد مجرد «إكسسوار»، بل أصبحت أصلاً استثمارياً استراتيجياً. الارتفاع عالمي بسبب الصناعة والندرة، ومحلي بسبب تغيرات العملة والطلب المتزايد.
والأرقام تؤكد أننا أمام تحول هيكلي وليس مجرد طفرة مؤقتة. فالفضة الآن هي المعدن الذي يربط بين التحوط المالي والتقدم التكنولوجي، ومن المتوقع أن تظل تحت الأضواء طالما ظل العجز في المعروض قائماً والتحول الأخضر مستمراً.



