في لحظاتِ الاختناق الاقتصادي، لا تُقاس الخسائر بالأرقام وحدها، بل بما يتسلّل من بين أيدينا: الذاكرة، والرمز، والمعنى. فالأزمات لا تهدّد لقمة العيش فقط، بل تضع الإرث الثقافي في مواجهة مباشرة مع الحاجة، وتحوّل الموروث من قيمة معنوية إلى عبء قابل للتفريط.
التراث الليبي، بعاداته ومقتنياته وطقوسه، لم يكن يومًا ترفًا اجتماعيًا، بل شكّل خريطة هوية، تحفظ ملامح الإنسان والمكان، وتربط الحاضر بجذوره العميقة.
من البيوت القديمة، إلى الحُليّ، إلى تفاصيل المناسبات الاجتماعية، كانت الثقافة الشعبية تُبنى بصبر، وتُورَّث كأمانة لا كسلعة.
غير أن ضيق الحال أعاد ترتيب الأولويات قسرًا. فصارت بعض المقتنيات التراثية تُباع، وتُمحى قصصها مقابل قيمة آنية، كأن التاريخ يمكن اختصاره في وزن أو سعر. ومع كل قطعة تُفقد، يتراجع حضور الذاكرة الجمعية، ويُفتح فراغ في السرد الوطني لا يُعوَّض.
إن التفريط في التراث ليس شأنًا فرديًا معزولًا، بل خسارة عامة، لأن الموروث الثقافي هو ملك رمزي للمجتمع كله. وحمايته لا تعني تجميده، بل الوعي بقيمته، وتوثيقه، وتعليمه للأجيال القادمة بوصفه جزءًا من كينونتهم لا من الماضي المنسي.
في زمن الشدّة، يصبح الحفاظ على العادات والتقاليد فعل وعي، وموقفًا أخلاقيًا، ومقاومة صامتة ضد التلاشي. فالأوطان لا تُقاس بما تملكه من ثروات فقط، بل بما تصونه من ذاكرة، وما تحميه من هوية.


