اجتماعي

ذاكرة أم هوية ..

فائزة صالح

في‭ ‬لحظاتِ‭ ‬الاختناق‭ ‬الاقتصادي،‭ ‬لا‭ ‬تُقاس‭ ‬الخسائر‭ ‬بالأرقام‭ ‬وحدها،‭ ‬بل‭ ‬بما‭ ‬يتسلّل‭ ‬من‭ ‬بين‭ ‬أيدينا‭: ‬الذاكرة،‭ ‬والرمز،‭ ‬والمعنى‭. ‬فالأزمات‭ ‬لا‭ ‬تهدّد‭ ‬لقمة‭ ‬العيش‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬تضع‭ ‬الإرث‭ ‬الثقافي‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬مباشرة‭ ‬مع‭ ‬الحاجة،‭ ‬وتحوّل‭ ‬الموروث‭ ‬من‭ ‬قيمة‭ ‬معنوية‭ ‬إلى‭ ‬عبء‭ ‬قابل‭ ‬للتفريط‭.‬

التراث‭ ‬الليبي،‭ ‬بعاداته‭ ‬ومقتنياته‭ ‬وطقوسه،‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬يومًا‭ ‬ترفًا‭ ‬اجتماعيًا،‭ ‬بل‭ ‬شكّل‭ ‬خريطة‭ ‬هوية،‭ ‬تحفظ‭ ‬ملامح‭ ‬الإنسان‭ ‬والمكان،‭ ‬وتربط‭ ‬الحاضر‭ ‬بجذوره‭ ‬العميقة‭.‬

من‭ ‬البيوت‭ ‬القديمة،‭ ‬إلى‭ ‬الحُليّ،‭ ‬إلى‭ ‬تفاصيل‭ ‬المناسبات‭ ‬الاجتماعية،‭ ‬كانت‭ ‬الثقافة‭ ‬الشعبية‭ ‬تُبنى‭ ‬بصبر،‭ ‬وتُورَّث‭ ‬كأمانة‭ ‬لا‭ ‬كسلعة‭.‬

غير‭ ‬أن‭ ‬ضيق‭ ‬الحال‭ ‬أعاد‭ ‬ترتيب‭ ‬الأولويات‭ ‬قسرًا‭. ‬فصارت‭ ‬بعض‭ ‬المقتنيات‭ ‬التراثية‭ ‬تُباع،‭ ‬وتُمحى‭ ‬قصصها‭ ‬مقابل‭ ‬قيمة‭ ‬آنية،‭ ‬كأن‭ ‬التاريخ‭ ‬يمكن‭ ‬اختصاره‭ ‬في‭ ‬وزن‭ ‬أو‭ ‬سعر‭. ‬ومع‭ ‬كل‭ ‬قطعة‭ ‬تُفقد،‭ ‬يتراجع‭ ‬حضور‭ ‬الذاكرة‭ ‬الجمعية،‭ ‬ويُفتح‭ ‬فراغ‭ ‬في‭ ‬السرد‭ ‬الوطني‭ ‬لا‭ ‬يُعوَّض‭.‬

إن‭ ‬التفريط‭ ‬في‭ ‬التراث‭ ‬ليس‭ ‬شأنًا‭ ‬فرديًا‭ ‬معزولًا،‭ ‬بل‭ ‬خسارة‭ ‬عامة،‭ ‬لأن‭ ‬الموروث‭ ‬الثقافي‭ ‬هو‭ ‬ملك‭ ‬رمزي‭ ‬للمجتمع‭ ‬كله‭. ‬وحمايته‭ ‬لا‭ ‬تعني‭ ‬تجميده،‭ ‬بل‭ ‬الوعي‭ ‬بقيمته،‭ ‬وتوثيقه،‭ ‬وتعليمه‭ ‬للأجيال‭ ‬القادمة‭ ‬بوصفه‭ ‬جزءًا‭ ‬من‭ ‬كينونتهم‭ ‬لا‭ ‬من‭ ‬الماضي‭ ‬المنسي‭.‬

في‭ ‬زمن‭ ‬الشدّة،‭ ‬يصبح‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬العادات‭ ‬والتقاليد‭ ‬فعل‭ ‬وعي،‭ ‬وموقفًا‭ ‬أخلاقيًا،‭ ‬ومقاومة‭ ‬صامتة‭ ‬ضد‭ ‬التلاشي‭. ‬فالأوطان‭ ‬لا‭ ‬تُقاس‭ ‬بما‭ ‬تملكه‭ ‬من‭ ‬ثروات‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬بما‭ ‬تصونه‭ ‬من‭ ‬ذاكرة،‭ ‬وما‭ ‬تحميه‭ ‬من‭ ‬هوية‭.‬

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى