ثقافةحوار

التحوَّلات في الرواية الليبية هل وصلتْ على المستوى الداخلي، إلى مرحلة نضج تفرز كتاباً كباراً ؟

د.محمود ملودة

طوال‭ ‬هذه‭ ‬الفترة‭ ‬من‭ ‬عمر‭ ‬الرواية‭ ‬الليبية،‭ ‬هل‭ ‬كانتْ‮ ‬‭ ‬معبرة‭ ‬عن‭ ‬التحولات‭ ‬الاجتماعية‭ ‬والسياسية‭ ‬وغيرها‭ ‬التي‭ ‬شهدتها‭ ‬البلاد،‭ ‬بشكل‭ ‬كافٍ؟‭.‬‮ ‬

إذا‭ ‬سلّمنا‭ ‬بأن‭ ‬أقدم‭ ‬نص‭ ‬روائي‭ ‬ليبي‭ ‬يعود‭ ‬إلى‭ ‬سنة‭ ‬1957،‭ ‬فإن‭ ‬الرواية‭ ‬الليبية‭ ‬تكون‭ ‬قد‭ ‬جاءتْ‭ ‬متأخرة‭ ‬نسبيًا‭ ‬عن‭ ‬نظيراتها‭ ‬في‭ ‬مصر‭ ‬وبلاد‭ ‬الشام‭. ‬غير‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬التأخر‭ ‬الزمني‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬فهمه‭ ‬بمعزل‭ ‬عن‭ ‬السياق‭ ‬التاريخي‭ ‬والسياسي‭ ‬الذي‭ ‬وُلدتْ‭ ‬فيه‭ ‬الدولة‭ ‬الليبية‭ ‬الحديثة‭. ‬فهذه‭ ‬السنة‭ ‬ذات‭ ‬دلالة‭ ‬رمزية‭ ‬خاصة؛‭ ‬إذ‭ ‬تأتي‭ ‬بعد‭ ‬نحو‭ ‬عشر‭ ‬سنوات‭ ‬من‭ ‬نهاية‭ ‬الحرب‭ ‬العالمية‭ ‬الثانية،‭ ‬وسبع‭ ‬سنوات‭ ‬من‭ ‬الاستقلال،‭ ‬وبناء‭ ‬أول‭ ‬كيان‭ ‬سياسي‭ ‬ليبي‭ ‬حديث،‭ ‬وخمس‭ ‬سنوات‭ ‬من‭ ‬قيام‭ ‬ثورة‭ ‬يوليو‭ ‬في‭ ‬مصر‭ ‬وصعود‭ ‬الخطاب‭ ‬القومي‭ ‬العربي،‭ ‬وسنة‭ ‬واحدة‭ ‬بعد‭ ‬العدوان‭ ‬الثلاثي‭ ‬على‭ ‬مصر،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬يقارب‭ ‬عقدًا‭ ‬من‭ ‬اغتصاب‭ ‬فلسطين‭. ‬وهي‭ ‬أحداث‭ ‬كبرى‭ ‬شكّلتْ‭ ‬الهمّ‭ ‬العام‭ ‬للمثقف‭ ‬العربي،‭ ‬ومن‭ ‬ضمنه‭ ‬المثقف‭ ‬الليبي‭.‬‮ ‬

في‭ ‬هذا‭ ‬المناخ،‭ ‬كتب‭ ‬محمد‭ ‬فريد‭ ‬سيالة‭ ‬روايته‭ )‬وتغيرت‭ ‬الحياة‭(‬،‭ ‬أو‭ )‬اعترافات‭ ‬إنسان‭(‬،‭ ‬معلنًا‭ ‬من‭ ‬خلالها‭ ‬ميلاد‭ ‬الرواية‭ ‬الليبية،‭ ‬ومُعلنًا‭ ‬‭ ‬بشكل‭ ‬غير‭ ‬مباشر‭ ‬‭ ‬ولادة‭ ‬المجتمع‭ ‬المديني‭ ‬في‭ ‬ليبيا‭. ‬

ويتقاطع‭ ‬هذا‭ ‬المعنى‭ ‬مع‭ ‬صدور‭ ‬أول‭ ‬سيرة‭ ‬ذاتية‭ ‬ليبية‭ ‬لعبدالله‭ ‬القويري‭ )‬الوقدات‭(‬،‭ ‬التي‭ ‬كُتبتْ‭ ‬من‭ ‬موقع‭ ‬المثقف‭ ‬العائد‭ ‬من‭ ‬المهجر‭ ‬المصري‭ ‬إلى‭ ‬وطن‭ ‬لم‭ ‬يكتمل‭ ‬مشروع‭ ‬حداثته‭ ‬بعد‭. ‬

والعودة‭ ‬إلى‭ ‬هذين‭ ‬النصين‭ ‬تكشف‭ ‬بوضوح‭ ‬أن‭ ‬المثقف‭ ‬الليبي‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬المرحلة‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬يرى‭ ‬مجتمعه‭ ‬بعين‭ ‬الواقع‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬كان‭ ‬يراه‭ ‬بعين‭ ‬المثال،‭ ‬أما‭ ‬المجتمع‭ ‬الليبي،‭ ‬فلم‭ ‬يدخل‭ ‬الحداثة‭ ‬إلا‭ ‬قسرًا‭ ‬مع‭ ‬الاحتلال‭ ‬الإيطالي،‭ ‬وهو‭ ‬احتلال‭ ‬لم‭ ‬ينشغل‭ ‬بإحداث‭ ‬تحوَّل‭ ‬ثقافي‭ ‬عميق‭ ‬كما‭ ‬فعل‭ ‬الاستعمار‭ ‬الفرنسي‭ ‬في‭ ‬الجزائر‭ ‬وتونس‭ ‬ولبنان،‭ ‬بل‭ ‬ترك‭ ‬الليبيين‭ ‬إلى‭ ‬حد‭ ‬بعيد‭ ‬أسرى‭ ‬نمط‭ ‬عيشهم‭ ‬التقليدي‭ ‬والمحافظ‭. ‬لذلك‭ ‬يبرز‭ ‬سؤال‭ ‬جوهري‭: ‬لمن‭ ‬كان‭ ‬يكتب‭ ‬سيالة‭ ‬عن‭ ‬الوجودية،‭ ‬والتحرّر‭ ‬الفردي؟‭ ‬ومن‭ ‬هي‭ ‬القاعدة‭ ‬الاجتماعية‭ ‬القادرة‭ ‬على‭ ‬تلقي‭ ‬هذا‭ ‬الخطاب‭ ‬والاستجابة‭ ‬له؟‭.‬

وبالتالي‭ ‬فإن‭ ‬السؤال‭ ‬عن‭ ‬كفاية‭ ‬تعبير‭ ‬الرواية‭ ‬الليبية‭ ‬عن‭ ‬التحولات‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬يُجاب‭ ‬عليه‭ ‬بحذر‭: ‬نعم،‭ ‬عبّرتْ‭ ‬الرواية‭ ‬عن‭ ‬تحولات‭ ‬متخيَّلة‭ ‬ومأمولة،‭ ‬لكنها‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬قادرة‭ ‬‭ ‬في‭ ‬بداياتها‭ ‬‭ ‬على‭ ‬تمثيل‭ ‬التحولات‭ ‬الواقعية‭ ‬تمثيلًا‭ ‬عميقًا،‭ ‬لأن‭ ‬هذه‭ ‬التحولات‭ ‬نفسها‭ ‬كانت‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬جنينية،‭ ‬أو‭ ‬مؤجلة‭.‬

كأستاذ‭ ‬جامعي‭ ‬ومشرف‭ ‬على‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬رسائل‭ ‬الماجستير،‭ ‬والدكتوراة‭ ‬

هل‭ ‬لاحظتَ‭ ‬ميلاً‭ ‬للتطرق‭ ‬إلى‭ ‬الرواية‭ ‬الليبية؟،‭ ‬وما‭ ‬الانساق‭ ‬التي‭ ‬تم‭ ‬بها‭ ‬دراسة‭ ‬السردي‭ ‬الروائي؟‮ ‬

يمكن‭ ‬القول‭ ‬إن‭ ‬ثمة‭ ‬اتجاهًا‭ ‬متناميًا‭ ‬في‭ ‬السنوات‭ ‬الأخيرة‭ ‬للاشتغال‭ ‬الأكاديمي‭ ‬على‭ ‬الرواية‭ ‬الليبية،‭ ‬خصوصًا‭ ‬في‭ ‬رسائل‭ ‬الماجستير‭ ‬والدكتوراه‭. ‬غير‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬التنامي‭ ‬لا‭ ‬يعكس‭ ‬بالضرورة‭ ‬وعيًا‭ ‬نقديًا‭ ‬حقيقيًا‭ ‬أو‭ ‬تحوّلًا‭ ‬عميقًا‭ ‬في‭ ‬اهتمامات‭ ‬الدرس‭ ‬الأدبي،‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬يعكس‭ ‬استجابة‭ ‬لمتطلبات‭ ‬العمل‭ ‬الأكاديمي‭ ‬نفسه،‭ ‬وما‭ ‬يفرضه‭ ‬من‭ ‬إنجاز‭ ‬بحوث‭ ‬ورسائل‭ ‬ضمن‭ ‬أطر‭ ‬زمنية‭ ‬ومؤسساتية‭ ‬محددة‭.‬

ففي‭ ‬كثيرٍ‭ ‬من‭ ‬الحالات،‭ ‬تأتي‭ ‬دراسة‭ ‬الرواية‭ ‬الليبية‭ ‬بوصفها‭ ‬موضوعًا‭ ‬متاحًا‭ ‬أكثر‭ ‬منها‭ ‬خيارًا‭ ‬نابعًا‭ ‬من‭ ‬شغف‭ ‬معرفي‭ ‬أو‭ ‬مشروع‭ ‬نقدي‭ ‬واضح‭. ‬ولولا‭ ‬وجود‭ ‬برامج‭ ‬الدراسات‭ ‬العليا،‭ ‬ومتطلبات‭ ‬الترقية‭ ‬والبحث‭ ‬العلمي،‭ ‬لكان‭ ‬حضور‭ ‬الرواية‭ ‬الليبية‭ ‬في‭ ‬الكتابة‭ ‬النقدية‭ ‬أضيق‭ ‬بكثير‭. ‬ويلاحظ‭ ‬أن‭ ‬عددًا‭ ‬من‭ ‬الباحثين‭ ‬يتجهون‭ ‬إلى‭ ‬اقتراح‭ ‬دراسة‮ ‬‭ ‬ظاهرة،‮ ‬‭ ‬أو‭ ‬شكالية‭ ‬في‭ ‬الرواية‭ ‬الليبية‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يكونوا‭ ‬مزوّدين‭ ‬بمخزون‭ ‬قرائي‭ ‬كافٍ،‭ ‬لا‭ ‬في‭ ‬السرد‭ ‬الليبي،‭ ‬ولا‭ ‬حتى‭ ‬في‭ ‬السرد‭ ‬العربي‭ ‬عامة‭.‬

‮ ‬وقد‭ ‬واجهتُ‭ ‬من‭ ‬موقعي‭ ‬كمشرف‭ ‬أكاديمي،‭ ‬حالات‭ ‬لباحثين‭ ‬لم‭ ‬يكوّنوا‭ ‬علاقة‭ ‬قرائية‭ ‬حقيقية‭ ‬مع‭ ‬الفن‭ ‬الروائي،‭ ‬بل‭ ‬إن‭ ‬بعضهم‭ ‬لم‭ ‬يقرأ‭ ‬في‭ ‬حياته‭ ‬عملًا‭ ‬سرديًا‭ ‬عربيًا،‭ ‬أو‭ ‬ليبيًا‭ ‬قراءة‭ ‬واعية‭ ‬ومنتظمة‭. ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬ينعكس‭ ‬مباشرة‭ ‬على‭ ‬طبيعة‭ ‬الأسئلة‭ ‬المطروحة،‭ ‬وعلى‭ ‬هشاشة‭ ‬الإطار‭ ‬النظري،‭ ‬وعلى‭ ‬الطابع‭ ‬الوصفي،‭ ‬أو‭ ‬الإجرائي‭ ‬البارد‭ ‬الذي‭ ‬يطغى‭ ‬على‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬الدراسات‭.‬

أما‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬الأنساق‭ ‬النقدية‭ ‬المعتمدة،‭ ‬فيمكن‭ ‬القول‭ ‬إن‭ ‬الغالب‭ ‬هو‭ ‬اللجوء‭ ‬إلى‭ ‬المناهج‭ ‬الجاهزة‭: ‬البنيوية،‭ ‬والسيميائية،‭ ‬والسرديات‭ ‬الكلاسيكية،‭ ‬أو‭ ‬ما‭ ‬يُعرف‭ ‬أحيانًا‭ ‬بالتطبيق‭ ‬الآلي‭ ‬للنظريات‭. ‬‮ ‬

ونادرًا‭ ‬ما‭ ‬نجد‭ ‬دراسات‭ ‬تحاول‭ ‬مقاربة‭ ‬الرواية‭ ‬الليبية‭ ‬ضمن‭ ‬أسئلة‭ ‬كبرى‭ ‬تتعلق‭ ‬بالتحول‭ ‬الاجتماعي،‭ ‬أو‭ ‬تشكل‭ ‬الوعي،‭ ‬أو‭ ‬العلاقة‭ ‬بين‭ ‬الأدب‭ ‬والتاريخ،‭ ‬أو‭ ‬إشكالية‭ ‬الحداثة‭ ‬المتعثرة‭. ‬كما‭ ‬أن‭ ‬الجرأة‭ ‬في‭ ‬مساءلة‭ ‬النصوص‭ ‬المؤسسة،‭ ‬أو‭ ‬إعادة‭ ‬تقييم‭ ‬المدونة‭ ‬الروائية‭ ‬الليبية،‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬محدودة،‭ ‬بسبب‭ ‬هيمنة‭ ‬النزعة‭ ‬التوثيقية‭ ‬أو‭ ‬الحذر‭ ‬الأكاديمي‭.‬

من‭ ‬هنا،‭ ‬يمكن‭ ‬القول‭ ‬إن‭ ‬حضور‭ ‬الرواية‭ ‬الليبية‭ ‬في‭ ‬الدراسات‭ ‬العليا‭ ‬هو‭ ‬حضور‭ ‬كمي‭ ‬أكثر‭ ‬منه‭ ‬نوعي‭.‬

‭ ‬ما‭ ‬بين‭ ‬النقد‭ ‬الانطباعي‭ ‬الاستسهالي‭ ‬والاكاديمي‭ ‬الجامد‭ ‬هل‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬هناك‭ ‬نقد‭ ‬ثالث؟،‭ ‬وألا‭ ‬ترى‭ ‬أن‭ ‬الحركة‭ ‬النقدية‭ ‬للرواية‮ ‬‭ ‬شبه‭ ‬غائبة؟‮ ‬‭.‬

بين‭ ‬النقد‭ ‬الانطباعي‭ ‬الاستسهالي،‭ ‬الذي‭ ‬يكتفي‭ ‬بالأذواق‭ ‬الشخصية‭ ‬والانفعالات‭ ‬العابرة،‭ ‬والنقد‭ ‬الأكاديمي‭ ‬الجامد،‭ ‬الذي‭ ‬يغرق‭ ‬في‭ ‬المصطلح‭ ‬ويحوّل‭ ‬النص‭ ‬إلى‭ ‬ذريعة‭ ‬لتطبيق‭ ‬المنهج،‭ ‬يظل‭ ‬السؤال‭ ‬عن‭ ‬إمكان‭ ‬قيام‭ ‬نقد‭ ‬ثالث‭ ‬سؤالًا‭ ‬مشروعًا‭ ‬وملحًّا‭. ‬بل‭ ‬يمكن‭ ‬القول‭ ‬إن‭ ‬هذا‭ ‬النقد‭ ‬الثالث‭ ‬ليس‭ ‬فقط‭ ‬ممكنًا،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬ضرورة‭ ‬ثقافية‭ ‬إذا‭ ‬أُريد‭ ‬للحياة‭ ‬الأدبية‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬فاعلة‭ ‬ومؤثرة‭.‬

هذا‭ ‬النقد‭ ‬المنشود‭ ‬هو‭ ‬نقد‭ ‬وسيط،‭ ‬لا‭ ‬يتخلى‭ ‬عن‭ ‬المعرفة‭ ‬النظرية‭ ‬ولا‭ ‬يستقيل‭ ‬من‭ ‬متعة‭ ‬القراءة،‭ ‬نقد‭ ‬يجمع‭ ‬بين‭ ‬الحس‭ ‬الجمالي‭ ‬والصرامة‭ ‬الفكرية،‭ ‬ويقرأ‭ ‬النص‭ ‬بوصفه‭ ‬بنية‭ ‬فنية‭ ‬من‭ ‬جهة،‭ ‬وخطابًا‭ ‬ثقافيًا‭ ‬واجتماعيًا‭ ‬من‭ ‬جهة‭ ‬أخرى‭. ‬هو‭ ‬نقد‭ ‬لا‭ ‬يعادي‭ ‬المنهج،‭ ‬لكنه‭ ‬لا‭ ‬يقدّسه،‭ ‬ولا‭ ‬يحوّل‭ ‬الرواية‭ ‬إلى‭ ‬جثة‭ ‬على‭ ‬طاولة‭ ‬التشريح‭ ‬الأكاديمي،‭ ‬كما‭ ‬لا‭ ‬يختزلها‭ ‬في‭ ‬انطباع‭ ‬ذوقي‭ ‬أو‭ ‬موقف‭ ‬أخلاقي‭.‬

غير‭ ‬أن‭ ‬الإشكال‭ ‬لا‭ ‬يكمن‭ ‬في‭ ‬غياب‭ ‬هذا‭ ‬النموذج‭ ‬نظريًا،‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬ضعف‭ ‬حامليه‭ ‬ومؤسساته‭ ‬عمليًا‭. ‬

ويُضاف‭ ‬إلى‭ ‬ذلك‭ ‬أن‭ ‬الناقد،‭ ‬في‭ ‬السياق‭ ‬الليبي‭ ‬والعربي‭ ‬عمومًا،‭ ‬يعاني‭ ‬عزلة‭ ‬مزدوجة‭: ‬عزلة‭ ‬عن‭ ‬القارئ‭ ‬العام‭ ‬بسبب‭ ‬اللغة‭ ‬الاصطلاحية‭ ‬المعقدة،‭ ‬وعزلة‭ ‬عن‭ ‬المبدع‭ ‬بسبب‭ ‬غياب‭ ‬الحوار‭ ‬الحقيقي‭. ‬فلا‭ ‬تتشكل‭ ‬سجالات‭ ‬نقدية‭ ‬ولا‭ ‬تتراكم‭ ‬تقاليد‭ ‬قراءة،‭ ‬بل‭ ‬يظل‭ ‬كل‭ ‬نص‭ ‬معزولًا،‭ ‬وكل‭ ‬قراءة‭ ‬حدثًا‭ ‬فرديًا‭ ‬عابرًا‭.‬

إن‭ ‬غياب‭ ‬النقد‭ ‬الثالث‭ ‬مرتبط‭ ‬أيضًا‭ ‬بغياب‭ ‬الناقد‭ ‬المثقف،‭ ‬لا‭ ‬الناقد‭ ‬التقني‭ ‬فقط‭. ‬أي‭ ‬الناقد‭ ‬الذي‭ ‬يمتلك‭ ‬رصيدًا‭ ‬قرائيًا‭ ‬واسعًا،‭ ‬ومعرفة‭ ‬بالسرديات،‭ ‬وإلمامًا‭ ‬بالتاريخ‭ ‬الاجتماعي‭ ‬والفكري،‭ ‬وقدرة‭ ‬على‭ ‬الكتابة‭ ‬بلغة‭ ‬واضحة‭ ‬

من‭ ‬هنا‭ ‬يمكن‭ ‬القول‭ ‬إن‭ ‬أزمة‭ ‬النقد‭ ‬ليست‭ ‬في‭ ‬تعدد‭ ‬المناهج،‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬غياب‭ ‬الرؤية‭. ‬فالنقد‭ ‬الثالث‭ ‬لا‭ ‬يُبنى‭ ‬بإعلان‭ ‬القطيعة‭ ‬مع‭ ‬الأكاديمية‭ ‬ولا‭ ‬بالاستخفاف‭ ‬بها،‭ ‬بل‭ ‬بتجاوزها‭ ‬من‭ ‬الداخل،‭.‬

إلى‭ ‬أن‭ ‬يتحقق‭ ‬ذلك،‭ ‬ستظل‭ ‬الحركة‭ ‬النقدية‭ ‬للرواية‭ ‬محدودة‭ ‬التأثير،‭ ‬وستبقى‭ ‬المسافة‭ ‬واسعة‭ ‬بين‭ ‬النصوص‭ ‬الإبداعية‭ ‬وبين‭ ‬قراءتها‭ ‬قراءة‭ ‬عميقة،‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬الإضاءة‭ ‬والمساءلة،‭ ‬لا‭ ‬على‭ ‬الوصف‭ ‬أو‭ ‬الإدانة‭ ‬فقط‭.‬‮ ‬

وصلت‭ ‬أسماء‭ ‬قليلة‭ ‬جدًا‭ ‬إلى‭ ‬العالمية،‭ ‬لماذ‭ ‬نلاحظ‭ ‬صعوبة‭ ‬وصول‭ ‬الروايةالليبيةإلى‭ ‬العالمية؟‭. ‬‮ ‬

غالبًا‭ ‬ما‭ ‬يُطرح‭ ‬سؤال‭ ‬غياب‭ ‬الرواية‭ ‬الليبية‭ ‬عن‭ ‬العالمية‭ ‬بوصفه‭ ‬سؤالًا‭ ‬عن‭ ‬الترجمة،‭ ‬أو‭ ‬التسويق،‭ ‬أو‭ ‬ضعف‭ ‬الحضور‭ ‬في‭ ‬المحافل‭ ‬الدولية‭. ‬غير‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬السؤال،‭ ‬في‭ ‬تقديري،‭ ‬يفترض‭ ‬نتيجة‭ ‬قبل‭ ‬التحقق‭ ‬من‭ ‬مقدماتها‭. ‬إذ‭ ‬ربما‭ ‬كان‭ ‬الأجدر‭ ‬أن‭ ‬نطرح‭ ‬سؤالًا‭ ‬سابقًا‭ ‬وأكثر‭ ‬جذرية‭: ‬هل‭ ‬وصلت‭ ‬الرواية‭ ‬الليبية،‭ ‬على‭ ‬المستوى‭ ‬الداخلي،‭ ‬إلى‭ ‬مرحلة‭ ‬النضج‭ ‬التي‭ ‬تفرز‭ ‬كتّابًا‭ ‬كبارًا‭ ‬يمكن‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬عالميتهم؟

فالعالمية،‭ ‬في‭ ‬جوهرها،‭ ‬ليست‭ ‬حدثًا‭ ‬خارجيًا‭ ‬مفاجئًا،‭ ‬ولا‭ ‬ثمرة‭ ‬جهد‭ ‬مؤسساتي‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬هي‭ ‬تتويج‭ ‬لمسار‭ ‬طويل‭ ‬من‭ ‬التراكم‭ ‬الإبداعي‭ ‬والنقدي،‭ ‬ونتيجة‭ ‬لاعتراف‭ ‬محلي‭ ‬وعربي‭ ‬راسخ‭ ‬بقيمة‭ ‬التجربة‭. ‬ولا‭ ‬يمكن‭ ‬القفز‭ ‬إلى‭ ‬سؤال‭ ‬العالمية‭ ‬في‭ ‬غياب‭ ‬مشروع‭ ‬روائي‭ ‬وطني‭ ‬واضح،‭ ‬أي‭ ‬في‭ ‬غياب‭ ‬إجماع‭ ‬‭ ‬أو‭ ‬حتى‭ ‬جدل‭ ‬نقدي‭ ‬منتج‭ ‬‭ ‬حول‭ ‬أسماء‭ ‬وتجارب‭ ‬كبرى‭ ‬شكّلت‭ ‬منعطفات‭ ‬فنية‭ ‬وفكرية‭.‬

‮ ‬إن‭ ‬الروايات‭ ‬التي‭ ‬تصل‭ ‬إلى‭ ‬العالمية‭ ‬لا‭ ‬تفعل‭ ‬ذلك‭ ‬لأنها‭ ‬محلية‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬لأنها‭ ‬نجحت‭ ‬في‭ ‬تحويل‭ ‬المحلي‭ ‬إلى‭ ‬كوني‭.‬

في‭ ‬الحالة‭ ‬الليبية،‭ ‬ما‭ ‬زال‭ ‬المشهد‭ ‬الروائي‭ ‬يعاني‭ ‬من‭ ‬ضعف‭ ‬التراكم،‭ ‬وهشاشة‭ ‬النقد،‭ ‬وغياب‭ ‬الفرز‭ ‬الحقيقي‭ ‬بين‭ ‬التجارب‭. ‬فغالبًا‭ ‬ما‭ ‬تُسوّى‭ ‬النصوص‭ ‬بعضها‭ ‬ببعض،‭ ‬ويُحتفى‭ ‬بالكمّ‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬الكيف،‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬غياب‭ ‬مؤسسات‭ ‬نقدية‭ ‬فاعلة‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬إنتاج‭ ‬القيمة،‭ ‬لا‭ ‬مجرد‭ ‬الإعلان‭ ‬عنها‭. ‬

ولا‭ ‬يعني‭ ‬ذلك‭ ‬إنكار‭ ‬وجود‭ ‬تجارب‭ ‬لافتة‭ ‬أو‭ ‬نصوص‭ ‬جديرة‭ ‬بالاهتمام،‭ ‬لكن‭ ‬هذه‭ ‬التجارب‭ ‬لم‭ ‬تُقرأ‭ ‬بعد‭ ‬قراءة‭ ‬معمقة،‭ ‬ولم‭ ‬تُوضع‭ ‬ضمن‭ ‬سياق‭ ‬تطور‭ ‬الرواية‭ ‬الليبية،‭ ‬ولم‭ ‬تخضع‭ ‬لاختبار‭ ‬الزمن‭ ‬والنقد‭. ‬فالعالمية‭ ‬لا‭ ‬تصنعها‭ ‬الترجمة‭ ‬وحدها،‭ ‬بل‭ ‬تصنعها‭ ‬القيمة‭ ‬الجمالية‭ ‬والفكرية

من‭ ‬هنا،‭ ‬يمكن‭ ‬القول‭ ‬إن‭ ‬صعوبة‭ ‬وصول‭ ‬الرواية‭ ‬الليبية‭ ‬إلى‭ ‬العالمية‭ ‬ليست‭ ‬أزمة‭ ‬تواصل‭ ‬مع‭ ‬الخارج‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬هي‭ ‬أزمة‭ ‬بناء‭ ‬في‭ ‬الداخل‭. ‬أزمة‭ ‬تتعلق‭ ‬بتأخر‭ ‬تشكل‭ ‬تقاليد‭ ‬روائية‭ ‬راسخة،‭ ‬وبضعف‭ ‬النقد،‭ ‬

‭ ‬غياب‭ ‬الجسد‭ ‬واضح‭ ‬في‭ ‬السردي‭ ‬الروائي‭ ‬الليبي

هل‭ ‬الحكم‭ ‬الأخلاقي‭ ‬لازال‭ ‬مسيطرًا‭ ‬على‭ ‬كتاب‭ ‬الرواية؟‮ ‬

يبدو‭ ‬غياب‭ ‬الجسد‭ ‬أو‭ ‬حضوره‭ ‬الخجول‭ ‬في‭ ‬السرد‭ ‬الروائي‭ ‬الليبي‭ ‬أمرًا‭ ‬طبيعيًا‭ ‬إذا‭ ‬ما‭ ‬وُضع‭ ‬في‭ ‬سياقه‭ ‬الثقافي‭ ‬والاجتماعي‭ ‬الأوسع‭. ‬فنحن‭ ‬إزاء‭ ‬مجتمع‭ ‬لم‭ ‬يمر‭ ‬بمشروع‭ ‬نهضوي‭ ‬حقيقي‭ ‬يعيد‭ ‬تعريف‭ ‬العلاقة‭ ‬بين‭ ‬الفرد‭ ‬والجسد،‭ ‬وبين‭ ‬الخاص‭ ‬والعام،‭ ‬وبين‭ ‬الأخلاق‭ ‬بوصفها‭ ‬منظومة‭ ‬اجتماعية،‭ ‬والأدب‭ ‬بوصفه‭ ‬فضاءً‭ ‬للحرية‭ ‬والتخييل‭. ‬وفي‭ ‬غياب‭ ‬هذا‭ ‬المشروع،‭ ‬تظل‭ ‬الثقافة‭ ‬الدينية‭ ‬‭ ‬كما‭ ‬وصفها‭ ‬الراحل‭ ‬خليفة‭ ‬التليسي‭ ‬‭ ‬هي‭ ‬الإطار‭ ‬الغالب‭ ‬الذي‭ ‬يشكّل‭ ‬الوعي‭ ‬الجمعي‭ ‬وحدود‭ ‬المقبول‭ ‬والمرفوض

ولعل‭ ‬تتبع‭ ‬تمثلات‭ ‬الجسد‭ ‬في‭ ‬الأدب‭ ‬الليبي‭ ‬يكشف‭ ‬أن‭ ‬الإشكال‭ ‬ليس‭ ‬وليد‭ ‬السرد‭ ‬الحديث‭ ‬وحده،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬ممتد‭ ‬في‭ ‬تاريخ‭ ‬الكتابة‭ ‬الأدبية‭ ‬نفسها‭. ‬ويمكن‭ ‬العودة،‭ ‬على‭ ‬سبيل‭ ‬المثال،‭ ‬إلى‭ ‬ديوان‭ ‬مصطفى‭ ‬بن‭ ‬زكري،‭ ‬أحد‭ ‬أقدم‭ ‬الدواوين‭ ‬الليبية،‭ ‬وما‭ ‬أُنجز‭ ‬حوله‭ ‬من‭ ‬قراءات‭ ‬نقدية‭ ‬تفصل‭ ‬بينها‭ ‬نحو‭ ‬ثلاثة‭ ‬عقود‭: ‬الأولى‭ ‬للراحل‭ ‬علي‭ ‬مصطفى‭ ‬المصراتي،‭ ‬والثانية‭ ‬للراحل‭ ‬الدكتور‭ ‬محمد‭ ‬مسعود‭ ‬جبران‭. ‬فكلا‭ ‬الدراستين،‭ ‬على‭ ‬اختلاف‭ ‬منهجيهما،‭ ‬انشغلتا‭ ‬بتبرير‭ ‬بعض‭ ‬النصوص‭ ‬ذات‭ ‬الطبيعة‭ ‬الغزلية‭ ‬الخاصة،‭ ‬أو‭ ‬على‭ ‬الأقل‭ ‬بتطويقها‭ ‬تأويليًا،‭ ‬بما‭ ‬يخفف‭ ‬من‭ ‬حدّتها‭ ‬الدلالية‭.‬

وإذا‭ ‬انتقلنا‭ ‬إلى‭ ‬السرد‭ ‬الروائي‭ ‬الحديث،‭ ‬نجد‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬الحساسية‭ ‬لم‭ ‬تتبدد‭ ‬كثيرًا‭. ‬فالضجة‭ ‬التي‭ ‬أُثيرت‭ ‬حول‭ ‬كتاب‭ : (‬شمس‭ ‬على‭ ‬نوافذ‭ ‬مغلقة‭)‬،‭ ‬وما‭ ‬رافقها‭ ‬من‭ ‬تركيز‭ ‬شبه‭ ‬حصري‭ ‬على‭ ‬ثيمة‭ ‬الجسد،‭ ‬تكشف‭ ‬أن‭ ‬الحكم‭ ‬الأخلاقي‭ ‬لا‭ ‬يزال‭ ‬حاضرًا‭ ‬بقوة،‭ ‬لا‭ ‬في‭ ‬تلقي‭ ‬النصوص‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬توجيه‭ ‬النقاش‭ ‬حولها‭. ‬

إن‭ ‬غياب‭ ‬الجسد‭ ‬في‭ ‬الرواية‭ ‬الليبية،‭ ‬أو‭ ‬حضوره‭ ‬المتوتر،‭ ‬ليس‭ ‬بالضرورة‭ ‬خيارًا‭ ‬جماليًا‭ ‬واعيًا‭ ‬لدى‭ ‬الروائي،‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬انعكاس‭ ‬لرقابة‭ ‬مزدوجة‭: ‬رقابة‭ ‬المجتمع،‭ ‬ورقابة‭ ‬الكاتب‭ ‬على‭ ‬ذاته‭. ‬فالجسد،‭ ‬في‭ ‬مثل‭ ‬هذا‭ ‬السياق،‭ ‬لا‭ ‬يُنظر‭ ‬إليه‭ ‬بوصفه‭ ‬حقلًا‭ ‬للمعنى‭ ‬أو‭ ‬تجربة‭ ‬إنسانية‭ ‬مركبة،‭ ‬بل‭ ‬بوصفه‭ ‬منطقة‭ ‬محرّمة‭ ‬أو‭ ‬ملتبسة،‭ ‬تستدعي‭ ‬التبرير‭ ‬أو‭ ‬الحذف‭.‬

من‭ ‬هنا‭ ‬يمكن‭ ‬القول‭ ‬إن‭ ‬الحكم‭ ‬الأخلاقي‭ ‬لا‭ ‬يزال‭ ‬فاعلًا،‭ ‬وإنْ‭ ‬بأشكال‭ ‬متفاوتة،‭ ‬في‭ ‬كتابة‭ ‬الرواية‭ ‬وتلقيها‭. ‬وتجاوز‭ ‬هذا‭ ‬الوضع‭ ‬لا‭ ‬يرتبط‭ ‬فقط‭ ‬بجرأة‭ ‬الكتّاب،‭ ‬بل‭ ‬بتغير‭ ‬أعمق‭ ‬في‭ ‬البنية‭ ‬الثقافية،‭ ‬وبنشوء‭ ‬نقد‭ ‬قادر‭ ‬على‭ ‬قراءة‭ ‬الجسد‭ ‬بوصفه‭ ‬خطابًا‭ ‬ثقافيًا‭ ‬وجماليًا،‭ ‬لا‭ ‬مادة‭ ‬للاتهام‭ ‬أو‭ ‬الاستفزاز‭. ‬فحين‭ ‬يتحرر‭ ‬الأدب‭ ‬من‭ ‬هاجس‭ ‬التبرير،‭ ‬ويُقرأ‭ ‬بعيدًا‭ ‬عن‭ ‬منطق‭ ‬الوصاية‭ ‬الأخلاقية،‭ ‬يمكن‭ ‬للجسد‭ ‬أن‭ ‬يعود‭ ‬إلى‭ ‬مكانه‭ ‬الطبيعي‭: ‬جزءًا‭ ‬من‭ ‬التجربة‭ ‬الإنسانية،‭ ‬لا‭ ‬استثناءً‭ ‬منها‭.‬

‭ ‬ألا‭ ‬تحس‭ ‬أن‭ ‬معظم‭ ‬من‭ ‬يكتبون‭ ‬في‭ ‬الرواية‭ ‬يدورون‭ ‬في‭ ‬حلقة‭ ‬متشابهة‭ ‬من‭ ‬المواضيع‭ ‬والتناول‭ ‬المتشابه؟‮ ‬

الجواب‭ ‬الصريح‭ ‬هو‭ ‬نعم،‭ ‬وهذا‭ ‬ليس‭ ‬صدفة‭ ‬ولا‭ ‬مجرد‭ ‬خيار‭ ‬فني،‭ ‬بل‭ ‬انعكاس‭ ‬حقيقي‭ ‬لخلل‭ ‬مزدوج‭: ‬اجتماعي‭ ‬ونقدي‭. ‬من‭ ‬الناحية‭ ‬الاجتماعية،‭ ‬يعيش‭ ‬المجتمع‭ ‬الليبي،‭ ‬رغم‭ ‬تنوعه‭ ‬الجغرافي‭ ‬والعرقي‭ ‬‭ ‬أمازيغ،‭ ‬عرب،‭ ‬تبو،‭ ‬طوارق‭ ‬‭ ‬همومًا‭ ‬متقاربة‭ ‬جدًا،‭ ‬والماضي‭ ‬والحاضر‭ ‬متشابهان‭ ‬في‭ ‬التجربة‭ ‬الإنسانية‭ ‬اليومية‭. ‬الفوارق‭ ‬الشكلية،‭ ‬مثل‭ ‬لون‭ ‬البشرة‭ ‬أو‭ ‬لهجة‭ ‬معينة،‭ ‬لا‭ ‬تُنتج‭ ‬اختلافًا‭ ‬موضوعيًا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يغذي‭ ‬السرد‭ ‬بروح‭ ‬جديدة،‭ ‬بينما‭ ‬التمايز‭ ‬التقليدي‭ ‬بين‭ ‬القرية‭ ‬والمدينة‭ ‬أو‭ ‬بين‭ ‬البدو‭ ‬والحضر‭ ‬يكاد‭ ‬أن‭ ‬يندثر،‭ ‬فلا‭ ‬يترك‭ ‬أثرًا‭ ‬في‭ ‬بنية‭ ‬التجربة‭ ‬الروائية‭.‬

لكن‭ ‬ما‭ ‬يزيد‭ ‬الأزمة‭ ‬وضوحًا‭ ‬هو‭ ‬البعد‭ ‬النقدي‭: ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الكتاب‭ ‬يتحركون‭ ‬داخل‭ ‬دائرة‭ ‬مغلقة‭ ‬من‭ ‬الموضوعات‭ ‬والأساليب‭ ‬والنتيجة‭: ‬نصوص‭ ‬تتكرر،‭ ‬نفس‭ ‬الثيمات‭ ‬تتكرر،‭ ‬وكل‭ ‬محاولة‭ ‬للتجاوز‭ ‬تواجه‭ ‬إما‭ ‬عدم‭ ‬فهم‭ ‬أو‭ ‬رفض‭ ‬ضمني‭ ‬بسبب‭ ‬غياب‭ ‬الثقافة‭ ‬النقدية‭ ‬القادرة‭ ‬على‭ ‬احتضان‭ ‬التجديد‭.‬‮ ‬

وبعبارة‭ ‬أخرى،‭ ‬التشابه‭ ‬في‭ ‬الرواية‭ ‬الليبية‭ ‬ليس‭ ‬مجرد‭ ‬انعكاس‭ ‬لمجتمع‭ ‬متجانس،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬أيضًا‭ ‬انعكاس‭ ‬لخلل‭ ‬نقدي‭: ‬فغياب‭ ‬النقد‭ ‬العميق‭ ‬يجعل‭ ‬كل‭ ‬نص‭ ‬يطفو‭ ‬على‭ ‬سطح‭ ‬التجربة‭ ‬الروائية‭ ‬دون‭ ‬مساءلة،‭ ‬بينما‭ ‬المجتمع‭ ‬نفسه‭ ‬لم‭ ‬يفرز‭ ‬حتى‭ ‬الآن‭ ‬اختلافات‭ ‬صعبة‭ ‬يمكن‭ ‬استثمارها‭ ‬في‭ ‬النص،‭ ‬أو‭ ‬أسماء‭ ‬كبيرة‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬محركًا‭ ‬للتجديد‭. ‬

هل‭ ‬استطاعت‭ ‬الرواية‭ ‬الليبية‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬معبرة‭ ‬عن‭ ‬‮«‬الآخر‮»‬‭ ‬وأن‭ ‬تجيب‭ ‬عن‭ ‬أسئلة‭ ‬اليومي‭ ‬والمعاش‭ ‬والمتخيل،‭ ‬وأسئلة‭ ‬الهوية‭ ‬والمكان‭ ‬والزمان‭ ‬والتاريخ؟

أولاً،‭ ‬لنحدد‭ ‬المقصود‭ ‬بالآخر‭. ‬إذا‭ ‬كان‭ ‬المقصود‭ ‬به‭ ‬الأجنبي‭ ‬أو‭ ‬الغرب،‭ ‬فإن‭ ‬الرواية‭ ‬الليبية‭ ‬قدمت‭ ‬بالفعل‭ ‬تصورات‭ ‬عن‭ ‬الآخر،‭ ‬لكنها‭ ‬غالبًا‭ ‬ما‭ ‬كانت‭ ‬تصورات‭ ‬محدودة‭ ‬أو‭ ‬نمطية‭. ‬وفي‭ ‬تقديري،‭ ‬هذه‭ ‬الرؤية‭ ‬محكومة‭ ‬بعاملين‭ ‬رئيسيين‭: ‬الأول‭ ‬هو‭ ‬السياق‭ ‬ما‭ ‬بعد‭ ‬الكولونيالي،‭ ‬الذي‭ ‬يضع‭ ‬الكاتب‭ ‬الليبي‭ ‬أمام‭ ‬صراع‭ ‬مزدوج‭ ‬بين‭ ‬الهوية‭ ‬المحلية‭ ‬والانفتاح‭ ‬على‭ ‬الخارج؛‭ ‬والثاني‭ ‬هو‭ ‬الرغبة‭ ‬في‭ ‬تقديم‭ ‬عوالم‭ ‬غربية‭ ‬مستمدة‭ ‬غالبًا‭ ‬من‭ ‬تصورات‭ ‬نمطية‭ ‬أو‭ ‬من‭ ‬تجارب‭ ‬سطحية،‭ ‬أحيانًا‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬رحلات‭ ‬قصيرة،‭ ‬وأحيانًا‭ ‬عبر‭ ‬ما‭ ‬استقاها‭ ‬الكاتب‭ ‬من‭ ‬أفلام‭ ‬أو‭ ‬روايات‭ ‬أو‭ ‬صور‭ ‬صدمة‭ ‬الشرقي‭ ‬بالغرب‭.‬

وهكذا،‭ ‬فإن‭ ‬حضور‭ ‬الآخر‭ ‬في‭ ‬الرواية‭ ‬الليبية‭ ‬لا‭ ‬يُعالج‭ ‬بعين‭ ‬ملاحظة‭ ‬نقدية‭ ‬معمقة،‭ ‬بل‭ ‬يُقدّم‭ ‬أحيانًا‭ ‬بوصفه‭ ‬خلفية‭ ‬لتأكيد‭ ‬هوية‭ ‬الذات‭.‬

أما‭ ‬بالنسبة‭ ‬لمسائل‭ ‬اليومي‭ ‬والمعاش‭ ‬والمتخيل،‭ ‬وهويات‭ ‬المكان‭ ‬والزمان‭ ‬والتاريخ،‭ ‬فالوضع‭ ‬أكثر‭ ‬تعقيدًا‭. ‬الرواية‭ ‬الليبية‭ ‬المبكرة‭ ‬كثيرًا‭ ‬ما‭ ‬ركّزت‭ ‬على‭ ‬الفرد‭ ‬والطبقات‭ ‬المتوسطة‭ ‬الصاعدة،‭ ‬على‭ ‬أزمات‭ ‬الانتماء‭ ‬والحيرة‭ ‬الفكرية،‭ ‬لكنها‭ ‬في‭ ‬الغالب‭ ‬لم‭ ‬تستطع‭ ‬صياغة‭ ‬رؤى‭ ‬شاملة‭ ‬عن‭ ‬المجتمع،بمعنى‭ ‬آخر،‭ ‬استطاعت‭ ‬الرواية‭ ‬الليبية‭ ‬التعبير‭ ‬عن‭ ‬الآخر،‭ ‬لكنها‭ ‬لم‭ ‬تفعل‭ ‬ذلك‭ ‬بحرية‭ ‬أو‭ ‬عمق،‭ ‬واستطاعت‭ ‬التعاطي‭ ‬مع‭ ‬اليومي‭ ‬والمعاش‭ ‬من‭ ‬زاوية‭ ‬الفرد‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬المجتمع،‭ ‬أما‭ ‬الهويات‭ ‬المتعددة‭ ‬للمكان‭ ‬والزمان‭ ‬والتاريخ‭ ‬فهي‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬في‭ ‬طور‭ ‬التشكل،‭ ‬ولم‭ ‬تُستثمر‭ ‬بعد‭ ‬لتكوين‭ ‬خطاب‭ ‬روائي‭ ‬قادر‭ ‬على‭ ‬الإجابة‭ ‬عن‭ ‬الأسئلة‭ ‬الكبرى‭ ‬للحياة‭ ‬الليبية‭.‬‮ ‬

الأسماء‭ ‬الجديدة‭ ‬في‭ ‬الرواية‭ ‬الليبية‭: ‬من‭ ‬استرعى‭ ‬انتباهك‭ ‬ومن‭ ‬تراهم‭ ‬الأكثر‭ ‬تميّزًا؟‮ ‬

الإجابة‭ ‬عن‭ ‬هذا‭ ‬السؤال‭ ‬ليستْ‭ ‬سهلة،‭ ‬لأنها‭ ‬تستدعي‭ ‬حذرًا‭ ‬في‭ ‬ذكر‭ ‬الأسماء‭ ‬دون‭ ‬إغفال‭ ‬أو‭ ‬ظلم،‭  ‬من‭ ‬الأسماء‭ ‬التي‭ ‬أرى‭ ‬فيها‭ ‬قدرات‭ ‬متميزة‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬الرؤية‭ ‬السردية‭ ‬واللغة‭ ‬والتجريب‭ ‬الفني،‭ ‬من‭ ‬بينهم‭ )‬جمعة‭ ‬الموفق،‭ ‬وعائشة‭ ‬إبراهيم،‭ ‬وكوثر‭ ‬الجهمي،‭ ‬وغالية‭ ‬الذرعاني،‭ ‬ومحمد‭ ‬النعاس،‭ ‬وعبدالله‭ ‬الغزال‭(.. ‬هؤلاء‭ ‬الكتَّاب‭ ‬جميعهم،‭ ‬في‭ ‬تقديري،‭ ‬يحملون‭ ‬حسًّا‭ ‬مميزًا‭ ‬تجاه‭ ‬التفاصيل‭ ‬الإنسانية‭ ‬والاجتماعية،‭ ‬ويجربون‭ ‬أساليب‭ ‬سردية‭ ‬متنوعة،‭ ‬مع‭ ‬المحافظة‭ ‬على‭ ‬خطاب‭ ‬روائي‭ ‬قادر‭ ‬على‭ ‬التعبير‭ ‬عن‭ ‬الواقع‭ ‬الليبي‭ ‬المعاصر‭ ‬بصور‭ ‬مختلفة‭. ‬

النقد‭ ‬الأكاديمي‭ ‬هل‭ ‬استطاع‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬حاضرًا‭ ‬ومواكبًا‭ ‬للرواية‭ ‬الليبية؟،‭ ‬ومِنْ‭ ‬َمنِ‭ ‬النقاد‭ ‬تراه‭ ‬مميزًا؟‮ ‬

سبق‭ ‬القول‭ ‬إن‭ ‬المتن‭ ‬النقدي‭ ‬الأكاديمي‭ ‬في‭ ‬ليبيا‭ ‬غالبًا‭ ‬ما‭ ‬يأتي‭ ‬كاستحقاق‭ ‬وظيفي،‭ ‬وليس‭ ‬دائمًا‭ ‬نقدًا‭ ‬ممتدًا‭ ‬أو‭ ‬قائمًا‭ ‬على‭ ‬رغبة‭ ‬نقدية‭ ‬حقيقية‭. ‬ومع‭ ‬ذلك،‭ ‬يمكن‭ ‬تقييم‭ ‬بعض‭ ‬المنشورات‭ ‬التي‭ ‬أسهمت‭ ‬في‭ ‬توثيق‭ ‬الرواية‭ ‬الليبية‭ ‬ومواكبتها‭. ‬ففي‭ ‬النقد‭ ‬السياقي،‭ ‬تعد‭ ‬دراستان‭ ‬لعلي‭ ‬برهانة‭ ‬وأحمد‭ ‬شيلابي‭ ‬في‭ ‬النقد‭ ‬الاجتماعي‭ ‬رائدتين‭ ‬في‭ ‬مجالهما،‭ ‬لما‭ ‬قدماه‭ ‬من‭ ‬قراءة‭ ‬واعية‭ ‬للأعمال‭ ‬الروائية‭ ‬في‭ ‬إطارها‭ ‬الاجتماعي‭ ‬والسياسي‭. ‬أما‭ ‬في‭ ‬الحقل‭ ‬البنيوي،‭ ‬فدرسات‭ ‬فاطمة‭ ‬الحاجي‭ ‬وحسن‭ ‬الأشلم‭ ‬تبرز‭ ‬لانضباطها‭ ‬المنهجي‭ ‬ووضوح‭ ‬رؤيتها‭ ‬النقدية،‭ ‬ما‭ ‬يجعلها‭ ‬مراجع‭ ‬مفيدة‭ ‬في‭ ‬قراءة‭ ‬النصوص‭ ‬الليبية‭ ‬من‭ ‬منظور‭ ‬منهجي‭ ‬دقيق‭.‬

‮ ‬يمكن‭ ‬القول‭ ‬إن‭ ‬النقد‭ ‬الأكاديمي‭ ‬قد‭ ‬أسهم‭ ‬في‭ ‬تأسيس‭ ‬المرجعيات،‭ ‬لكن‭ ‬الحركة‭ ‬النقدية‭ ‬الأكثر‭ ‬حيوية‭ ‬واستدامة‭ ‬جاءت‭ ‬من‭ ‬خارج‭ ‬المؤسسة‭ ‬الأكاديمية،‭ ‬حيث‭ ‬الجمع‭ ‬بين‭ ‬الموهبة‭ ‬والرغبة‭ ‬والحرية‭ ‬في‭ ‬القراءة‭ ‬أتاح‭ ‬إنتاج‭ ‬قراءة‭ ‬أعمق‭ ‬وأكثر‭ ‬مواكبة‭ ‬للرواية‭ ‬الليبية‭.‬‮ ‬

هل‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬الرواية‭ ‬الليبية‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬تشكيل‭ ‬الوعي‭ ‬الجماعي،‭ ‬وأن‭ ‬تكون‭ ‬مؤثرة‭ ‬ومعبرة‭ ‬عن‭ ‬المتغيرات،‭ ‬وموازية‭ ‬للواقع‭ ‬والحلم؟‮ ‬

من‭ ‬ناحية‭ ‬الأمل،‭ ‬لا‭ ‬شك‭ ‬أن‭ ‬إمكانية‭ ‬ذلك‭ ‬موجودة‭. ‬فالرواية،‭ ‬بوصفها‭ ‬أداة‭ ‬فنية‭ ‬وثقافية،‭ ‬تمتلك‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬قراءة‭ ‬الواقع،‭ ‬واستشراف‭ ‬المستقبل،‭ ‬وتشكيل‭ ‬وعي‭ ‬جماعي‭ ‬قادر‭ ‬على‭ ‬التساؤل،‭ ‬والمساءلة‭.‬‮ ‬

لكن‭ ‬هذا‭ ‬الأمل‭ ‬مرهونٌ‭ ‬بعاملين‭ ‬أساسيين‭:‬

الأول‭ ‬هو‭ ‬وضع‭ ‬القراءة‭ ‬في‭ ‬المجتمع‭ ‬الليبي،‭ ‬فكلما‭ ‬ارتفع‭ ‬مستوى‭ ‬الثقافة‭ ‬القرائية،‭ ‬وتعزَّز‭ ‬الاهتمام‭ ‬بالنصوص‭ ‬المحلية‭ ‬والعربية‭ ‬والعالمية،‭ ‬زادتْ‭ ‬قدرة‭ ‬الرواية‭ ‬على‭ ‬التأثير،‭ ‬وتحولتْ‭ ‬من‭ ‬مجرد‭ ‬سرد‭ ‬شخصي‭ ‬إلى‭ ‬فعل‭ ‬اجتماعي‭.‬

أما‭ ‬العامل‭ ‬الثاني‭ ‬فهو‭ ‬توجه‭ ‬الروائيين‭ ‬أنفسهم‭ ‬نحو‭ ‬تقديم‭ ‬أعمال‭ ‬أكثر‭ ‬قربًا‭ ‬من‭ ‬الشارع،‭ ‬وأعمق‭ ‬غوصًا‭ ‬في‭ ‬البنية‭ ‬الثقافية‭ ‬والاجتماعية‭ ‬للمجتمع،‭ ‬بحيث‭ ‬تعكس‭ ‬الرواية‭ ‬هموم‭ ‬الناس‭ ‬اليومية،‭ ‬وتطرح‭ ‬الأسئلة‭ ‬الكبرى‭ ‬عن‭ ‬الهوية‭ ‬والمكان‭ ‬والزمان‭ ‬والتاريخ‭.‬

بعبارة‭ ‬أخرى،‭ ‬الرواية‭ ‬الليبية‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬المساهمة‭ ‬في‭ ‬تشكيل‭ ‬وعي‭ ‬جماعي‭ ‬إذا‭ ‬ما‭ ‬اجتمعت‭ ‬إرادة‭ ‬القراءة‭ ‬الواعية‭ ‬مع‭ ‬قدرة‭ ‬الكتَّاب‭ ‬على‭ ‬قراءة‭ ‬المجتمع‭ ‬بكل‭ ‬أبعاده،‭ ‬وتحويل‭ ‬المتغيرات‭ ‬إلى‭ ‬سرد‭ ‬حي‭ ‬ومؤثر،‭ ‬يوازن‭ ‬بين‭ ‬الواقع‭ ‬والحلم،‭ ‬بين‭ ‬الطموح‭ ‬والقيود،‭ ‬وبين‭ ‬الفرد‭ ‬والجماعة‭.‬

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى