رأي

التيه الذي نعيشه..

بقلم: عبدالله خويلد

منذ ان تم اقتحام صحيفة الوقت وإغلاق مقرها في بداية شهر يناير 2025، الذي كانت تشغله وهو ملكٌ للدولة ظلمًا وعدوانًا ورغم كل المحاولات التي بذلناها لاسترجاع الجزء البسيط الذي كانت تشغله الصحيفة لم نفلح في ذلك حتى اليوم .

ومنذ ذلك الموقف تعمدت التوقف عن الكتابة لأسباب كثيرة رغم أن ما يجري في بلادنا كان دائمًا يستحق أن يُكتب عنه ويتابع وهو ما كانت تقوم به الصحيفة وكتابها الذين يقارب عددهم لأكثر من 35 كاتب من الكتاب والصحفيين الكبار .
لكن ماتناوله خطيب الجمعة اليوم 25 . 9. 2026 شجعني ان اكتب عن ما أشار اليه بالحديث عن قضايا بالغة الخطورة ووصف البلاد بحالة التيه الذي تعيشه والذي أصاب بعض المسؤولين فيها والناس إلا ما رحم ربي حتى وصل بنا الحال إلى ما وصل إليه. وهو حال يجعلني اضع سؤالا :
هل أصبح التيه الذي نعيشه مجرد أزمة عابرة .. أم أنه تحول إلى حالة عامة أصابت مؤسسات الدولة وأثرت في حياة الناس ومستقبلهم ؟ وحديث الخطيب حرّك في داخلي رغبةً متجددة في الكتابة فحاولت أن أجمع بعض الآراء وأن أقرأ المشهد من زاوية الناس الذين عاشوا هذه السنوات وكيف تتعطل الحلول التي كلما لاحت في الأفق فرصة للخروج من الأزمة تعود الى نقطة الصفر حتى اصبحت ليبيا وطنٌ عالق في متاهة الفوضى ..

فأيُّ تيهٍ هذا الذي نعيشه ؟ وأيُّ وطنٍ هذا الذي أصبح أبناؤه يقفون كل صباح أمام سؤال واحد لا يجدون له جوابًا.. إلى أين نحن ذاهبون ؟
ليبيا ايها السادة ليست دولة فقيرة في إمكاناتها ولا بلدًا عاجزًا عن النهوض .

لديها الأرض والثروة والموقع والموارد ولديها شعب يعرف معنى الدولة ويحلم بحياة طبيعية مثل بقية شعوب العالم .

لكن المأساة أن كل هذه الإمكانات تصطدم منذ سنوات بمنظومة من الفوضى والمصالح والانقسام وسوء الإدارة حتى أصبح المواطن يشعر أن الوطن يمتلك كل شيء إلا القدرة على تحويل ما يملك إلى دولة .

فالمشكلة لم تعد أزمة عابرة .
بل أصبحت حالة عامة تسللت إلى الإدارة والاقتصاد والتعليم والصحة والخدمات والأمن والقضاء والإعلام وحتى إلى أخلاق المجتمع ونظرته إلى العمل والنجاح والحق والباطل . والأخطر ان الفساد نفسه تحول إلى شيء مألوف .

عندما يرى الشاب أن سنوات الدراسة والشهادة والكفاءة قد لا تفتح له بابًا .
بينما تفتح العلاقات والوساطة والنفوذ أبوابًا أخرى فماذا نطلب منه بعد ذلك عندما يرى المواطن أن بعض الملفات يمكن أن تبقى معلقة إلى أجل غير معلوم بينما تُحل ملفات أخرى بسرعة عندما تتوفر الواسطة أو النفوذ .
فكيف نطالبه بالثقة في المؤسسات ؟ وعندما يرى الموظف أن من يلتزم بالقانون قد يدفع ثمن التزامه بينما يستطيع آخرون تجاوز القانون دون خوف من المحاسبة فكيف نحافظ على احترام القانون ؟ ومن هنا تبدأ الدولة في الانهيار من الداخل .
فالدولة لا تسقط فقط عندما تنهار مؤسساتها بالقوة قد تسقط أيضًا عندما يفقد الناس إيمانهم بأن القانون يحميهم وأن العمل الجاد يكافأ وأن المال العام له حرمة وأن المسؤول سيُحاسب إذا أساء استخدام سلطته .
وهذه هي الحقيقة التي يجب أن نقولها بلا جميل .. أزمتنا ليست في نقص الكلام وإنما في غياب الفعل. فالليبيون سمعوا ما يكفي من الوعود وسمعوا عن الإصلاح وعن توحيد المؤسسات وعن مكافحة الفساد وعن بناء الدولة وعن تحسين الخدمات وعن حماية المال العام .
لكن المواطن يريد أن يرى أثرًا حقيقيًا في حياته .
يريد مستشفى يحترم المريض ومدرسة تحترم عقل الطالب وجامعة تمنح العلم لا الشهادة فقط وإدارة تنجز معاملته دون إذلال وقانونًا لا يفرق بين صاحب النفوذ والمواطن البسيط .
ويريد أن يعرف أين تذهب ثروات بلاده ولماذا لا تتحول هذه الثروة إلى حياة أفضل .
وكل هذه ليست مطالب رفاهية. بل هي أبسط حقوق المواطن في دولة طبيعية .
وبدلا من أن نذهب إلى بناء هذه الدولة ما زلنا عالقين في معركة لا تنتهي حول من يملك السلطة ومن يملك القرار ومن يملك النفوذ ومن يملك مفاتيح المال وكأن الدولة أصبحت غنيمة يتنافس عليها المتنافسون لا أمانة يحملها من يتولى المسؤولية .
وهنا تكمن واحدة من أكبر مصائبنا .
فحين يصبح المنصب وسيلة للمكاسب يصبح الوطن مجرد مساحة للمساومة وحين تصبح الوظيفة بابًا للمحسوبية تصبح الكفاءة عدوًا.

وحين تصبح المصلحة الشخصية أقوى من المصلحة العامة يصبح القانون قابلًا للتأويل بحسب موقع الشخص وقدرته .
وحين يغيب الحساب يصبح الخطأ مشروعًا للتكرار . والفساد الذي لا يُحاسب عليه صاحبه ليس مجرد فساد فرد بل هو رسالة إلى الآخرين بأن الطريق مفتوح .
لهذا لا يكفي أن نلعن الفساد في الخطب ثم نترك البيئة التي تنتجه كما هي .
ولا يكفي أن نطالب المسؤول بالنزاهة إذا كانت المؤسسات نفسها لا تمتلك آليات حقيقية وفعالة لمنع التجاوز والمحاسبة عليه.
ولا يكفي أن نتحدث عن دولة القانون بينما المواطن يرى أن القانون في بعض الأحيان يضعف أمام النفوذ.
إن بناء الدولة يبدأ من قاعدة بسيطة جدًا .. لا أحد فوق القانون لا مسؤول ولا غني ولا صاحب نفوذ ولا جماعة.
ولا قبيلة ولا حزب ولا مؤسسة ولا أي شخص مهما كان موقعه. وإلا فإننا لا نبني دولة بل نبني شبكة مصالح تتغير وجوهها بينما يبقى النظام نفسه. شبابٌ يهربون من وطنٍ لا يهرب من إمكاناته ولعل أكثر مشاهد هذه المأساة إيلامًا هو حال الشباب. شباب ليبيا لا تنقصهم الأحلام. لكنهم مصطدمون بسؤال قاتل ..
أين أضع حلمي ؟ أين يذهب خريج الجامعة إذا لم يجد سوقًا حقيقيًا للعمل ؟ ماذا يفعل صاحب الموهبة إذا وجد أن الأبواب لا تُفتح دائمًا بالكفاءة ..
كيف يقنع الشاب نفسه بالبقاء عندما يرى أقرانه يبحثون عن مستقبلهم خارج البلاد ؟
إن الوطن الذي يدفع أبناءه إلى التفكير في الرحيل قبل التفكير في بناء المستقبل يخسر شيئًا أكبر من الأيدي العاملة يخسر المستقبل نفسه. وليس أخطر على بلد من أن يصبح حلم شبابه هو مغادرته وطنٌ للجميع أم ساحةٌ لمن يملك النفوذ ؟ لقد وصلنا إلى مرحلة أصبح فيها السؤال مؤلمًا ..
هل ليبيا وطن يعيش فيه الجميع وفق قواعد واحدة أم مساحة تتصارع فيها المصالح بينما المواطن هو الحلقة الأضعف ؟
فالبلاد ليست ملكا لمن يتولى منصبًا .
وليست ملكًا لمن يملك المال .
وليست ملكًا لمن يملك السلاح .
وليست ملكًا لمن يستطيع الوصول إلى دوائر القرار . ليبيا ملك الليبيين جميعا.
وكل من يتولى شأنًا عامًا يجب أن يتذكر أن الكرسي مؤقت بينما آثار القرارات قد تبقى عقودا.
والتيه – في أعمق معانيه ليس مجرد السير بلا اتجاه .. إنه فقدان البوصلة . أن تعرف أن الطريق الصحيح أمامك ثم لا تسلكه.
أن تعرف أن الفساد يهدم الدولة ثم تتعايش معه.
أن تعرف أن المحسوبية تقتل الكفاءة ثم تستخدمها.
أن تعرف أن الانقسام يضعف الوطن ثم تتمسك بما يحقق مصلحتك الخاصة.
أن تعرف أن الشباب هم ثروة البلاد ثم تتركهم بلا أفق.
أن تعرف أن المال العام حق للناس ثم تسمح بإهداره.
هذا هو التيه الذي يجب أن نخاف منه. تيهٌ – لا تقاس سنواته بالرقم بل بعدد الأجيال التي تضيع فيه.
الحقيقة التي يجب ألا نخاف منها .. الحقيقة أن ليبيا لن تخرج من أزمتها بتغيير الأشخاص وحده. بل ستخرج عندما يتغير منطق إدارة الدولة. عندما تصبح المؤسسات أقوى من الأشخاص. وعندما يصبح القانون أقوى من النفوذ . وعندما تصبح الكفاءة أقوى من الواسطة .
وعندما تصبح المحاسبة حقيقة لا شعارا. وعندما يصبح المال العام خطا أحمر. وعندما يصبح المنصب مسؤولية لا فرصة للثراء. وعندما يدرك الجميع أن الوطن ليس خزينة مفتوحة لمن يستطيع الوصول إليها.

نحن لا نحتاج إلى مزيد من الكلام المنمق .
نحن نحتاج إلى شجاعة الاعتراف.
ونقول بالسوط العالي إن هناك خللًا عميقًا .
وأن نقول إن استمرار الوضع بهذه الصورة ليس حلًا .
وأن نقول إن الإصلاح الحقيقي لا يمكن أن يكون انتقائيًا . لابد أن يبدأ من القاعدة إلى القمة ومن أصغر مؤسسة إلى أكبر مؤسسة.

فالفساد الذي يفسد مؤسسة صغيرة والفساد الذي يفسد مؤسسة كبيرة كلاهما يضرب الفكرة نفسها .. فكرة الدولة.

كفى تيها فقد تعب المواطن من الانتظار. ومن الوعود.

وتعب من أن يرى وطنًا غنيًا يعيش أزمات لا تليق بإمكاناته.

وتعب الشباب من أن يكون مستقبلهم مؤجلًا إلى أجل غير مسمى .
وتعبت البلاد من أن تُدار بعقلية الأزمة بينما العالم من حولها يبني ويخطط ويتقدم .
والتعب لا ينبغي أن يتحول إلى يأس والغضب لا ينبغي أن يتحول إلى فوضى جديدة.

بل يجب أن يتحول إلى وعي .
فالدولة لا تُبنى بالتصفيق للأشخاص وإنما ببناء المؤسسات.
وأن الوطنية ليست شعارا نرفعه وإنما مال عام نحافظ عليه وقانون نحترمه ووظيفة نؤديها بإخلاص وحق لا نعتدي عليه وواجب لا نهرب منه. ليبيا لا تحتاج إلى معجزة.
تحتاج إلى إرادة حقيقية للخروج من هذه الدائرة . وإلى رجال ونساء يؤمنون بأن الوطن أكبر من مصالحهم .
وتحتاج إلى مؤسسات تستطيع أن تقول للفاسد ..لا. وللمحسوب على النفوذ . لا. ولمن يعبث بالمال العام: لا. ولمن يضع مصلحته فوق مصلحة البلاد .. لا.
وتحتاج قبل كل شيء إلى أن نستعيد شيئًا فقدناه .
فقد يختلف الليبيون في السياسة وفي الرؤية وفي طريقة إدارة البلاد وهذا طبيعي .
لكن لا ينبغي أن يختلفوا على أن الدولة يجب أن تكون دولة قانون وأن المال العام ليس غنيمة وأن المواطن ليس تابعًا لأحد وأن الشباب ليسوا فائضًا عن الحاجة وأن الوطن ليس ملكًا لمن يجلس على كرسي السلطة.

لقد طال التيه.
وطال الانتظار. وطال استنزاف الوطن . ولم يعد السؤال .. متى تنتهي الأزمة ؟ بل السؤال الأخطر هو..
كم جيلا آخر سندفعه ثمنًا لاستمرارها ؟
الوقت أيها السادة لم يعد يسمح بمزيد من الدوران حول أنفسنا.
فإما أن نبدأ في بناء دولة حقيقية أو نظل ننتقل من أزمة إلى أزمة ومن مرحلة انتقالية إلى مرحلة انتقالية والسنوات تضيع ويكبر اليأس ويرحل الشباب وتصبح الفوضى شيئًا طبيعيًا في حياة الناس.
فالوطن لا يموت فجأة. ولكن قد يموت ببطء حين يعتاد الناس الخطأ.
ويصبح الفساد عاديًا وحين يصبح القانون ضعيفًا . وحين يفقد الشباب الأمل .
وحين يصبح الصمت أسهل من المواجهة . فهل نستمر في التيه – أم نمتلك أخيرًا شجاعة العودة إلى الطريق؟ ذلك هو السؤال الذي لا ينبغي أن نهرب منه بعد اليوم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى