رأي

الكاتب الكبير أمين مازن .. تاريخ حافل بالعطاء والمثابرة العصامية والتألق الإبداعي

الكاتب يونس شعبان الفنادي

بتصرف عن ورقة للكاتب يونس شعبان الفنادي، قدمها في (حوارية العرفان) تكريماً للأديب الكبير أمين مازن التي نظمها مركز دراسات جهاد الليبيين بطرابلس يومي 3-4 نوفمبر 2025م
دأب الكاتب الكبير أمين مازن على ممارسة الكتابة والنشر بالصحف والجرائد والمجلات الحكومية والأهلية الخاصة منذ بواكير ولوجه عوالم الصحافة والأدب في بداية خمسينيات القرن الماضي، وهو بذلك يعد من رواد الكتابة الصحفية في تاريخ ليبيا المعاصر والتي مارسها خلال جميع أنظمتها السياسية منذ عهد الاستقلال ثم نظام العقيد القذافي وحتى مرحلة فبراير الحالية، مما يشير إلى انحياز قلمه وانتمائه بثبات نحو مبادئ الوطن دون الإغراق في تبني التوجهات الأيديولوجية والمواقف السياسية للأنظمة الحاكمة المتعاقبة.

وقد نشر الأستاذ أمين مازن كتاباته في جُلّ الصحف والجرائد الليبية والتي من أبرزها «طرابلس الغرب»، «الليبي»، «الرائد»، «العمل»، «الميدان»، «الثورة»، «الفجر الجديد»، «الأسبوع الثقافي»، «الشمس»، «الجماهيرية»، «أويا»، «فبراير»، «الصباح»، وكذلك بالمجلات الأدبية المتنوعة مثل «الرواد» و»الإذاعة» و«كل الفنون» و«ليبيا الحديثة» و«الوحدة»، و«الفصول الأربعة»، و«الثقافة العربية» و«لا»، و«الكاتب العربي». أما خارج ليبيا على صعيد الوطن العربي فقد نشر في مجلة «الآداب» البيروتية اللبنانية، وصحيفة «الحرية» التونسية، و«أنوال» المغربية، وجريدة «العرب» اللندنية، وقد نال النتاج الأدبي والصحفي للكاتب الكبير أمين مازن، اهتمام العديد من الباحثين الأكاديميين منهم الأستاذة أحلام الطاهر الكامل التي قامت في رسالتها لنيل الماجستير بعنوان «أمين مازن ناقداً» التي أنجزتها سنة 2010م تحت إشراف الدكتور الراحل الطاهر خليفة القراضي، بجمع وحصر مقالات الأديب أمين مازن وجدولتها وتصنيفها، وهو جهد يستحق الثناء والإشادة لما فيه من توثيق يوفر هذه المقالات للدراسة والنقد ويضعها أمام البُحَّاث والمهتمين.
ورغم تجاربه الأولى في خوض غمار الكتابة الشعرية فقد تخصص الأستاذ أمين مازن في كتابة المقالة النقدية الأدبية حول الشعر والنثر، ومقالة الموقف السياسي، والرأي الفكري، والنقد الفني المسرحي والغنائي والنقد الاجتماعي. وقد ظل مميزاً بمقالاته النقدية لما تتسم به من إتقان وتماسك بداية من البناء اللغوي المسهب بالتقديم الاستهلالي، ثم عرض الرسالة الواضحة وحتى الخاتمة المُحكمة، وهو بهذا الإتقان التنظيمي اللافت يذكرنا بكتاب المقالة المشهورين في الوطن العربي الذين احتضنتهم مجلة «الرسالة» المصرية لصاحبها الراحل أحمد حسن الزيات إبأن أوج عصرها الذهبي وعلى رأسهم الأديب الراحل أحمد أمين الذي برع في فن المقالة الأدبية بكل جمالياتها الفنية ومضامينها الموضوعية.
أما عن بدايات تكوين مخزونه المعرفي وقراءاته الأولية التي تأسس فكره الإبداعي عليها فيقول: «المخزون الثقافي بطبيعة الحال بدأ مع التعامل مع الكتاب والتعامل مع الحياة. فأنا اشتغلتُ في المجال الإداري واختلطتُ بأعدادٍ كبيرة من الناس وكانوا دائماً يمثلون الوعي ويمثلون التجربة ومن هؤلاء تكوّن لديّ مخزون عن حركة الحياة. أما القراءة فككل البدايات نحن بدأنا بالقراءة الدينية ثم بعد ذلك اتجهنا إلى الأدب..».
ويشير تنوع الموضوعات التي يتناولها الكاتب الكبير أمين مازن إلى سعة مطالعاته المتعددة، وثقافته الواسعة، ومواكبته للأحداث الجارية وطنياً وعربياً وعالمياً والتي جعلته يداوم على الإسهام في بناء الحركة الأدبية والثقافية والدفع بها إلى الأمام عبر كل المراحل والأنظمة السياسية التي مرت بها بلادنا.
وتحمل مقالات الأستاذ أمين مازن تداخلاً بيّناً واضحاً في أفكارها بين الثقافة والأدب والسياسة وهو ما يمكِّنه من تكريس رسائله لخدمة هذه الجوانب كافةً بجديةٍ مفرطة، والتزامٍ بصون اللغة التعبيرية، وبالشدة الأسلوبية المتقنة، وعدم التساهل فيما يستعرضه خلالها من ملاحظات أو تنبيهات أو مواقف.. مع إيمانه بحرية الاختلاف وأحقية الصوت الآخر في التعبير عن أرائه ومبادئه، وهذا النهج الذي ينفتح على الآخرين هو الذي جعل قلمه يواصل عطاءه طوال هذه العقود الزمنية، وتنال شخصيته احتراماً ومحبة من جميع مجايليه وغيرهم.
كما أن مقالات الأديب أمين مازن تقدم دروساً مهمة للجيل الأدبي والصحفي على حد سواء، وذلك لما تكتنزه من تقنيات وأساليب تعكس جهداً مضنياً في إظهارها، وهي لا تكمن أهميتها فيما تختزنه من محطات مهمة من سيرته الشخصية فحسب، بل تتعداها لتسجل العديد من المواقف التاريخية المبثوثة بين سطور تلك المقالات خاصة الأحداث السياسية المختلفة التي عصفت بليبيا أو أقطار الوطن العربي كافةً، وهي بذلك تكتسي أهمية بالغة في توثيق تلك الأحداث والمواقف ونقلها للآجيال التالية، لتكون بكل هذا الثراء زاداً أساسياً لصحفيي الجيل الحالي وكل جيل لاحق، ومنهلاً للتأمل والاستفادة والمحاكاة في بناءها الفني والموضوعي.
أنَّ مقالات الأستاذ أمين مازن في زاويته «قضايا» بمجلة «الفصول الأربعة» وغيرها مثل مقالاته الأسبوعية في صحيفة «فبراير» ومؤخراً في بوابة الوسط الالكترونية، ومنشوراته على موقعه الالكتروني «علامات» وكل انتاجه الفكري يوفر فرصةً لدراسات مستفيضة حول فن المقالة أكثر عمقاً وتحليلاً لاستنباط أبرز المؤشرات المهمة منها. ويا حبذا لو رُصدت وطُبعت هذه المقالات المازنية وصدرت في كتاب جامع لتكون منهلاً للمعرفة، وحقلاً للبحث والدراسة والنقاش ليرد المشهد الأدبي الجميل ويكون وفياً للأستاذ أمين مازن كما هو وفيٌّ ومخلصٌ لفن كتابة المقالة حاملاً على عاتقه منذ عقود زمنية طويلة مسؤوليته المهنية وحرصه على صون أمانة الكلمة الجادة والرسالة الصحفية، لينطبق عليه في ذلك قول الأديب الكبير الراحل أحمد أمين في كتابه «فيض الخاطر» الذي يؤكد أنَّ «أصدقُ كاتبٍ في نظري مَنْ احتفظ بشخصيته، وجعل أفكاره وعواطفه تمتزجُ امتزاجاً تاماً بأسلوبه. وخيرُ أسلوبٍ عندي ما أدى أكثر ما يمكن من أفكارٍ وعواطف في أقلِّ ما يمكن من عسرٍ وغموض ٍوالتواءٍ» الأمر الذي يجعل كل مطبوعة أو مؤسسة اعلامية تزداد تشريفاً بنشر مقالات الأديب أمين مازن لأنها ليست مجرد تحبير للورق في مطبوعة دورية، بقدر ما هي جزء من تاريخ حافل بالعطاء، والمثابرة العصامية، والتألق الإبداعي، وكل ذلك يحفز الباحثين على دراستها نقدياً بشكل معمق وفق مناهج علمية محددة، وتتبعها زمنياً بكل ما أسهمت به من موضوعات ثقافية وسياسية ونقدية عبر عقود طويلة من الإبداع.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى