
لم أجد غير استشعار المزيد من السرور المفعم بالإعجاب وأنا أتابع البث التليفزيوني عند إذاعة فقرة أيامنا التي تتقدم عادة نشرة أخبار كل يوم، عندما وجدتها في الخامس والعشرين من ديسمبر مُكرَّسةً للتذكير بأول محاكمة سياسية ليبية أقدمت عليها دولة الاستقلال في ستينيات القرن الماضي أُجريت لعدد من شباب تلك الأيام عندما تم اعتقالهم بعد أن لحقت بهم شبهة تنظيم حزب البعث العربي الاشتراكي أثناء وجودهم بالوسط الدراسي في أكثر من مستوى بلغوه بداية من المراحل الأولى وحتى الجامعة،ومن الداخل حتى الخارج، إلى جانب النقابات وبالجملة النشاط الاجتماعي كافة، وقد أخذ يومئذ في التكون متبنيا معاداة الوجود الأجنبي، هو تيار نشأ متأثرا بالمد الناصري وشعاراته الخاصة برفض الوجود الأجنبي والتفاوت بين مستويات المعيشة للمواطنين، والتجاوب الجماهيري في أشهر المدن العربية انطلاقا من الشام شرقا ووصولا إلى الشمال الإفريقي غربا متبنية التصدي للأحلاف الأجنبية غير المتكافئة سواء كانت معروضة من جديد كحلف بغداد، أو سبق لها أن أُبرمت وحَمَلت انتقاصا للحرية أو تبخيسا للمردود الاقتصادي، إنها السياسات التي طالما تنادت لإدانتها أشهر الصحف والمجلات العربية وامتلأت بها الشوارع والميادين المستنكرة لكل سياسة لا يرتفع فيها الصوت المعادي للمعسكر الغربي تحديدا، وقد أُريد لها شعبيا أن تكون في المتناول ولا سيما في ذلك اليوم الذي انعقدت فيه تلك المحكمة العلنية وقد تنادى لها المحامون جميعا وبدا فيها تضامن رجال النيابة في غرفة الاتهام وقد بذل كل ذي قدرة ما لديه من وجاهة كي تُجرى لصالح المتهمين وليس العكس كما قد تُعلل السلطة، كانت المدينة صغيرة والتصالات بينها وبين الدواخل قوية، كما أن تَوَزُّعَ السلطة بين الولايات والحكومة الاتحادية قائم على التعاون أكثر من التنازع ولا سيما في هذه القضية التي ارتفع مستوى التعاطف بين المتهمين والسلطة، حتى أن كل من عُرِفَ عنه أي حديث حول الوقائع بما ينطوي على شيء من الإدانة لم يسلم من استنكار الجميع لموافقة ومن أقرب الناس إليه ومضت القضية عبر مستويات القضاء مجتمعة حتى آخر درجاته ولم يُعرف التشديد، واستنفذ الجميع أحكامهم واستأنفوا من ثم حياتهم مُبرئين من أي اشتباه، وهيأت لهم الثروة النفطية أوسع من مجال للعمل الخاص حتى كانت السبعينيات، فلم تقبل سلطات سبتمبر من أحد أن يعتقد بإمكانية الابتعاد عنها خاصة بدخول الثمانينيات وبروز فكرة من ليس معي، فهو ضدي، فكانت مبادرتهم من طرف العهد بتلك المذبحة التي أنهت حياة أشهر قياداتهم ليتركو ذلك الجرح الذي آلمنا جميعا واعتُبِرَ إظهار التأثر فيه واحد من المستمسكات!، لولا أن الزمن لا يدوم على حال، فتوالت الهزائم حتى كانت أكبرها، وبقيت فقرة أيامنا التي أُذيعت في الخامس والعشرن من ديسمبر لهذا العام ولا أحد يعلم ماذا وما الذي يتم في العام القادم، وستبقى مفردة أيامنا جرس إنذار لكل من يُكتَب له أن يحضرها أو يسمع عنها من أحاديث الرواة.

