
في زحمة انشغالنا بضجيج أيامنا العابرة، ودعنا الأسبوع الماضي البروفسور يوسف سالم البرغثي، كعادة الكبار في رحيلهم الهادئ، المؤرخ وأستاذ التاريخ الحديث والمعاصر، كان «بوصلة» وطنية، ومنارةً أكاديمية استدلتْ بها أجيالٌ من الباحثين في عتمة المسارات التاريخية الوعرة.
رحل البرغثي تاركًا خلفه فراغًا لا يسده إلا تراثه الضخم الذي حفره في وجدان الذاكرة الليبية، مؤكداً أن المؤرخ الحق هو ذاك الذي يتجاوز سرد الوقائع ليمنحها الروح والمعنى.
بفقد هذا الطود العلمي، تخسر ليبيا واحدًا من أخلص حراس هويتها، فالدكتور يوسف آمن بأن الوثيقة الصماء لا تكتمل قيمتها إلا بصوت أصحابها، فكان من الرعيل الأول الذين أدركوا قيمة «الكلمة المنطوقة»، فتح قلبه وعقله لأفواه المجاهدين الأوائل، من خلال موقعه كأحد مؤسسي «مركز جهاد الليبيين»، قاد مع زملائه مسيرة شاقة، مسيرة «التوثيق» ضد النسيان، جاب أرياف وقرى ليبيا مسجلاً شهادات الرواية الشفهية، لتتحوَّل بفضله وفضل رفاقه، تلك الأنفاس المتعبة إلى وثائق حية في المكتبة الصوتية، تحفظ للأجيال ملاحم الكفاح الوطني .. امتلك الفقيد جرأةً علمية مكنته من فتح ملفات كادت تبتلعها الغياهب، فهو صاحب السبق في تشريح «المعتقلات الفاشية» بدراسة أكاديمية رصينة هي الأولى من نوعها، كشف فيها الوجه القبيح للاحتلال، ملامساً بأنامله جراح الأجداد في معتقلات «العقيلة والبريقة والمقرون» وغيرها. امتد فيض عطائه من محراب البحث والتقصي ليصل إلى قاعات الدرس، عرفته عن قرب في كلية التاريخ والحضارة بجامعة السيد محمد بن علي السنوسي الإسلامية، كان بمثابة الأب الأكاديمي، الحريص دائماً على أن يزرع في نفوس طلابه أخلاق «العالِم» قبل «العِلم»، فجمع بين التواضع الجم والأنفة العلمية التي لا تهادن. بين دفتي كتابه «حركة المقاومة الوطنية بالجبل الأخضر»، وبين محاضراته التي كانت تتدفق حبًا وشغفًا بالوطن، ترك يوسف البرغثي أثرًا لا يمحوه الزمن. غادرنا بجسده، وبقي «نبراساً» في كل سطرٍ يُكتب عن تاريخ ليبيا، وشاهداً حياً على أن ذاكرة الشعوب لا تموت ما دام فيها رجالٌ وهبوا أعمارهم لاستنطاق الحقيقة وتخليد تضحيات الآباء.
وسيبقى اسمه مرادفًا للوفاء العلمي والنزاهة الإنسانية.



