
في بلدٍ اعتاد أن تبدأ أزماته من السياسة ثم تنتهي في جيب المواطن لا تبدو استقالة المسؤول أمرًا عاديًا في واقع أصبحتْ فيه السلطة، أو الوظيفة ملكًا مقدسًا فالمنصب للأسف يمثل منجمًا للمزايا لا وسيلة لتقديم الخدمات، وإذا ما حاولنا استذكار عدد استقالات من تولوا المناصب منذ 2011 وحتى اللحظة لن تسعفنا لغة الأرقام، فالواقع يخبرنا أنَّ الاستقالة هي «بيضة الديك» وأمرٌ يندر حدوثه وإن حدث لن يتكرَّر .
والسؤال المهم في هذا الاستطلاع لماذا يختار مسؤولون مغادرة مواقعهم في مرحلة تعد في توقيتها حرجة وحساسة. وقد نشير هنا إلى محافظ ليبيا المركزي كمثالٍ على ذلك؟. وما حجم الضغوط التي تواجه أصحاب المناصب السيادية؟، وهل المشكلة في الأشخاص أم في منظومة اقتصادية، وسياسية أوسع من قدرة أي مسؤول منفرد على معالجتها؟.
قرار شخصي أم مؤشر على أزمة مؤسسية ؟
قال محمد يوسف درميش..مستشار التطوير التنظيمي السابق والمشرف السابق على الملف الاقتصادي والاجتماعي بالقسم العلمي بالمركز القومي للدراسات والبحوث العلمية فيما يخص استقالة المحافظ أرى أن تقييم محافظ مصرف ليبيا المركزي ومجلس الإدارة يجب أن ينطلق من الأداء والنتائج وليس من الأشخاص.
ويطرح درميش مجموعة من الأسئلة التي يرى أنها تمثل معيارًا حقيقيًا للحكم على أداء المصرف وهي : هل نجحتْ إدارة المصرف في استخدام أدوات السياسة الاقتصادية لمواجهة الأزمات؟، وهل تمكنتْ من تطوير القطاع المصرفي ليؤدي دوره في التمويل والاستثمار؟ وهل قدَّم حلولاً لأزمة السيولة وتراجع قيمة الدينار؟. وبحسب رؤيته فإن الإجابة عن هذه الأسئلة هي التي ينبغي أن تحدَّد مستوى نجاح، أو إخفاق الإدارة المصرفية خاصة وأن المواطن يلمس نتائج السياسة النقدية في حياته اليومية من أسعار السلع إلى قيمة الدينار، وتوفر السيولة.
انجازات رقمية
يرى م. هشام بشية أن الأخبار المتداولة حول استقالة محافظ مصرف ليبيا المركزي لم تتضح أسبابها رسميًا حتى الآن رغم الحديث عن رفض الاستقالة من قبل المجلس الأعلى للدولة.
ويشير إلى أن المحافظ أنجز خطواتٍ مهمة في مجال التحوَّل الرقمي والخدمات الإلكترونية كما أسهم في توفير السيولة، والنقد الأجنبي إلا أنّ هذه الإجراءات لم تنجح بصورة كافية في إيصال الدولار للمواطن بالسعر الرسمي كما لم تتمكن من إنهاء السوق الموازية. ويطرح «بشية» سؤالاً أكثر حساسية: لماذا قدَّم المحافظ استقالته في هذا التوقيت؟ . كما يشير إلى تداول معلومات حول تعرضه لضغوط مرتبطة بمبالغ مالية تخص مؤسسة عسكرية. مؤكدًا أن هذه الروايات تحتاج إلى توضيح رسمي ولا يجوز التعامل معها كحقائق قبل التحقَّق منها.
ويرى أن المصرف المركزي يحتاج إلى دعم مؤسسات الدولة لمواجهة شبكات المصالح المرتبطة بالاعتمادات والسوق الموازية باعتبار أن الأزمة لا تتعلق بالسياسة النقدية وحدها وإنما بشبكة واسعة من المصالح الاقتصادية.
المشكلة أكبر من المحافظ
من زاوية أخرى قال أ.عبد الهادي شلوف الناشط في الشأن العام إنه من الضرورة التمييز بين الاستقالة وطلب الإعفاء، باعتبار أن لكل منهما دلالاته القانونية والإدارية.
ويؤكد أن الجدل حول الاستقالة بدأ منذ اللحظة الأولى لتداول الخبر داعيًا إلى انتظار الإجراءات الرسمية قبل استخدام مصطلحات مثل «الإعفاء».
ويذهب شلوف إلى أن الأزمة الاقتصادية الليبية أعمق من تغيير محافظ المصرف المركزي . مشيرًا إلى اتساع الإنفاق العام، وتزايد الطلب على العُملة الأجنبية واستنزاف النقد الأجنبي إضافة إلى اعتماد نسبة كبيرة من الليبيين على المرتبات الحكومية.
وبحسب رؤيته فإن المصرف المركزي وجد نفسه أمام منظومة اقتصادية معقدة فكلما ضخ العُملة الأجنبية في السوق جرى امتصاص جزء كبير منها خلال فترة قصيرة الأمر الذي يزيد الضغوط على السياسة النقدية. وأوضح أن معالجة الأزمة لا تبدأ بتغيير المحافظ فقط، وإنما بإصلاح بنية الاقتصاد، وتنويع مصادر الدخل، وفتح باب الاستثمار، وتقليص الاعتماد على الوظيفة الحكومية إلى جانب توحيد المؤسسات، وتحقيق الاستقرار الأمني.
فشل الإصلاح؟
م.محمد الكبير مستشار المصالحة الوطنية. قال إن استقالة محافظ مصرف ليبيا المركزي إذا تأكدتْ قد تكون لها تداعيات خطيرة على الوضع الاقتصادي.
ويعتبر أن اختيار المحافظ جاء بحسب تقديره في إطار توافق بين أجسام سياسية من الشرق والغرب باعتباره شخصية محايدة قادرة على التعامل مع الطرفين ولذلك فإن مغادرته قد تؤثر في التوازن الاقتصادي والسياسي داخل المؤسسة النقدية.
ويربط الكبير الاستقالة وفق قراءته بتعثر بعض الإصلاحات الاقتصادية نتيجة غياب التوافق وتغليب المصالح الخاصة لدى بعض الأطراف.
ويقول إنّ المحافظ دخل إلى منصبه رغبة في خدمة البلاد والإسهام في الإصلاح الاقتصادي لكنه واجه عراقيل ربما جعلته يصل إلى قناعة بعدم قدرته على تنفيذ الأهداف التي جاء من أجلها.
وأشار إلى أهم نتائج الاستقالات المسؤولين أنها تعكس الخلاف حول السياسات الاقتصادية و الضغوط السياسية والمؤسسية مما تسبب إحباطاً من عدم القدرة على تنفيذ الإصلاحات المرجوة .
تقييم حول الاستقالات
تساءلت الدكتورة سميرة الزليطني المتخصصة في مجال القانون هل سبب مشكلة استقالات المسؤولين في الأشخاص الذين يتولون المناصب، أم في البيئة السياسية والمؤسسية التي يعملون داخلها؟.
وأشارت إلى أسباب استقالات المسؤولين في ليبيا أغلبها مرتبط بالضغوط السياسية أو مؤسسية وضعف التوافق المؤسسي وتداخل الاختصاصات، أو بخلافات حول إدارة الملفات العامة، وهنا يتبين مدى قدرة مؤسسات الدولة على حماية القرار الإداري والاقتصادي من التجاذبات. كما أكدت على التوقيت فهو مهم في ظل الجدل الذي أثارته استقالة «ناجي عيسى» وما رافقها من حديث عبر وسائل الإعلام المرئي ومنصات التواصل الاجتماعي عن الضغوطات والخلافات حول الإنفاق، والسياسة النقدية وهي ملفات تحتاج إلى معلومات موثقة لا إلى التكهنات.
موضحة أن تقارير حديثة تؤكد أن «مدير المصرف المركزي السيد ناجي عيسى» قدّم طلب إعفائه بينما طُلب منه الاستمرار مؤقتاً إلى حين النظر في الطلب. موضحة أن الاستقالة قد تكون أحياناً حقاً شخصياً ومسؤولية أخلاقية عندما يعجز المسؤول عن تنفيذ ما يراه صحيحاً لكنها قد تكون أيضاً مؤشراً خطيراً عندما تصبح المؤسسات عاجزة عن توفير الظروف التي تمكن المسؤول من أداء مهامه.
وتؤكد أن المواطن يجب أن يكون محور أي تقييم فهو لا يعنيه فقط من يستقيل ومن يبقى وإنما يريد مؤسسات مستقرة وأسعاراً يمكن تحملها وسيولة متوفرة وعملة وطنية مستقرة ومسؤولين تتم محاسبتهم على النتائج.
القانون والمصلحة العامة
د. فتحي دوزان عضو هيئة تدريس متخصص في القانون .. قال إن استقالة محافظ مصرف ليبيا المركزي إذا تأكدتْ لا ينبغي النظر إليها باعتبارها قراراً إدارياً يخص الشخص المسؤول فقط وإنما باعتبارها قضية تمس الاستقرار المالي والاقتصادي للبلاد.
ويؤكد أن المرحلة الراهنة لا تحتمل مزيداً من الارتباك في المؤسسات السيادية مشدداً على أن المسؤول الوطني مطالب بتحمل الضغوط والاستمرار في أداء مهامه متى كان قادراً على خدمة الصالح العام.
ويضيف أن الاختلاف حول أداء المحافظ أو نقد بعض سياساته حق مشروع لكن المطلوب هو تقييم المرحلة بموضوعية بعيداً عن الشخصنة والتجاذبات.
المواطن يريد النتائج
أ. عبد العزيز الشفتري المستشار القانوني أكد على أن المسؤولين مطالبون بالإخلاص في العمل والصدق في القول وأن الظروف الحالية تحتاج إلى مسؤولين قادرين على قضاء حوائج النَّاس وبعث الأمل في قدرة مؤسسات الدولة على تحقيق الأمن والعدالة وتطبيق القانون. ويؤكد أن المرحلة تمثل اختباراً حقيقياً لقدرة الإدارة المصرفية على الاستجابة لتطلعات المواطن الذي تحمل أزمات متتالية وينتظر من المصرف المركزي إجراءات ملموسة تنعكس على حياته اليومية. من جهته أشار المواطن عبد الوهاب الفوني إلى أن المحافظ بذل جهداً يستحق التقدير رغم الانقسامات السياسية والظروف الاقتصادية المعقدة. وأوضح إنه لا يؤيد استقالته في الوقت الحالي لأن المرحلة من وجهة نظره تحتاج إلى الاستقرار والاستمرارية مع محاسبة المسؤول على النتائج لا تغيير المسؤولين والبدء من جديد. ويختصر المواطن مطالبه في حماية قيمة الدينار وخفض سعر الدولار وضبط الإنفاق وتحسين الوضع الاقتصادي.
تحت ضغط التجاذبات
من جانبها قالت د. ليلى الأسطى رئيسة شبكة سيدات ليبيا.. أن الظرف الراهن لا يحتمل مزيداً من الاضطراب داخل المؤسسات السيادية. وتؤكد أن استقرار مصرف ليبيا المركزي ينعكس مباشرة على المواطن خصوصاً فيما يتعلق بالأسعار والسيولة وسعر الصرف والقدرة الشرائية. وترى أن أي تغيير في قيادة المصرف يجب أن يتم بعيداً عن التجاذبات السياسية وأن الأولوية ينبغي أن تكون لاستقرار المؤسسة وحماية مصالح المواطنين.
ليست مجرد استقالة
وعبّر الإعلامي الأمين الشريف عن وجهة نظره بالقول إن ما جرى بشأن محافظ مصرف ليبيا المركزي «ناجي عيسى» لا يُعد استقالة رسمية بل جاء في إطار ضغوط، وحديث عن إمكانية إقالته على خلفية أزمة السيولة وسعر الدولار وملف الاعتمادات إلى جانب الانقسام السياسي حول أداء المصرف.
وأوضح أن تراجع هذه الضغوط ارتبط بالدعم الدولي لاستقلالية المصرف المركزي وخطوات معالجة أزمة السيولة وتوفير العُملة فضلاً عن حاجة البلاد إلى الاستقرار النقدي مؤكدا أن ناجي عيسى لا يزال في منصبه ويمارس مهامه ولم تصدر حتى الآن استقالة أو إقالة رسمية بحقه
ومن جانبه قال الناشط المدني الحسين المرادي أن استقالة محافظ مصرف ليبيا المركزي ليست مجرد استقالة مسؤول بل حدث اقتصادي يمس استقرار الدينار والسيولة والأسعار والاقتصاد الوطني.
وما يهمنا كمواطنين ليس فقط معرفة أسباب الاستقالة بل فهم ما أوصل مؤسسات الدولة إلى هذه المرحلة خاصة مع الخلافات حول الإنفاق العام وإدارة الإيرادات النفطية.
ويجب ألا تتحوّل الاستقالة إلى صراع سياسي أو تصفية حسابات لأن المواطن هو المتضرر الأول مضيفا أن ليبيا تملك موارد كبيرة لكن المشكلة تكمن في سوء إدارتها والانقسام المؤسسي وضعف الرقابة وعدم استقرار السياسات المالية والنقدية.
وأكد على ضرورة حماية استقلال المصرف المركزي وضمان الشفافية وإدارة المال العام بما يحافظ على استقرار الاقتصاد ومعيشة المواطن.
بين الاستقرار والتغيير
في النهاية لا يعني المواطن كثيرًا من بقى في المنصب بقدر ما يعنيه ما يحدث في حياته اليومية. فالمواطن يريد أن يجد السيولة في المصرف، وأن يشتري احتياجات أسرته دون أن تلتهم الأسعار دخله وأن يحافظ الدينار على قيمته وأن يعرف إلى أين يتجه الاقتصاد. وبين دعوات المحافظ إلى الاستمرار ومطالب التغيير تبقى القضية الأهم: هل تحتاج ليبيا إلى تغيير الأشخاص أم تغيير السياسات؟ وهل يمكن أن تكون استقالة محافظ مصرف ليبيا المركزي إذا تأكدت رسمياً بداية لإصلاح حقيقي داخل المؤسسة أم أنها ستفتح الباب أمام أزمة جديدة في مؤسسة تمس حياة كل مواطن؟ لدى تكشف الآراء المتباينة أن السؤال لا يتوقف عند استقالة محافظ مصرف ليبيا المركزي وإنما يفتح ملفاً أوسع يتعلق بظاهرة استقالات المسؤولين في ليبيا، ويطرح عدة تساؤلات أمام صانعي القرار منها هل أصبحت المناصب العليا بيئة طاردة للمسؤولين بسبب الضغوط السياسية؟. أم أن بعض الاستقالات تأتي نتيجة لخلافات حول السياسات والقرارات؟ وهل توجد آليات واضحة لمحاسبة المسؤولين على نتائج عملهم قبل مغادرتهم؟ ومن يضمن استمرار المؤسسات عند تغير القيادات؟ وهل الاستقالة في ليبيا أصبحت وسيلة للاحتجاج على الانسداد المؤسسي أم أنها نتيجة طبيعية لفشل المسؤول في تحقيق أهدافه؟
هذه الأسئلة لا يمكن حسمها بالآراء وحدها وإنما تحتاج إجابات واضحة من الجهات المعنية حتى لا تتحوَّل استقالة مسؤول إلى مجرد مادة للجدل بينما يبقى المواطن هو من يدفع فاتورة أي اضطراب اقتصادي .



