د. أسماء الصابري اختصاصية تغذية :غياب الرقابة الغذائية.. والمواطن يدفع الثمن خبراء التغذية يطالبون بالعودة الي نظام السبعينيات لمواجهة الأمراض
هدي الميلودي
في وقت يعاني فيه الشارع الليبي من قلق متزايد حول سلامة ما يدخل بيوته من أغذية وسلع، وأمام تصاعد مخيف لمعدلات الأمراض المستعصية، باتتْ سلامة الغذاءقضية أمن قومي تمس كل أسرة ولمعرفة مكامن الخلل والحلول المطروحة، التقينا بـ)د أسماء الصابري(، عضو اللجنة العلمية بالجمعية الليبية للتغذية المدرسية والتي وضعتْ إصبعها على الجرح بكثير من التجرد والمسؤولية العلمية، لتكشف لنا في هذا الحوار عن حجم الكارثة التي تهدّد صحة الليبيين، وخاصة الأطفال، ومخرجات الندوة العلمية الأخيرة لسلامة الغذاء.
ندوة سلامة الغذاء ندوة علمية مهمة، ما هي أبرز المحاور والنتائج التي خرجتم بها؟
شارك في الندوة نحو 20 ورقة علمية توزعت على خمسة محاور رئيسة :
غذائي، جودة، تشريعي، وصحي، وخرجنا بتوصيات عملية وقابلة للتطبيق إن توفرت الإرادة السياسية.
من ضمن التوصيات، ركزتم بشكل كبير على التغذية المدرسية، ما هي خطتكم لإنقاذ أطفال المدارس؟ الأطفال هم الحلقة الأضعف. أوصينا بتفعيل الصحة المدرسية لمراقبة المقاصف، والعودة لنظام التغذية المدرسية الموحدة والصحية كما كان في السبعينات. وطالبنا بمنع السكريات والعصائر الملونة، واستبدالها بأغذية صحية كـ)التمر، اللبن، البسيسة، وشطائر البيض، والجبن والتونة مع الخضار(.
السوق الليبي غارق في السلع غير المطابقة للمواصفات، ما الذي يحدث بالضبط في غياب الجهات الرقابية؟
للأسف، السوق غارق بالأغذية منتهية الصلاحية والمواد المحظورة دولياً، وسط غياب شبه تام للأجهزة الرقابية والتنفيذية كـ)الحرس البلدي، الجمارك، ومركز الرقابة على الأغذية(.
هذا التراخي سمح بتداول سلع كارثية؛ كقضية الكيكة مؤخراً، ومنتجات الأندومي ومرقة «ماجي المحتوية على مادة غلوتامات أحادي الصوديوم التي تدمّر الكبد والمخ وتسبب السرطانات والفشل الكلوي.
مادة برومات البوتاسيوم المستخدمة في الخبز، ما خطورة استمرار وجودها رغم حظرها عالمياً؟
هي مادة مسرطنة جداً ومحرّمة دولياً حتى بكميات ضئيلة. ورغم منعها في دول أوروبا والخليج، إلا أنها لا تزال تُستخدم في مخابزنا وتدخل البلاد دون رقيب أو حسيب.
هل هذا يفسر الطفرة المرعبة في انتشار الأمراض في المجتمع الليبي مؤخراً؟
بكل تأكيد. انتشار الأورام السرطانية، فرط الحركة عند الأطفال، الإجهاضات، وتشوّه الأجنة، كلها نتاج مباشر للأغذية الملوثة والمنتجات المستوردة بلا فحص، بل وحتى الخضروات والفواكه المحلية التي تُباع بعد رشها بمبيدات وأسمدة محظورة ومسرطنة.
حدثينا عن الإحصائيات في هذا الجانب؟
الإحصائيات صادمة؛ حيث أثبتت آخر دراسة لمنظمة الغذاء والدواء العالمية
من الأمراض، وتحديداً السرطانات، سببها الرئيسي والوحيد هو الغذاء.
عن المياه، وفوضى محطات التحلية التجارية في الشوارع، ما هي معايير الجودة الغائبة ؟
هذا ملف خطير؛ فقد تحولت المحطات لمشاريع عشوائية للمواجهين للكساد. شددنا على إلزامهم بمعايير الجودة )نوع البلاستيك، تاريخ الصلاحية، ونسبة الحموضة(، والأهم إجبارهم على فحص المياه الجوفية دورياً للتأكد من عدم تلوثها بالمعادن.
قدمتم التوصيات وصياغة المشروعات لصناع القرار.. هل لديكم تفاؤل بتطبيقها على أرض الواقع؟
نحن أدينا أمانتنا العلمية والوطنية وسلمنا التوصيات للمسؤولين والأمر متروك لضمائرهم. لكن الواقع المرير يثبت أننا نعيش في حلقة مفرغة ومؤسسات الدولة لم تكتمل بعد. لو كان هناك قانون رادع وهيبة للدولة لخاف التجار من المخالفة، لكن غياب القانون جعل البعض يستغل الفوضى للكسب السريع، بينما يدفع المواطن البسيط الثمن من دمه وعافيته.
خاتمًا ..
تضع د. أسماء بهذه الكلمات المليئة بالحرقة والمسؤولية خارطة طريق حقيقية لإنقاذ ما يمكن إنقاذه. فالأرقام والحقائق التي سردتها لا تدع مجالاً للشك بأن الأمن الغذائي يمر بمنعطف خطير؛ وبين توصيات الخبراء الحبيسة في أدراج المسؤولين، وفوضى الأسواق التي تقتات على غياب القانون، يبقى المواطن هو الضحية الأولى في معركة لقمة العيش التي باتتْ مغمسة بالمرض.
إنها صرخة تحذير أخيرة دقّت ناقوس الخطر، فهل من مجيب؟!.
