
في مفارقة لافتة، أصبح الدفع الإلكتروني في ليبيا الذي يفترض أن يكون أداة لتسهيل المعاملات وتقليل التكلفة سببًا في زيادة الأسعار على المواطن، وسط شكاوى متصاعدة من التجار بشأن تأخر حصولهم على مستحقاتهم من المصارف.
وبين واقع السوق ومحاولات التكيف معه، يجد المواطن نفسه الحلقة الأضعف، يدفع ثمن خلل لا علاقة له به.
في الوقت الذي تتجه فيه الاقتصادات الحديثة إلى تقليل الاعتماد على النقد وتعزيز وسائل الدفع الإلكتروني، برزت في ليبيا حالة معاكسة تثير العديد من التساؤلات، حيث أصبح استخدام البطاقة المصرفية في المعاملات الشرائية سببًا في زيادة السعر، بدل أن يكون وسيلة لتسهيله.
الفتوى الصادرة عن دار الإفتاء التي تجيز للتاجر رفع السعر عند البيع عبر البطاقة جاءت لتعكس واقعًا فعليًا يعيشه السوق، يتمثل في تأخر تسوية المدفوعات من قبل المصارف، وهو واقع يجد فيه التاجر نفسه أمام تحديات تتعلق بتوفر السيولة لاستمرار نشاطه التجاري.
غير أن الإشكالية لا تقف عند حدود التاجر، بل تمتد إلى المواطن الذي يجد نفسه في نهاية المطاف أمام زيادة سعرية لمجرد اختياره وسيلة دفع حديثة، خاصة في ظل نقص السيولة داخل النظام المصرفي، وهو ما يدفع التجار إلى البحث عن حلول آنية لتعويض التأخير في تحصيل أموالهم.
وهنا يتضح جوهر المشكلة ففي الأنظمة المصرفية المستقرة، تسهم المدفوعات الإلكترونية في تسريع دورة المال وتقليل التكلفة، بينما في الحالة الليبية، يؤدي بطء التسويات وضعف إدارة السيولة إلى نتيجة عكسية، حيث تتحول الوسيلة إلى عبء، ويحمل الفرق مباشرة للمستهلك.
إن استمرار هذا الوضع لا يهدد فقط العدالة السعرية داخل السوق، بل يقوض الثقة في أدوات الدفع الحديثة، ويعيد ترسيخ الاقتصاد النقدي، في وقت يفترض فيه أن يكون التحول الرقمي أحد مسارات الإصلاح الاقتصادي الأمر الذي ينادي به المصرف المركزي.
وعليه فإن المعالجة الحقيقية لا تكمن في تبرير الزيادة، بل في إزالة أسبابها من خلال تسوية مالية سريعة، وتوفير سيولة منتظمة، وتطوير فعلي للبنية المصرفية. وإلى أن يحدث ذلك … سيظل المواطن هو من يدفع الثمن.


