
حين يتحوَّل الحلُ إلى أزمة بطاقة الأغراض الشخصية بين وعود الإنقاذ، وواقع الاستنزاف.
حين تختبر السياسات في جيب المواطن
في لحظة فارقة من مسار الاقتصاد الليبي تتقاطع قرارات مصرف ليبيا المركزي مع واقع يومي مثقل بالضغوط؛ حيث لم تعد الأرقام وحدها كافية لتفسير ما يجري بل أصبح المواطن هو المؤشر الأصدق لنجاح، أو إخفاق أي سياسة نقدية. مع إعلان إجراءات جديدة لتنظيم بيع النقد الأجنبي وإطلاق بطاقة الأغراض الشخصية برزتْ تساؤلات عميقة في الشارع .. هل تمثل هذه الخطوات بداية انفراج اقتصادي حقيقي أم أنها مجرد حلول مؤقتة تعيد إنتاج الأزمة بأدواتٍ مختلفة؟
هذا الاستطلاع يرصدُ نبض الشارع، ويستعرض آراء خبراء الاقتصاد ويضعها في مواجهة الرؤية الشرعية، في محاولة لفهم المشهد بكل أبعاده بعيدًا عن التبسيط، وقريبًا من تعقيد الواقع الليبي.
المواطن أولًا .. حين تتحوَّل البطاقة إلى «وسيلة نجاة»
يبدأ المشهدُ من حيث يجب أن يبدأ المواطن، فالأزمة الاقتصادية في ليبيا لم تعد مجرد أرقام في تقارير رسمية بل تحوَّلتْ إلى معركة يومية يخوضها الأفرادُ لتأمين أبسط متطلبات الحياة.
يقول المواطن عمران أحمد:
إنَّ منظومة الدولار التي أُطلقتْ لتخفيف العبء تحوَّلتْ بفعل الحاجة إلى باب جديد للاستغلال موضحًا أن كثيرًا من المواطنين أصبحوا يضطرون لبيع بطاقاتهم الشخصية لتجار العُملة مقابل سيولة فورية تستخدم لسد الاحتياجات الأساسية.
هذا السلوك وإن بدأ للبعض تحايلاً يعكس في جوهره حالة اختناق معيشي؛ حيث تتحوَّل الأدوات المصرفية من وسائل دعم إلى أدوات استنزاف. فالمواطن كما يصفه «عمران» ليس مستفيدًا بل هو الضحية الأولى لسياسات تكتفي بالترقيع دون معالجة الجذور.
وفي السياق ذاته يشير عبد الرزاق علي الديب، أ. محاضر إلى أن الدافع الأساسي وراء شراء العُملة الأجنبية عبر البطاقة هو تحقيق الربح من فرق السعر بين السوق الرسمي، والموازي مؤكدًا أن الوضع الاقتصادي الصعب هو المحرك الحقيقي لهذا السلوك، وليس مجرد رغبة في المضاربة.
ويضيف أنَّ العديد من العائلات باتت تفتح حسابات متعدَّدة لتعظيم الاستفادة في مؤشر واضح على أن الفجوة السعرية خلقتْ حافزًا اقتصاديًا قويًا لإعادة تدوير العُملة بدل استخدامها في أغراضها الأصلية.
أما المواطن محمد عمر فيرسم صورة أكثر واقعية للمشهد اليومي أمام المصارف؛ حيث التزاحم من مختلف الفئات )نساءً، وشيوخًا( في سبيل الحصول على البطاقة التي تُستخدم لاحقًا كوسيلة للحصول على سيولة نقدية عبر بيعها لتجار العُملة.
ويؤكد أن المواطن لا يستفيد إلا من جزء بسيط يستخدم مرة واحدة لسداد دين، أو تلبية حاجة عاجلة، دون أي قدرة على الادخار ما يعكس هشاشة الوضع الاقتصادي للأفراد، ويدفعهم للبحث عن أي منفذ للنجاة حتى وإن كان مؤقتًا .
الخبراء : تنظيم للطلب، أم إصلاح هيكلي؟!
يرى الخبير الاقتصادي د.محمد الشحاتي أن بطاقة الأغراض الشخصية تمثل : )أداة لتنظيم الطلب أكثر من كونها إصلاحًا اقتصاديًا حقيقيًا(.
موضحًا أنها تساعد في تخفيف الضغط على النقد الأجنبي لكنها لا تعالج الاختلالات الهيكلية في الاقتصاد.
ويؤكد أن نجاح هذه الأداة مرهون كونها جزءًا من حزمة إصلاحات أوسع، تشمل تعزيز الثقة في العُملة المحلية وتقليل الفجوة بين السعر الرسمي والموازي التي تعد المحرك الأساسي لظاهرة المتاجرة بالبطاقات.
وفيما يتعلق بالرقابة، يشدَّد الشحاتي على ضرورة الانتقال من الرقابة اللاحقة إلى الرقابة المدمجة داخل العملية نفسها من خلال ربط استخدام البطاقة بأغراض محدَّدة مثل : السفر، أو العلاج بدل السحب النقدي وهو ما من شأنه تقليص فرص التحايل.
كما يلفت إلى أن الإشكالية لا تكمن فقط في تنظيم شركات الصرافة بل في غياب أدوات حاسمة مثل : الضمان الائتماني والإطار القانوني المستقل مما يجعل الرقابة أقل فعالية، ويترك المجال مفتوحًا أمام المخالفات.
من جانبه يقدم الخبير الاقتصادي صابر الوحش قراءة أكثر تحفظًا؛ حيث يرى أن انخفاض سعر الدولار لن ينعكس سريعًا على أسعار السلع بسبب وجود مخزون تم استيراده بأسعار مرتفعة إلى جانب تأثير ما يعرف بـ«الدولار الجمركي».
ويؤكد أن المواطن «سيتحمل في المرحلة القادمة سعرين» أحدهما ناتج عن الأسعار القديمة والآخر عن التكاليف الجديدة ما يعني أن الانخفاض – إن حدث – سيكون بطيئًا، وربما يسبقه ارتفاع مؤقت في الأسعار.
أما الخبير د.علي الشريف فيرى أن بطاقة الأغراض الشخصية تُسهم في زيادة عرض الدولار في السوق وهو ما قد يؤدي إلى انخفاض تدريجي في سعر الصرف.
لكنه يشدَّد على أن هذا الانخفاض سيكون بطيئًا بسبب ما يعرف بمرونة الأسعار التي ترتفع بسرعة وتنخفض ببطء.
بين الاقتصاد والسوق .. دورة لا يستفيد منها المواطن
ما تكشفه هذه الآراء هو وجود دورة اقتصادية مغلقة تبدأ من المصرف وتمر بالمواطن وتنتهي عند السوق الموازي؛ حيث يتم إعادة ضخ العُملة بأسعار مضاعفة دون أن يحقَّق المواطن استفادة حقيقية.
هذه الدورة التي وصفها البعض بـ«اقتصاد الظل» تعكس خللاً في تصميم السياسات؛ حيث تتحوَّل الأدوات التنظيمية إلى فرص للمضاربة بدل أن تكون وسائل لتحقيق الاستقرار.
الرأي الشرعي .. تحذير من الغش والربا
في الجانب الشرعي حذرتْ «دار الإفتاء» من أن بعض المعاملات المرتبطة ببطاقة الأغراض الشخصية قد تكون غير جائزة إذا لم يتحقَّق شرط «التقابض الفوري» في معاملات الصرف.
وأكدتْ أن أي تأخير في تسليم العُملة بعد الاتفاق يبطل المعاملة كما أن استخدام البطاقة بطرق مخالفة مثل تمريرها لإيهام بعملية شراء وهمية يعد من قبيل الغش والاحتيال.
كما نبهتْ إلى أن بعض الصور قد تتضمن شبهة الربا، إذا ترتب على المعاملة منفعة مشروطة.
مؤكدة أن هذه الممارسات تندرج ضمن أكل أموال النَّاس بالباطل والتعاون على الإثم.
هذا الطرح يضيف بعدًا أخلاقيًا للأزمة؛ حيث لا تقتصر الإشكالية على الجانب الاقتصادي بل تمتد إلى منظومة القيم والسلوكيات التي تتأثر بدورها بالضغوط المعيشية.
خاتمًا :
السياسات تختبر في الواقع .. لا في النوايا
في المحصلة يبدو أن بطاقة الأغراض الشخصية رغم ما تحمله من نوايا تنظيمية قد تحوَّلتْ في الواقع إلى أداة مزدوجة: تخفف الضغط من جهة، وتفتح بابًا جديدًا للمضاربة من جهة أخرى.
الاستطلاع يكشف بوضوح أن الأزمة في ليبيا ليستْ أزمة أدوات بل أزمة منظومة متكاملة تحتاج إلى إصلاح جذري يبدأ من تقليص الفجوة بين السعرين، ويمر بتعزيز الرقابة وينتهي بإعادة بناء الثقة بين المواطن والمؤسسات.
فلا يمكن لأي سياسة نقدية أن تنجح إذا لم يشعر المواطن بآثارها في حياته اليومية، ولا يمكن لأي إصلاح أن يستمر إذا ظل المواطن مضطرًا لبيع حقه من أجل البقاء.
بين الآمال المشروعة والتحديات القائمة يبقى السؤال مفتوحًا .. هل تكون هذه الإجراءات بداية طريق نحو الاستقرار، أم مجرد محطة أخرى في مسار أزمة لم تُحسم بعد؟!.
الإجابة كما يبدو لن تكتب في بيانات المصرف بل في تفاصيل حياة المواطن.



