أجندة الثقافة العالمية في النصف الأول من سبتمبر 2026: مَنْ يكتب التاريخ؟ ومَنْ يملك حق الذاكرة؟
مفتاح ميلود

مَنْ يكتب التاريخ؟ ومَنْ يقرر ما الذي يستحق أن يبقى في الذاكرة؟ ومَنْ يختار الكتب التي تقرأها الأجيال، وما الذي يصل إلى القارئ وما الذي يُحجب عنه؟ وهل يستطيع الكاتب أن يقف على الحياد حين تمتد السياسة إلى المكتبة والمنهج والكتاب نفسه؟
قد تبدو هذه الأسئلة متباعدة، لكنها تلتقي بصورة لافتة في المشهد الأدبي، والفكري العالمي خلال النصف الأول من سبتمبر لهذا العام. فبين مكتبات تخوض معركة على حق القارئ في الوصول إلى الكتاب، ومفكر يعيد النظر في أطروحة صنعت جزءًا من الجدل السياسي في العقود الأخيرة، ونقاش بريطاني حول الكتب التي ينبغي أن يقرأها الطلاب، ورواية تجريبية تضع الحدود بين حياة الكاتب وحياة الآخرين موضع مساءلة، تبدو الثقافة وكأنها تعيد طرح سؤالها القديم بوجه جديد: من يملك حق تشكيل الذاكرة؟
في الولايات المتحدة، حذّرت منظمة «بن أميركا» «PEN America» من تصاعد الضغوط السياسية على المكتبات العامة، مشيرة إلى حظر كتب، ومضايقات يتعرض لها أمناء المكتبات، وتدخلات في استقلال مجالسها، فضلًا عن ضغوط التمويل. وما يجعل المسألة أبعد من خلاف حول عناوين بعينها أن المعركة انتقلت من المدرسة إلى المكتبة العامة، أي إلى المكان الذي يفترض أن يكون مفتوحاً أمام القارئ من دون أن يُسأل عمّا يريد أن يعرفه. وهنا يصبح السؤال الثقافي سؤالًا سياسيًا صريحًا:
مَنْ يحدد حدود المسموح في المعرفة؟
وفي الضفة الفكرية الأخرى، عاد المفكر الأمريكي «فرانسيس فوكوياما» إلى أطروحته الشهيرة «نهاية التاريخ»، في مذكراته الجديدة «في مملكة الإنسان الأخير»، موضحًا أن عبارته التي أثارت جدلاً عالمياً لم تكن تعني نهاية الحروب والصراعات، بل كانت تتعلق باعتقاده بأن الديمقراطية الليبرالية قد تبدو النموذج السياسي الأكثر إقناعاً. اليوم، وبعد صعود الشعبوية، وأزمات الديمقراطيات، يعود صاحب الأطروحة نفسها ليفحصها من مسافة زمنية جديدة، واضعاً الاعتراف والكرامة الإنسانية في قلب أسئلته عن السياسة والمجتمع.
وفي بريطانيا، انتقل الصراع إلى المنهج الأدبي: ما الكتب التي ينبغي أن يقرأها الطلاب؟ وهل يكفي أن يبقى الأدب المدرسي أسير قائمة كلاسيكية راسخة؟، أم ينبغي أن تتسع لتشمل كاتبات وأدباً أفريقياً وخيالاً علمياً وتجارب أكثر تنوعاً؟ لتصبح المسألة تساؤلات عن إعادة تعريف معنى «الكانون الأدبي»: هل التراث ما ورثناه فقط، أم ما نختار أن نورثه أيضًا؟
أما الروائية الأسترالية «نادين براون»، فتقارب المسألة من الجهة الأكثر حميمية في روايتها الأولى «غون غيرو» «Gone Guru»، التي تمزج السيرة الذاتية بالخيال والتحقيق الأدبي والسخرية. هنا لا تسأل الرواية ماذا يفعل الكاتب بحياته، وماذا يفعل بحياة الآخرين حين يحولها إلى مادة للكتابة.
وهكذا تلتقي المكتبة، والمدرسة، والفكر والرواية عند سؤال واحد: مَنْ يملك الكلمة، ومَنْ يملك حق البقاء في الذاكرة؟.



