اقتصادرأي

عدالة المرتبات.. المدخل الحقيقي للإصلاح الإداري والمالي في ليبيا

عبد العظيم كشاد

إن‭ ‬ما‭ ‬تشهده‭ ‬ليبيا‭ ‬من‭ ‬تفاوت‭ ‬واضح‭ ‬في‭ ‬المرتبات‭ ‬بين‭ ‬العاملين‭ ‬في‭ ‬الجهات‭ ‬العامة،‭ ‬رغم‭ ‬أن‭ ‬مرتباتهم‭ ‬تُصرف‭ ‬جميعاً‭ ‬من‭ ‬الخزانة‭ ‬العامة،‭ ‬أصبح‭ ‬أمراً‭ ‬يستوجب‭ ‬الوقوف‭ ‬عنده‭ ‬بكل‭ ‬جدية‭ ‬ومسؤولية،‭ ‬لما‭ ‬يترتب‭ ‬عليه‭ ‬من‭ ‬شعور‭ ‬بعدم‭ ‬الإنصاف‭ ‬بين‭ ‬الموظفين‭.. ‬وقد‭ ‬أظهرت‭ ‬البيانات‭ ‬المنشورة‭ ‬بشأن‭ ‬مؤشر‭ ‬مدركات‭ ‬الفساد‭ ‬لعام‭ ‬2025‭ ‬الصادر‭ ‬عن‭ ‬منظمة‭ ‬الشفافية‭ ‬الدولية،‭ ‬والذي‭ ‬صدر‭ ‬في‭ ‬فبراير‭ ‬2026،‭ ‬أن‭ ‬ليبيا‭ ‬جاءت‭ ‬في‭ ‬المرتبة‭ ‬177‭ ‬عالمياً‭ ‬من‭ ‬أصل‭ ‬182‭ ‬دولة،‭ ‬لتكون‭ ‬ضمن‭ ‬الدول‭ ‬الخمس‭ ‬الأخيرة‭ ‬عالمياً‭ ‬في‭ ‬المؤشر‭.. ‬وفي‭ ‬الوقت‭ ‬الذي‭ ‬تتحدث‭ ‬فيه‭ ‬الدولة‭ ‬عن‭ ‬مكافحة‭ ‬الفساد‭ ‬وتحقيق‭ ‬الإصلاح‭ ‬الإداري‭ ‬والمالي،‭ ‬نجد‭ ‬تفاوتاً‭ ‬كبيراً‭ ‬في‭ ‬المرتبات‭ ‬وظروف‭ ‬العمل‭ ‬بين‭ ‬بعض‭ ‬الجهات‭ ‬العامة،‭ ‬رغم‭ ‬أن‭ ‬مصدر‭ ‬التمويل‭ ‬في‭ ‬النهاية‭ ‬هو‭ ‬الخزانة‭ ‬العامة‭.‬

فعلى‭ ‬سبيل‭ ‬المثال،‭ ‬قد‭ ‬يتقاضى‭ ‬موظف‭ ‬في‭ ‬إحدى‭ ‬الجهات‭ ‬العامة،‭ ‬وعلى‭ ‬درجة‭ ‬وظيفية‭ ‬ما،‭ ‬مرتباً‭ ‬يصل‭ ‬الي‭ ‬12،000‭ ‬دينار‭ ‬شهرياً،‭ ‬مقابل‭ ‬العمل‭ ‬يومين‭ ‬فقط‭ ‬في‭ ‬الأسبوع،‭ ‬أي‭ ‬ما‭ ‬يعادل‭ ‬تقريباً‭ ‬1،500دينار‭ ‬عن‭ ‬يوم‭ ‬العمل‭ ‬الواحد،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬أن‭ ‬موظفاً‭ ‬بنفس‭ ‬الدرجة‭ ‬الوظيفية‭ ‬في‭ ‬جهة‭ ‬عامة‭ ‬أخرى‭ ‬لا‭ ‬يتجاوز‭ ‬مرتبه‭ ‬2‭,‬000‭ ‬دينار‭ ‬شهرياً،‭ ‬رغم‭ ‬التزامه‭ ‬بالعمل‭ ‬بشكل‭ ‬يومي،‭ ‬بما‭ ‬يعادل‭ ‬نحو‭ ‬67‭ ‬ديناراً‭ ‬عن‭ ‬يوم‭ ‬العمل‭. ‬وبهذه‭ ‬الصورة،‭ ‬فإن‭ ‬الفارق‭ ‬لا‭ ‬يعود‭ ‬مجرد‭ ‬اختلاف‭ ‬في‭ ‬قيمة‭ ‬المرتبات،‭ ‬وإنما‭ ‬يصبح‭ ‬فارقاً‭ ‬كبيراً‭ ‬في‭ ‬المقابل‭ ‬المالي‭ ‬الذي‭ ‬يحصل‭ ‬عليه‭ ‬الموظف‭ ‬نظير‭ ‬يوم‭ ‬العمل،‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬يثير‭ ‬تساؤلات‭ ‬مشروعة‭ ‬حول‭ ‬مدى‭ ‬تحقيق‭ ‬العدالة‭ ‬والمساواة‭ ‬بين‭ ‬العاملين‭ ‬في‭ ‬مؤسسات‭ ‬الدولة‭.‬

إن‭ ‬الموظف‭ ‬الذي‭ ‬يلتزم‭ ‬بالحضور‭ ‬اليومي،‭ ‬ويؤدي‭ ‬مهامه‭ ‬ومسؤولياته،‭ ‬ويقضي‭ ‬معظم‭ ‬وقته‭ ‬في‭ ‬مقر‭ ‬عمله،‭ ‬من‭ ‬حقه‭ ‬أن‭ ‬يشعر‭ ‬بأن‭ ‬جهده‭ ‬مقدّر،‭ ‬وأن‭ ‬المنظومة‭ ‬المالية‭ ‬والإدارية‭ ‬التي‭ ‬يعمل‭ ‬في‭ ‬ظلها‭ ‬تقوم‭ ‬على‭ ‬أسس‭ ‬واضحة‭ ‬وعادلة‭.. ‬ولا‭ ‬تهدف‭ ‬هذه‭ ‬المقارنة‭ ‬إلى‭ ‬الانتقاص‭ ‬من‭ ‬حقوق‭ ‬أي‭ ‬موظف‭ ‬أو‭ ‬جهة،‭ ‬فكل‭ ‬موظف‭ ‬يستحق‭ ‬الحصول‭ ‬على‭ ‬حقوقه‭ ‬كاملة،‭ ‬وإنما‭ ‬الهدف‭ ‬هو‭ ‬المطالبة‭ ‬بالعدالة‭ ‬والإنصاف‭ ‬ووضع‭ ‬معايير‭ ‬موحدة‭ ‬ومنطقية‭ ‬للمرتبات‭ ‬والحوافز‭ ‬والمزايا‭ ‬المالية‭ ‬في‭ ‬جميع‭ ‬الجهات‭ ‬العامة،‭ ‬بحيث‭ ‬تراعي‭ ‬الدرجة‭ ‬الوظيفية،‭ ‬وطبيعة‭ ‬العمل،‭ ‬وحجم‭ ‬المسؤوليات،‭ ‬وساعات‭ ‬العمل،‭ ‬والجهد‭ ‬المبذول‭.‬

إن‭ ‬استمرار‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬الفوارق‭ ‬الكبيرة‭ ‬بين‭ ‬موظفي‭ ‬الدولة،‭ ‬دون‭ ‬وجود‭ ‬معايير‭ ‬واضحة‭ ‬تبررها،‭ ‬من‭ ‬شأنه‭ ‬أن‭ ‬يخلق‭ ‬شعوراً‭ ‬بالغبن‭ ‬والظلم‭ ‬لدى‭ ‬شريحة‭ ‬واسعة‭ ‬من‭ ‬الموظفين،‭ ‬ويؤثر‭ ‬سلباً‭ ‬في‭ ‬الرضا‭ ‬الوظيفي‭ ‬والإنتاجية‭ ‬والثقة‭ ‬في‭ ‬مؤسسات‭ ‬الدولة‭.. ‬فالعدالة‭ ‬لا‭ ‬تعني‭ ‬أن‭ ‬يحصل‭ ‬الجميع‭ ‬على‭ ‬المرتب‭ ‬نفسه،‭ ‬وإنما‭ ‬تعني‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬الفروق‭ ‬في‭ ‬المرتبات‭ ‬والمزايا‭ ‬قائمة‭ ‬على‭ ‬أسس‭ ‬موضوعية‭ ‬وعادلة‭ ‬ومعلنة،‭ ‬وأن‭ ‬يحصل‭ ‬كل‭ ‬موظف‭ ‬على‭ ‬مقابل‭ ‬يتناسب‭ ‬بصورة‭ ‬منصفة‭ ‬مع‭ ‬عمله‭ ‬ومسؤولياته‭.. ‬ومن‭ ‬هنا،‭ ‬فإن‭ ‬مراجعة‭ ‬منظومة‭ ‬المرتبات‭ ‬في‭ ‬الجهات‭ ‬العامة،‭ ‬وتحقيق‭ ‬قدر‭ ‬أكبر‭ ‬من‭ ‬العدالة‭ ‬بين‭ ‬موظفي‭ ‬الدولة،‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬جزءاً‭ ‬أساسياً‭ ‬من‭ ‬أي‭ ‬مشروع‭ ‬حقيقي‭ ‬للإصلاح‭ ‬الإداري‭ ‬والمالي،‭ ‬لأن‭ ‬مكافحة‭ ‬الفساد‭ ‬لا‭ ‬تكتمل‭ ‬إلا‭ ‬بترسيخ‭ ‬العدالة‭ ‬والشفافية‭ ‬وتكافؤ‭ ‬الفرص‭.‬

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى