رأي

أيامنا التي لن تُنسى

أمين مازن

لم‭ ‬أجد‭ ‬غير‭ ‬استشعار‭ ‬المزيد‭ ‬من‭ ‬السرور‭ ‬المفعم‭ ‬بالإعجاب‭ ‬وأنا‭ ‬أتابع‭ ‬البث‭ ‬التليفزيوني‭ ‬عند‭ ‬إذاعة‭ ‬فقرة‭ ‬أيامنا‭ ‬التي‭ ‬تتقدم‭ ‬عادة‭ ‬نشرة‭ ‬أخبار‭ ‬كل‭ ‬يوم،‭ ‬عندما‭ ‬وجدتها‭ ‬في‭ ‬الخامس‭ ‬والعشرين‭ ‬من‭ ‬ديسمبر‭ ‬مُكرَّسةً‭ ‬للتذكير‭ ‬بأول‭ ‬محاكمة‭ ‬سياسية‭ ‬ليبية‭ ‬أقدمت‭ ‬عليها‭ ‬دولة‭ ‬الاستقلال‭ ‬في‭ ‬ستينيات‭ ‬القرن‭ ‬الماضي‭ ‬أُجريت‭ ‬لعدد‭ ‬من‭ ‬شباب‭ ‬تلك‭ ‬الأيام‭ ‬عندما‭ ‬تم‭ ‬اعتقالهم‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬لحقت‭ ‬بهم‭ ‬شبهة‭ ‬تنظيم‭ ‬حزب‭ ‬البعث‭ ‬العربي‭ ‬الاشتراكي‭ ‬أثناء‭ ‬وجودهم‭ ‬بالوسط‭ ‬الدراسي‭ ‬في‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬مستوى‭ ‬بلغوه‭ ‬بداية‭ ‬من‭ ‬المراحل‭ ‬الأولى‭ ‬وحتى‭ ‬الجامعة،ومن‭ ‬الداخل‭ ‬حتى‭ ‬الخارج،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬النقابات‭ ‬وبالجملة‭ ‬النشاط‭ ‬الاجتماعي‭ ‬كافة،‭ ‬وقد‭ ‬أخذ‭ ‬يومئذ‭ ‬في‭ ‬التكون‭ ‬متبنيا‭ ‬معاداة‭ ‬الوجود‭ ‬الأجنبي،‭ ‬هو‭ ‬تيار‭ ‬نشأ‭ ‬متأثرا‭ ‬بالمد‭ ‬الناصري‭ ‬وشعاراته‭ ‬الخاصة‭ ‬برفض‭ ‬الوجود‭ ‬الأجنبي‭ ‬والتفاوت‭ ‬بين‭ ‬مستويات‭ ‬المعيشة‭ ‬للمواطنين،‭ ‬والتجاوب‭ ‬الجماهيري‭ ‬في‭ ‬أشهر‭ ‬المدن‭ ‬العربية‭ ‬انطلاقا‭ ‬من‭ ‬الشام‭ ‬شرقا‭ ‬ووصولا‭ ‬إلى‭ ‬الشمال‭ ‬الإفريقي‭ ‬غربا‭ ‬متبنية‭ ‬التصدي‭ ‬للأحلاف‭ ‬الأجنبية‭ ‬غير‭ ‬المتكافئة‭ ‬سواء‭ ‬كانت‭ ‬معروضة‭ ‬من‭ ‬جديد‭ ‬كحلف‭ ‬بغداد،‭ ‬أو‭ ‬سبق‭ ‬لها‭ ‬أن‭ ‬أُبرمت‭ ‬وحَمَلت‭ ‬انتقاصا‭ ‬للحرية‭ ‬أو‭ ‬تبخيسا‭ ‬للمردود‭ ‬الاقتصادي،‭ ‬إنها‭ ‬السياسات‭ ‬التي‭ ‬طالما‭ ‬تنادت‭ ‬لإدانتها‭ ‬أشهر‭ ‬الصحف‭ ‬والمجلات‭ ‬العربية‭ ‬وامتلأت‭ ‬بها‭ ‬الشوارع‭ ‬والميادين‭ ‬المستنكرة‭ ‬لكل‭ ‬سياسة‭ ‬لا‭ ‬يرتفع‭ ‬فيها‭ ‬الصوت‭ ‬المعادي‭ ‬للمعسكر‭ ‬الغربي‭ ‬تحديدا،‭ ‬وقد‭ ‬أُريد‭ ‬لها‭ ‬شعبيا‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬في‭ ‬المتناول‭ ‬ولا‭ ‬سيما‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬اليوم‭ ‬الذي‭ ‬انعقدت‭ ‬فيه‭ ‬تلك‭ ‬المحكمة‭ ‬العلنية‭ ‬وقد‭ ‬تنادى‭ ‬لها‭ ‬المحامون‭ ‬جميعا‭ ‬وبدا‭ ‬فيها‭ ‬تضامن‭ ‬رجال‭ ‬النيابة‭ ‬في‭ ‬غرفة‭ ‬الاتهام‭ ‬وقد‭ ‬بذل‭ ‬كل‭ ‬ذي‭ ‬قدرة‭ ‬ما‭ ‬لديه‭ ‬من‭ ‬وجاهة‭ ‬كي‭ ‬تُجرى‭ ‬لصالح‭ ‬المتهمين‭ ‬وليس‭ ‬العكس‭ ‬كما‭ ‬قد‭ ‬تُعلل‭ ‬السلطة،‭ ‬كانت‭ ‬المدينة‭ ‬صغيرة‭ ‬والتصالات‭ ‬بينها‭ ‬وبين‭ ‬الدواخل‭ ‬قوية،‭ ‬كما‭ ‬أن‭ ‬تَوَزُّعَ‭ ‬السلطة‭ ‬بين‭ ‬الولايات‭ ‬والحكومة‭ ‬الاتحادية‭ ‬قائم‭ ‬على‭ ‬التعاون‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬التنازع‭ ‬ولا‭ ‬سيما‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬القضية‭ ‬التي‭ ‬ارتفع‭ ‬مستوى‭ ‬التعاطف‭ ‬بين‭ ‬المتهمين‭ ‬والسلطة،‭ ‬حتى‭ ‬أن‭ ‬كل‭ ‬من‭ ‬عُرِفَ‭ ‬عنه‭ ‬أي‭ ‬حديث‭ ‬حول‭ ‬الوقائع‭ ‬بما‭ ‬ينطوي‭ ‬على‭ ‬شيء‭ ‬من‭ ‬الإدانة‭ ‬لم‭ ‬يسلم‭ ‬من‭ ‬استنكار‭ ‬الجميع‭ ‬لموافقة‭ ‬ومن‭ ‬أقرب‭ ‬الناس‭ ‬إليه‭ ‬ومضت‭ ‬القضية‭ ‬عبر‭ ‬مستويات‭ ‬القضاء‭ ‬مجتمعة‭ ‬حتى‭ ‬آخر‭ ‬درجاته‭ ‬ولم‭ ‬يُعرف‭ ‬التشديد،‭ ‬واستنفذ‭ ‬الجميع‭ ‬أحكامهم‭ ‬واستأنفوا‭ ‬من‭ ‬ثم‭ ‬حياتهم‭ ‬مُبرئين‭ ‬من‭ ‬أي‭ ‬اشتباه،‭ ‬وهيأت‭ ‬لهم‭ ‬الثروة‭ ‬النفطية‭ ‬أوسع‭ ‬من‭ ‬مجال‭ ‬للعمل‭ ‬الخاص‭ ‬حتى‭ ‬كانت‭ ‬السبعينيات،‭ ‬فلم‭ ‬تقبل‭ ‬سلطات‭ ‬سبتمبر‭ ‬من‭ ‬أحد‭ ‬أن‭ ‬يعتقد‭ ‬بإمكانية‭ ‬الابتعاد‭ ‬عنها‭ ‬خاصة‭ ‬بدخول‭ ‬الثمانينيات‭ ‬وبروز‭ ‬فكرة‭ ‬من‭ ‬ليس‭ ‬معي،‭ ‬فهو‭ ‬ضدي،‭ ‬فكانت‭ ‬مبادرتهم‭ ‬من‭ ‬طرف‭ ‬العهد‭ ‬بتلك‭ ‬المذبحة‭ ‬التي‭ ‬أنهت‭ ‬حياة‭ ‬أشهر‭ ‬قياداتهم‭ ‬ليتركو‭ ‬ذلك‭ ‬الجرح‭ ‬الذي‭ ‬آلمنا‭ ‬جميعا‭ ‬واعتُبِرَ‭ ‬إظهار‭ ‬التأثر‭ ‬فيه‭ ‬واحد‭ ‬من‭ ‬المستمسكات‭!‬،‭ ‬لولا‭ ‬أن‭ ‬الزمن‭ ‬لا‭ ‬يدوم‭ ‬على‭ ‬حال،‭ ‬فتوالت‭ ‬الهزائم‭ ‬حتى‭ ‬كانت‭ ‬أكبرها،‭ ‬وبقيت‭ ‬فقرة‭ ‬أيامنا‭ ‬التي‭ ‬أُذيعت‭  ‬في‭ ‬الخامس‭ ‬والعشرن‭ ‬من‭ ‬ديسمبر‭ ‬لهذا‭ ‬العام‭ ‬ولا‭ ‬أحد‭ ‬يعلم‭ ‬ماذا‭ ‬وما‭ ‬الذي‭ ‬يتم‭ ‬في‭ ‬العام‭ ‬القادم،‭ ‬وستبقى‭ ‬مفردة‭ ‬أيامنا‭ ‬جرس‭ ‬إنذار‭ ‬لكل‭ ‬من‭ ‬يُكتَب‭ ‬له‭ ‬أن‭ ‬يحضرها‭ ‬أو‭ ‬يسمع‭ ‬عنها‭ ‬من‭ ‬أحاديث‭ ‬الرواة‭.‬

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى