التعليميةالرئيسية

المعلمة «سميرة عبــد الرحمن» العجزُ لا يسكـنُ الأجسادَ، بل الأرواحَ التي تَكُفُّ عن الطموح

حاورتها/ منى الشريدي عدسة/ نزهة أحمد  

خلف كل نجاح يكتبه الإنسان قصة صمودٍ ترويها الأيام، وخلف كل معلمةٍ متميزةٍ رحلة شاقة قهرت فيها قيود المستحيل. في هذا الحوار، نسلط الضوء على المسيرة الملهمة للمعلمة سميرة عبد الرحمن، التي لم تكتفِ بتجاوز التحديات الجسدية التي رافقتها منذ ميلادها، بل حولت مسار حياتها إلى منارةٍ تعليميةٍ تضيء عقول الأجيال. إن تجربتها ليست مجرد سردٍ لمواقف عابرة، بل هي دعوة للتأمل في مفهوم الكرامة الإنسانية، والتأكيد على أن القيمة الحقيقية للفرد تكمن في جوهره الفكري وعطائه المعرفي، لا في تكوينه البدني أو ما قد يفرضه الواقع من عوائق.
نود أن نغوص معكِ في بدايات هذه المسيرة؛ كيف تصفين نشأتك في ظل التحديات، وكيف استطعتِ تشكيل تلك الشخصية التعليمية الصلبة رغم الظروف؟
عبد الرحمن: ولدت في الثاني عشر من ديسمبر عام 1968، وحملت معي منذ لحظة قدومي إلى هذه الدنيا تحدياً جسدياً تمثل في إصابة عيني اليسرى. لم يكن والدي رحمه الله يرى في هذا التحدي مبرراً للتقاعس، بل كان دافعاً له ليغرس في نفسي الإيمان بأن التميز لا يتطلب كمال الجسد، بل كمال الطموح. لقد أصرّ على مساري التعليمي، وجعل من القراءة والكتابة جزءاً لا يتجزأ من كياني. لقد كانت رحلتي الجامعية هي الجسر الذي عبرت من خلاله نحو استقلاليتي، وحين ولجت سلك التعليم، كنت مدركة تماماً أنني لا أقدم مجرد مادة علمية، بل أقدم نموذجاً حياً للأجيال؛ لأبرهن للجميع أن العجز الحقيقي ليس ذلك الذي يلمسه الناس في أجسادنا، بل هو ذلك العجز الذي يعتري النفس عندما تتخلى عن الإرادة وتكف عن الطموح.
 في مراحل النشأة الأولى، غالباً ما تكون البيئة المدرسية هي الاختبار الأول للقوة النفسية؛ ما هي طبيعة التحديات التي واجهتها في هذا السياق، وكيف تعاملتِ مع ردود أفعال أقرانك أو حتى بعض المعلمين؟
عبد الرحمن: لا أخفيك أن الطريق لم يكن مفروشاً بالورود؛ فقد واجهت في مراحل دراستي الأولى انتقادات لاذعة، وربما كان التهكم رفيقاً لبعض الزملاء والكوادر التعليمية الذين لم يدركوا في حينها عمق الأثر الذي تتركه كلماتهم. لقد كان عليّ أن أختار بين الانكفاء على الذات تأثراً بهذه السلوكيات، وبين الارتفاع عنها بالتركيز المطلق على التحصيل العلمي. اخترت الخيار الثاني، وجعلت من تفوقي في المرحلة الابتدائية، وتَمكُّني من مادة اللغة الإنجليزية في المرحلة المتوسطة، درعاً يحميني وسلاحاً يمنحني الثقة. لقد تحولت تلك التحديات إلى محفزات جعلتني أكثر إصراراً على المشاركة في الإذاعة المدرسية، لأُسمِع صوتي للجميع، مؤكدة أنني موجودة وقادرة.
 هل وجدتِ في مسيرتك نماذج تعليمية احتضنت قدراتك، أم كان عليكِ دائماً خوض معاركك بمفردك؟
عبد الرحمن: على النقيض تماماً من تلك المواقف السلبية، فقد حظيت بنماذج تربوية راقية أؤمن بأنها كانت «صمام الأمان» في مسيرتي. لقد وجدت معلمين ومعلمات عاملوني بتقديرٍ إنساني عميق، بعيداً عن نظرات الشفقة أو التحقير. وأستحضر هنا بامتنانٍ بالغ معلمة اللغة الإنجليزية التي احتوتني كابنة لها، ولم تكتفِ بتدريسي، بل آمنت بموهبتي وبقدرتي على الإبداع. هذا النوع من الدعم التربوي هو ما يصنع الفارق؛ لقد كانت بمثابة البوصلة التي وجهت طاقتي نحو الإبداع، وأشعرتني أنني في بيئة تُقدر الجوهر وتغض الطرف عن المظاهر.
 حين ننتقل إلى مرحلة ما بعد التخرج، نجد أن التحديات قد اتخذت أشكالاً جديدة؛ كيف واجهتِ سوق العمل وما تخلله من نظرات اجتماعية قد تكون قاسية؟
عبد الرحمن: بعد نيل الشهادة الجامعية، اصطدمت بواقعٍ يفرض قيوده على المبدعين من ذوي التحديات الجسدية؛ حيث نظرات الشفقة في سوق العمل كانت تمثل عائقاً نفسياً بامتياز، تلامس في جوهرها شعوراً بالظلم الاجتماعي. ومع ذلك، لم أسمح لنفسي أبداً بأن أنزلق إلى دور «الضحية» الذي قد يريح البعض في التخلي عن طموحهم. لقد واصلت السعي، وقدمت في العديد من المؤسسات، معتمدة على كفاءتي المهنية التي صقلتها بالدراسة، حتى تحقق الهدف وأصبحت معلمة يُشار إليها بالبنان. اليوم، حين أنظر إلى الوراء، أرى أن كل لحظة رفض أو تهميش كانت لبنةً في بناء شخصيتي القوية التي لا تعرف الانكسار.
مؤخراً، حظيتِ بتكريم من قبل مركز أوباري للتدريب والتطوير؛ كيف وقع هذا التكريم في نفسك خاصة في هذه المرحلة من حياتك؟
عبد الرحمن: بصراحة، كانت هذه اللفتة مفاجأة سارة بكل ما تحمل الكلمة من معنى، ولأكون صادقة معك، هو التكريم الأول من نوعه الذي أحظى به فعلياً. مما يثير التأمل أن هذا التكريم جاء من مؤسسة خاصة، في حين غابت هذه المبادرة عن مكتب التعليم أو المدرسة التي قضيت فيها سنوات من العطاء. ومع ذلك، فإنني أشعر بفخر واعتزاز كبيرين بهذا الاحتفاء الذي جاء في وقتٍ أجد نفسي فيه خارج الملاك الوظيفي نتيجة لتراجع وضعي الصحي، وهو ما جعل لهذا التكريم صدى خاصاً في نفسي. لذا، أزجي كل الشكر والتحية والتقدير لكل من كان وراء هذه المبادرة الإنسانية النبيلة.
رسالة أخيرة تودين توجيهها للجهات المعنية ولزملائك في هذا المسار الإنساني الصعب؟
عبد الرحمن: رسالتي تتجاوز حدود الكلمات، فهي دعوة للعمل الجاد. أنا أتطلع من الجهات ذات العلاقة إلى تبني استراتيجيات حقيقية لخدمة هذه الشريحة، بما في ذلك توفير مدارس مجهزة ببيئة داعمة ومختصة. أما لزملائي ممن يواجهون تحديات مشابهة، فأقول لهم: لا تستسلموا لقرارٍ قد يحاول إقصاءكم كما شعرت بالإعاقة الحقيقية حين واجهت قراراً بإعفائي من التدريس بل قاوموا من أجل حقكم في العطاء. فكم من معوق جسدياً أثبت أنه قادر على الركض بعقله مسافات طوال من العلم والمعرفة، وهذا هو الميدان الحقيقي للسباق.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى